0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

تمييز التعسف في استعمال السلطة عما يشتبه به

المؤلف:  محمد سامي نعمان

المصدر:  التعسف في استعمال السلطة واثره في المسؤولية الجزائية في التشريع العراقي

الجزء والصفحة:  ص 64-77

2026-09-12

18

+

-

20

..... تمييز التعسف من الصور الاخرى التي تمس الوظيفة العامة، الذي يسهل لنا فك بعض الغموض الذي يكتنف جريمة التعسف في استعمال السلطة.
إن مفهوم التعسف في استعمال السلطة من الممكن أن يتداخل مع مصطلحات قانونية أخرى تملك معنى أو دلالة قريبة نوعاً ما من معنى التعسف، والذي قد يترتب عليه عدم التمييز بينهما من قبل الباحثين، فعلى سبيل المثال نجد في القانون الخاص يوجد مصطلح أو تسمية التعسف في استعمال الحق فهل هنالك اختلاف بين التسميتين؟ بالإضافة إلى ذلك هنالك مصطلح التجاوز في السلطة أو الحق. عليه من أجل الاحاطة بالموضوع سنقسم الحديث في هذا الموضوع على النحو الآتي:
أولاً - تمييز التعسف في استعمال السلطة من التجاوز
من خلال الاطلاع على قانون العقوبات العراقي، وفي مسعى من المشرع لحماية الوظيفة العامة والحفاظ على حسن الاداء في الواجبات الوظيفية نجد أن المشرع العراقي وفي سبيل تحقيق هذا المسعى والهدف جاء بفصل تحت تسمية (تجاوز الموظفين حدود وظائفهم) (1) ، وعند استقراء النصوص التي وردت في هذا الفصل نجد أن المشرع أدخل ضمن مصطلح (التجاوز العديد من الصور وأهمها مصطلح الاساءة والاخلال والاهمال وايضا التعسف (2).
والسؤال الذي يثار هنا هو ما المقصود بتلك المصطلحات وما مدى ارتباطها ب مصطلح التعسف في استعمال السلطة؟ فالإجابة على هذا السؤال يعد في غاية الأهمية، إذ سيبين لنا بشكل واضح الفرق الجوهري بين التجاوز والتعسف مما يتطلب منا الوقوف على مفهوم كل مصطلح ومن ثم معرفة الاختلاف فيما بينهما
1- تمييز التعسف من الاهمال
الاهمال لغة "تركتها هملا، أي سدى ترعى بغير راعٍ ليلاً ونهاراً و (اهملت) الامر تركته عن عمد أو نسيان"(3). والترك هو تصرف سلبي بمعنى أن الموظف امتنع ولم يتخذ الحيطة التي توجبها عليه القواعد والقوانين التي تحكم الوظيفة العامة.
وفي الاصطلاح يعرف الاهمال على أنه "موقف سلبي يتمثل في ترك الجاني واجب مفروض على كل شخص يوجد في نفس الظروف أي يعبر عن الامتناع عن اتخاذ الحيطة الواجبة للحيلولة دون حدوث النتيجة الضارة (4).
وهذا ما قضت به محكمة استئناف المثنى الاتحادية بصفتها التمييزية في قرار لها والذي جاء في حيثياته ...إن الثابت من وقائع الدعوى أن المدان كان قد ترأس عام 2007 لجنة تجهيز الجوامع والحسينيات في محافظة المثنى بالأثاث والمواد الكهربائية وقد تسبب بخطئه الجسيم الحاق ضرر بأموال الجهة التي يعمل فيها (مديرية الوقف الشيعي نتيجة لعدم مسكه سجلات نظامية خاصة بالمواد التي تم توزيعها على متولي الجوامع والحسينيات وقبوله آلية عمل غير صحيحاً وعدم احتفاظه بالقصاصات المرسلة اليه من مدير الوقف الشيعي في المحافظة الخاصة بصرف المواد لبعض الجهات ونتج عن ذلك الاهمال تسجيل مواد لم يتم تسليمها للمتولين أو إخراج كميات أكثر من الكميات المسلمة وعدم تسجيل مواد فعلاً, لذا فإن قرار إدانته وفق المادة (341) من قانون العقوبات له سنده من القانون عليه قرر تصديق كافة القرارات الصادرة ....(5).
وظهر اتجاه في المدرسة الانجليزية يعرف الاهمال على أنه حالة ذهنية تتمثل أساساً في الاتجاه المعنوي إلى اللامبالاة المخلة بما يتعلق بسلوك المرء ونتائجه، وطبقاً لهذا الاتجاه فإن الموظف المهمل هو الشخص الذي لا يبالي(6).
وخلاصة ذلك أن المراد بالإهمال هو أن الجاني قد غفل عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة بما تمليه الخبرة الانسانية العامة والحذر على من كان في مثل ظروفه، وفي مثل هذه الحالة فإن الخطأ يتخذ مظهرا سلبياً، قد تمثل في الترك أو الامتناع(7).
ولذا قد يقع الخلط بين الاهمال والتعسف على أساس أن كلاهما يعدا صورة من صور التجاوز على الوظيفة العامة، لكن التعسف يختلف الاهمال من جوانب عديدة، فالتعسف هو قيام المسؤول الإداري بتصرف داخل ضمن صلاحياته واختصاصه ولا يخرج عن نطاق موافقة القانون في سبيل تحقيق غايات خاصة، ولذلك فهو تصرف أو سلوك ايجابي ولا يكون مخالفاً للقانون بل يستفاد من كون التصرف قانونياً كالنقل والطرد والاعارة فكلها تصرفات مشروعة يختص بها المسؤول الإداري وتدخل ضمن سلطته التقديرية، أما الاهمال فهو سلوك سلبي بمعنى أن الموظف يغفل عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الضرر ، كذلك يختلف التعسف عن الاهمال من ناحية القصد الجرمي، فالتعسف كما ذكرنا لا يقع إلا عمدياً فهو مقترن بسوء نية دائماً، في حين أن الاهمال جريمة غير عمدية تنهض بصورة الخطأ بموجب نص المادة (341) (8) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل (2) ، كذلك بدلالة المادة (35) من ذات القانون (9).
ولا يغير من الصفة غير العمدية لجريمة الاهمال وإن كان الخطأ جسيما، إذ إن القاعدة في القانون الجنائي المستقرة أن الخطأ غير العمدي لا يصل لمرتبة القصد الجرمي مهما كانت جسامته (10).
ومن تحليل نص المادة (341) نستنتج بوجود تلازم فيما بين الخطأ الجسيم وبين قيام جريمة الاهمال الوظيفي، وهذا ما أكدته محكمة استئناف بغداد بصفتها التمييزية بأن : "المتهم مكلف بحراسة باب الطوارئ في مستشفى الكندي وللمستشفى أربعة أبواب والسرقة حصلت داخل المستشفى بمذخرها ويرتاد المستشفى عدد كبير من المراجعين والموظفين وحيث لم يثبت أن المتهم قد ارتكب خطأ جسيماً فإن أركان المادة (341) عقوبات غير متحققة...(11).
ويثور هنا التساؤل الذي يدور حول ما إذا كان من الممكن أن نتصور قيام جرائم الاهمال بمجرد سلوك محض لا تترب عليه أي نتيجة، وبذلك يمكننا القول بأن جريمة الاهمال الوظيفي بموجب المادة (341) من قانون العقوبات العراقي، لا يمكن أن تقوم مالم يتحقق الضرر ، ذلك لأنها مرتبطة بالنتيجة غير المشروعة التي أسفر عنها تصرف الفاعل (12).
فهي من الجرائم التي تدخل ضمن نطاق جرائم الضرر فالضرر يمثل عنصراً من عناصر الركن المادي لجريمة الاهمال وهي النتيجة الضارة، فالمشرع العراقي قد اشترط لقيام هذه الجريمة أن يكون هنالك ضرر، وان يكون هذا الضرر الواقع جسيماً (13) ، وهو ما استقر عليه العمل في القضاء العراقي، فجاء في قرار لمحكمة التمييز الاتحادية يشترط لمعاقبة أي موظف أو مكلف بخدمة عامة وفق المادة 431 ق .ع أن يتوافر الخطأ الجسيم في عمله بحيث يؤدي إلى ضرر جسيم بمصالح الجهة التي يعمل بها ولا مسؤولية جنائية إلا بتوافر هذين الركنين"(14)، وعلى هذا المنوال سارت محكمة استئناف بغداد الرصافة الاتحادية الهيئة التمييزية "... أن متطلبات تحقق العنصر الجزائي في الفعل المنسوب إلى المتهم وفق المادة 341 عقوبات هو وجود ضرر جسيم بأموال الدولة أو مصالح الجهة التي يهمل بها الموظف أو المكلف بخدمة عامة وان هذا الضرر جاء نتيجة إهمال جسيم قام به المذكور...(15)، وفي قرار آخر "... ما نسب إلى المتهم من أفعال وهل أن الضرر كان جسيماً وإبراز ذلك في القرار الحاسم في القضية باعتبار أن تطبيق المادة 341 عقوبات يتطلب توفر ضرر جسيم بأموال ومصالح الجهة التي يعمل بها الموظف (16).
في المقابل نجد أنه من خلال استقراء نص المادة (329 / ثالثا) من قانون العقوبات العراقي أن جريمة التعسف تتشابه مع جريمة الاهمال في هذه النقطة، إذ إن الافعال التي أشارت إليها المادة يترتب عليها ضرر مؤكد إن وقعته ومن ثم فإن الجريمة محل البحث تعد من جرائم الضرر ... .
2- تمييز التعسف من الاخلال
أشارت المادة 341 من قانون العقوبات العراقي إلى مصطلح "الاخلال" كصورة من صور التجاوز على الوظيفة العامة، فما هو مفهوم الاخلال؟
الاخلال في اللغة مصدر الفعل "أخل" وأخل بالشيء: قصر فيه تركه ولم يأتِ به، أساء فيه وأفسده (17). وكلمة إخلال مصدر مشتق من "الخلل" بمعنى الوهن والفساد(18).
ويرى رجال الفقه أن مصطلح "الاخلال الجسيم " كصورة من صور خطأ الموظف يغني بحد ذاته عن ذكر أي صورة أخرى من صور التجاوز ، ذلك أن الاهمال الجسيم بواجبات الوظيفة وإساءة استعمال السلطة ما هما إلا إخلالاً بواجبات الوظيفة (19).
وفي هذا السياق قضت محكمة التمييز الاتحادية في قرار لها عند إمعان النظر في وقائع الدعوى والادلة المتمخضة عنها والمتمثلة بأقوال الممثل القانوني لمصرف الرافدين التي جاء فيها أن المتهم م. ج.م عندما كان مديرا لمصرف الرافدين فرع الزوية قام بصرف مبلغ الصك البالغ أربعة عشر مليار دينار مخالفا بذلك تعليمات المصرف لكونه قام بالتوقيع على الصك بمفرده دون بقية المخولين.... ومما تقدم من وقائع يثبت ان فعل المتهم ينطبق وأحكام المادة (341) من قانون العقوبات وليست المادة (340) لأن المتهم قد تسبب بأخلاله الجسيم بواجبات وظيفته ضررا جسيما بأموال دائرته لذا قرر إبدال الوصف القانوني لفعل المتهم وجعله وفق احكام المادة 341 من قانون العقوبات (20).
2- تمييز التعسف من الاساءة
وفيما يتعلق بـ (الاساءة) ففي الاصطلاح اللغوي تأتي بمعنى بالغ" في إساءته، جاوز الحد في معاملته معاملة سيئة، تلقى منه إساءة بالغة إهانة، ضرراً (21).
وتعرف الاساءة في استعمال السلطة في فقه القانون على أنها استعمال الشخص للسلطة المخولة له أو حقه بصورة يخرج بها عن الحدود الخارجية التي وضعها القانون"(22).
أما في الفقه الجنائي فقد تم تعريف إساءة استعمال السلطة بأنها "خروج الموظف العام عن القوانين والانظمة واللوائح التي تحكم الوظيفة العامة والمجي بسلوك يخالفها"(23).
والاساءة من خلال التعاريف أعلاه، تحمل معنى العمد والخطأ كما أنها تعد تجاوزاً لأحكام الوظيفة العامة، يتضح لنا مما ذكر أن الاهمال والاخلال والاساءة هما صورة من صور التجاوز، ومن ثم فإن التجاوز في استعمال السلطة يختلف عن التعسف فيها، ذلك أن التجاوز يعني أن الموظف قد خرج من نطاق الاباحة بعد دخولها ، أو بمعنى قد تجاوز الحد المادي (24).
وذهب البعض إلى جعل التجاوز والتعسف معا صورتين من صور الخروج عن الحدود المقررة عمدا أو خطأ، واعتبروا التجاوز جزءاً من فكرة التعسف (25). فهي علاقة جزء بكل، ففكرة التجاوز تمثل جزءا من فكرة التعسف كما انهما يمثلان شيئا واحدا من حيث أن كلا منهما صورة من صور الخطأ بمعناه العام (26).
وايضا قسم من الفقه قد خلط فيما بين التجاوز ،والتعسف إذ عرف التجاوز بأنه تعدى الفعل الذي يستند إلى ظرف الاباحة الغاية أو المصلحة من تقريرها (27).
وفي الحقيقة أن هذا التعريف ينطبق على التعسف .... بأنه الخروج عن الغاية أو الحدود الغائية وليس المادية.
وذهب جانب آخر من الفقه إلى التميز بين التجاوز والتعسف فيذهبون إلى أن استعمال حق أو سلطة معينة قد لا يخرج عن الحدود الموضوعية لذلك الحق، وفي ذلك يذهب إلى القول "التعسف يعتمد أساساً على وجود الحق، فإن الفعل في المجاوزة غير مشروع لذاته، فهو مجرد تجاوز الحدود الحق الموضوعية وهو فيصل التفرقة فيما بينهما (28).
ومن جانبنا نميل إلى الاتجاه القائل بضرورة التميز فيما بين التجاوز والتعسف، وذلك لكون أن الفارق فيما بين المصطلحين يبدو واضحاً وظاهراً. فالمقصود بالتعسف: أن الشخص يمارس فعلاً مشروعاً بموجب حق شرعي قد ثبت له، أو بمقتضى إباحة مأذون فيها، فالتعسف يعتمد في الاصل وجود الحق، وهذا بدوره يستلزم مشروعية الفعل اللازم لممارسة هذا الحق (29).
في حين أن التجاوز غير مشروع في ذاته أساساً، أي أن الشخص لا يكون في حالة التجاوز متعسفاً في استعمال السلطة أو الحق وإنما يكون معتدياً واستعمل لما ليس حق له(30).
فطبقاً لما ذكر، أن الاساس في التعسف استعمال حق أو سلطة على نحو مشروع لذاته، إلا أن الفعل يكون مشوباً بعيب في غايته بمعنى هنالك سوء نية (31). فالتعسف كفكرة إنما تفترض أن يكون هنالك فعل يدخل في حدود مضمون الحق فيكون مشروعاً في ذاته إلا أنه ينقلب ويصبح غير مشروع وذلك لكون صاحب السلطة قد انحرف في قصده، بمعنى أن صاحب الحق أو السلطة يستعمل سلطته في غير الغرض الذي شرع من أجله مما يتسبب بالضرر للغير (32) . أما التجاوز فإن الشخص يستعمل حقه على نحو يتعدى أو يتجاوز الحدود الخارجية ذاتها التي رسمها القانون(33).
ولذلك فإن البحث في معيار التعسف يكون داخل حدود الحق ذاته وهو عمل مشروع يتفق مع القانون في الاصل، فلا يبحث عنه كعمل غير مشروع (34) . وفي ذلك يذهب بعضهم بالقول إلى أن التعسف كفكرة تحتوي على معنى آخر غير التجاوز ، فعلى حين يتفق استعمال حق معين مع هذا الحق لأنه لم يخرج عن حدوده الموضوعية، إلا أنه في الوقت نفسه يمكن أن يتناقض مع القانون وذلك لوجود نية خبيثة، أو أن استعماله دون مصلحة مشروعة، أو بسبب الانحراف عن غاية الحق، عندئذ يبدو منطقيا أن يتفق عملا مع الحدود الموضوعية للحق ويتعارض مع القانون في مجموعة(35).
والخلاصة التي نسعى اليها من خلال التمييز بين التجاوز والتعسف في استعمال السلطة، أن للحق حدوداً مادية وشخصية، وأن عدم التقيد بالحدود الموضوعية سيولد التجاوز في المقابل أن عدم التقيد بالحدود الشخصية أو الغائية سينتج عنه التعسف(36).
وإن أغلب الباحثين اعتمدوا في تعريفهم للتعسف والتجاوز والتمييز فيما بينهما إلى الامثلة، وهو مثال واحد مأخوذ من فقه القانون المدني، إذ اعتبروا أن الشخص الذي يبني في أرض غيره يعد متجاوزا، أما الذي يبني بناء عالياً في أرضه ويتسبب بحجب الضوء أو الهواء عن جاره يعد متعسفاً ففي الحالة الثانية للشخص الحق في البناء في ارضه في حين الحالة الأولى في الاصل لا يملك هذا الحق(37).
واذا كان للتمييز بين التعسف والتجاوز في الحق اهمية في القانون المدني، فإن هذه الاهمية تبدو اكثر وضوحاً في القانون الجنائي.
وأول مظاهر هذه الاهمية تتجسد في كون أن التعسف لا يمكن أن يكون إلا عمدياً فهو مقترن دائماً بسوء النية، أما التجاوز قد يكون عمداً أو خطأ، ومما لا شك فيه أن لذلك أثر في التكييف القانوني للواقعة المرتكبة، وثاني مظاهر هذه الأهمية تبدو في أن الشخص المتعسف شخص النية يريد أن سيء يتحايل على أحكام الشرع والقانون ويتخذ من وسيلة مشروعة غاية غير مشروعة(38).
ثانيا : تمييز التعسف في استعمال السلطة من التعسف في استعمال الحق
من خلال ما بينا سابقاً عند الحديث عن نشأة فكرة التعسف في استعمال السلطة، توصلنا إلى وجود تشابه فيما بين مصطلح التعسف في استعمال السلطة المستعمل في القانون العام والتعسف في استعمال الحق المستعمل في القانون الخاص، ذلك أنهما من أصل واحد مشترك.
وفي هذا الصدد يذهب بعض من الفقه الفرنسي في قوله إن أساس النظريتين واحد، وهو أن العضو لم يراع المسلك الذي يجب عليه سواء في استعمال حقوقه أو وظائفه"، وهذا ليس مستغرباً كون أن النظريتين تصدران عن أصل واحد بل أن أحدهما استمدت من الأخرى (39).
وذهب رأي قائلاً: "أن نظرية الانحراف أو التعسف بالسلطة ما هي الا غصن تفرع عن نظرية التعسف المدنية وان الأولى تطبيق للثانية على الوظائف الإدارية(40).
وقد انتقد جانب آخر من الفقه الاتجاه السابق، إذ يرى هؤلاء أن نظرية التعسف في استعمال الحقوق مستقلة ومتميزة عن نظرية التعسف بالسلطة، ذلك أنها طريقة استعمال الافراد حقوقهم في القانون الخاص، في حين تستعمل الإدارة السلطة في نطاق القانون العام (41).
وذهب فريق آخر إلى القول إن التعسف في استعمال الحق هو المبدأ المطبق في القانون الدولي، أما التعسف في استعمال السلطة يطبق في القانون الداخلي، ذلك أن من يملك السلطة يقتضي أن يكون في أعلى الهرم خلافاً للحق الذي يستلزم أن يمارس في مواجهة أصحاب المراكز القانونية المتساوية فما تملكه الدولة من حقوق هي ذاتها التي تملكها الدولة المتقابلة (42).
والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو الاتي: هل إن ممارسة السلطة واجب أم حق أم وظيفة؟ هل ممارسة الحق يعني ممارسة السلطة بذات الوقت ؟ للإجابة على التساؤل أعلاه يمثل أهمية في بيان الفرق فيما بين فكرة التعسف في السلطة والتعسف في الحق من عدمه، إن السلطة تعد عنصراً أصيلاً في الحق، فلابد لكل حق أن ينطوي على سلطة، فالحق يدور وجوداً وعدماً مع وجود السلطة(43).
والحق في القانون الخاص لا يعدو عن كونه سلطة أو قدرة إرادية تمنح للشخص من أجل تمكينه من القيام بنشاط معين وذلك من أجل تحقيق مصلحة يعترف له القانون بها، فالحق إذاً هو سلطة (44). واتجه الفقه الحديث في موضوع تعريف الحق (45) ، إلى محاولة الوقوف على مضمون وجوهر الحق، إذ يرى هذا الاتجاه أن الحق يتضمن عنصر التسلط والاستئثار ، فعنصر التسلط هو الوجه الآخر للحق على اعتبار أن ثبوت القيمة للشخص يؤدي حتماً إلى التسلط، بمعنى أن يكون لصاحب الحق نوع من السلطة على الشيء (46).
ويفهم مما سبق عدم وجود اختلاف فيما يتعلق بممارسة السلطة أو الحق، فكلاهما مرتبطان ببعض مضموناً وجوهراً، كما أن ممارسة السلطة هي واجب وظيفي لكن بذات الوقت ترتب حق، بدليل أن هذه السلطة لا تمنح للغير إلا وفقاً لشروط معينة.
وعلى الرغم من دقة التفرقة بين المفهومين فإن هنالك بعض الفروق من المناسب أن نشير اليها (47):
1- إن نطاق نظرية التعسف في استعمال الحق هو القانون الخاص، أما مجال تطبيق نظرية التعسف في استعمال السلطة هو القانون العام.
2- إن الضمانات التي تمنح للأشخاص في حالة التعسف في استعمال السلطة أكبر من تلك التي تمنح في حالة التعسف في استعمال الحق، لكون في حالة تعسف الإدارة في سلطتها تجد في مقابل ذلك هنالك قضاء الالغاء وقضاء التعويض وقضاء التأديب، أما اثناء التعسف في استعمال الحق لا يوجد إلا قضاء التعويض.
_______________
1- الفصل الثالث من الباب السادس من قانون العقوبات العراقي يبدا من المادة (322 الى 341).
2- وردت تلك المصطلحات في نص المادة (341) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
3- أحمد بن محمد بن علي بن علي الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ، ط 2 ، دار المعارف، ص 641.
4- موسی عمران كاظم المسؤولية الجزائية الناشئة عن الإهمال الوظيفي، بحث قضائي جزء من متطلبات الترقية، متاح في مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2020، ص 4.
5- قرار محكمة استئناف المثنى الاتحادية بصفتها التمييزية المرقم 1358 / ت / ج / 2014 في 2014/9/29 نقلاً عن: علي طاهر حاجم جريمة الاهمال الجسيم في اداء الوظيفة العامة بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2015، ص 7.
6- ينتقد هذا الاتجاه لكونه يخلط بين الاهمال وعدم المبالاة والذي هو محل خلاف بين الفقهاء، أذ يدخله البعض في نطاق الخطأ مما يجعل الجريمة الناشئة عنه غير عمدية، في حين البعض الآخر الآخر يدخله في نطاق القصد الجرمي عندما يقوم الشخص بسلوك خطر ويتوقع ان ينتج عنه ضرر الا انه لا يكترث للنتيجة ويستمر وهو ما يعرف بالقصد الاحتمالي فتكون الجريمة عمدية للمزيد ينظر: عادل يوسف عبد النبي الشكري المسؤولية الجنائية الناشئة عن الاهمال (دراسة تحليلية تطبيقية ) مقارنة رسالة ماجستير جامعة بابل كلية القانون، العراق، 2005، ص 32 وما بعدها.
7- مصطفى مجدي هرجه التعليق على قانون العقوبات المجلد الثالث دار ،محمود القاهرة، 2021، ص 335.
8- المادة 341 تنص على يعاقب بالحبس كل موظف او مكلف بخدمة عامة تسبب بخطئه الجسيم في الحاق ضرر بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها او يتصل بها بحكم وظيفته او بأموال او مصالح الاشخاص المعهود بها اليه ان كان ذلك ناشئاً عن اهمال جسيم بأداء وظيفته او عن اساءة استعمال السلطة او عن اخلال جسيم بواجبات جسیم وظيفته".
9- جاء في نص المادة 35 من قانون العقوبات العراقي تكون الجريمة غير عمدية اذا وقعت النتيجة بسبب خطا الفاعل سواء كان هذا الخطأ اهمالا او رعونة او عدم انتباه أو عدم احتياط او عدم مراعاة القوانين والانظمة والأوامر.
10- د. محمود نجيب حسني، اسباب الاباحة في التشريعات العربية النظرية العامة للاباحة – استعمال الحق ، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية، مصر، 1962، ص36.
11- قرار محكمة استئناف بغداد بصفتها التمييزية رقم 85/جنح / 1996 في 1996/8/6 نقلاً عن: عيسى مالح ناصر، جريمة الاهمال الجسيم في اداء الوظيفة العامة، بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2015، ص 43.
12- عبد العزيز بن محمد العبيد، المسؤولية الجنائية في الاعلانات التجارية (دراسة مقارنة) ط 1 ، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، 2016، ص 273.
لكن في نفس الوقت ان المشرع لم يغفل الأفعال التي تتضمن اهمالاً او تقصيراً جسيماً حتى لو لم يترتب عليها ضرر ما، بل انه جرم هذه الأفعال في ذاتها بنصوص خاصة، كما في المادة (490) (اولاً) من قانون العقوبات العراقي حيث عاقب كل من....أهمل التنبيه نهاراً او التنوير ليلاً أمام الحفر أو غيرها من الاشغال المأذون بإجرائها أو أمام المواد المأذون اه بوضعها في الطرق او الساحات العامة ينظر عيسى مالح ناصر، جريمة الاهمال الجسيم في اداء الوظيفة العامة، بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2015، ص 22.
13- سامي مدب محمد تابه عقوبة الاهمال الجسيم للموظف العام، رسالة ماجستير الجامعة الاسلامية، كلية الحقوق، لبنان، 2017، ص13.
14- قرار محكمة التمييز العراقية المرقم 35 في 1973/4/7 نقلاً عن جمال فاضل خلف المسؤولية الجزائية الناشئة عن الاهمال الوظيفي الجسيم في قانون العقوبات العراقي بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2014، ص28.
15- قرار محكمة استئناف بغداد الرصافة الاتحادية الهيئة التمييزية بالعدد 308 جزاء / 2012 في 20/9/2012 نقلاً عن: خالد حكيم لطيف البياتي، المسؤولية الجزائية الناشئة عن الاهمال بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2015، ص11.
16- قرار محكمة استئناف بغداد الرصافة الاتحادية الهيئة التمييزية العدد 727/726/ جزاء / 2014، نقلاً عن: خالد حكيم لطيف البياتي، المسؤولية الجزائية الناشئة عن الاهمال بحث قضائي مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2015 ، ص11.
17- د. اميل بديع يعقوب، موسوعة علوم اللغة العربية الجزء الاول، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006، ص 301.
18- د. علي حسين منهل نظرية الاخلال الفعال في العقد (دراسة مقارنة)، ط1 ، المركز العربي للنشر والتوزيع، القاهرة 2020، ص 25.
19- موسی عمران كاظم المسؤولية الجزائية الناشئة عن الإهمال الوظيفي، بحث قضائي جزء من متطلبات الترقية، متاح في مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2020 ، ص 31.
وعلى سبيل الفائدة العلمية، هناك من يرى ان المشرع العراقي قد قرن الاهمال الجسيم بالإخلال او سوء السلوك العمد وهو ما يقترن بسوء النية، وهو بذلك يختلف عن الاخلال الجسيم الذي لا يقترن بسوء نية الفاعل وعليه فأن الاخلال الجسيم يكون درجة وسط بين الاهمال والاهمال الجسيم ذلك أن عنصر العمد وسوء النية ينتفي للوصول الى النتيجة الضارة: للمزيد ينظر: ابتهال شلش خضير المياح الاخلال الجسيم واثره في تقدير التعويض (دراسة مقارنة)، اطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، كلية القانون، 2018، ص32.
20- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد 275/274/ هيئة موسعة / 2013 في 2013/10/27 نقلا عن: م موسی عمران كاظم المسؤولية الجزائية الناشئة عن الإهمال الوظيفي، بحث قضائي جزء من متطلبات الترقية، متاح في مكتبة المعهد القضائي العراقي، بغداد، 2020 ص32.
21- عبد الغني أبو العزم، معجم الغني، ج 1، ص791.
22- عودة يوسف سلمان الموسوي جريمة استهداف اثارة الحرب الاهلية عبر الاعلام (دراسة مقارنة)، ج 1، ط1، المركز العربي للنشر والتوزيع، مصر، 2018 ، ص 285.
23- محمد صقر جديع الفايز جريمة اساءة استعمال السلطة في التشريع الاردني ( دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2022، ص17.
24- مريوان سليمان القذف في نطاق النقد الصحفي ( دراسة مقارنة) المركز القومي الاصدارات القانونية، ط1، القاهرة 2014 ، ص 170 .
25- عبد العزيز سليمان الحوشان تجاوز حق الدفاع الشرعي (دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون)، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2011، ص237.
26- عثمان سعيد عثمان استعمال الحق كسبب للإباحة اطروحة دكتوراه جامعة القاهرة كلية الحقوق، مصر، 1968، ص 492.
27- د. خلود سامي عزاره ال ،معجون النظرية العامة للإباحة (دراسة مقارنة) ، دار العلوم للنشر، 1984، ص 461.
28- د. فتحي الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ط3 ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984، ص 27.
29- د. فتحي الدريني، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الاسلامي، ط 2 مؤسسة الرسالة، بيروت، 1977، ص 45 و 46 .
30- سامية عبد الرزاق خلف التجاوز في الاباحة، رسالة ماجستير، جامعة بغداد كلية القانون، 2005 ص 29.
31- د. جميل فخري محمد جانم التدابير الشرعية للحد من الطلاق التعسفي في الفقه والقانون دار الحامد للنشر والتوزيع الاردن، 2008، ص 43.
32- د. عمر فخري عبد الرزاق الحديثي، تجريم التعسف في استعمال الحق بوصفه سبباً من اسباب الاباحة، اطروحة دكتوراه جامعة بغداد كلية القانون، 2005، ص22.
33- د. هلالي عبد اللاه ،أحمد ، تجريم فكرة التعسف كوسيلة لحماية المجني عليه في مجال استعمال الحق، مرجع سابق، ص 52.
34- شوقي السيد، التعسف في استعمال الحق طبيعته ومعياره في الفقه والتشريع والقضاء ،ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2008، ص 107.
35- شوقي السيد، التعسف في استعمال الحق طبيعته ومعياره في الفقه والتشريع والقضاء ،ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2008، ص 101.
36- علي رياض مظهر، حدود استعمال الحق في القانون الجنائي ( دراسة مقارنة ) رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية القانون، العراق، 2022،ص24.
37- علي رياض مظهر، حدود استعمال الحق في القانون الجنائي ( دراسة مقارنة )، مرجع سابق، ص23.
38- د. عمر فخري الحديثي، تجريم التعسف في استعمال الحق بوصفه سبباً من اسباب الاباحة (دراسة مقارنة)، ط 1 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الاردن، 2011، ص 52.
39- د. سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة، الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي، 1978 ، ص 158.
40- د. رمضان عيسى أحمد، الانحراف التشريعي العراق أنموذجاً " ، ط 1، دار المسلة للطباعة والنشر، بيروت، 2020ص 106.
41- أرام غيب الله قادر التناسب بين المخالفة والعقوبة الانضباطية ودور القضاء الإداري في الرقابة عليه (دراسة مقارنة) مرجع سابق، ص 148.
42- مركز ابن خلدون للعلوم الانسانية والاجتماعية مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق في القانون الدولي الازمة الخليجية نموذجاً - دراسة تطبيقية، ط1 دار نشر جامعة قطر، قطر، 2020 ، ص27.
43- علي أحمد عبد الزعبي، حق الخصوصية في القانون الجنائي ( دراسة مقارنة ) اطروحة دكتوراه، جامعة الموصل، كلية القانون، العراق، 2004 ، ص 71.
44- د. مجيد خضر السبعاوي، نظرية الغلط في قانون العقوبات المقارن، ط 1 ، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2013، ص218.
45- عرف الفقيه البلجيكي دابان" الحق عام 1952 بأنه ميزة يخولها القانون لشخص معين، بمقتضاها يتصرف الشخص متسلطاً على قيمة معترف بثبوتها له بصفته مالكاً أو مستحقاً لها، ويمكنه حمايتها بوسائل قانونية عند وقوع الاعتداء عليها من الآخرين : للمزيد ينظر : د. عبد الرزاق الفحل واخرون المدخل لدراسة الأنظمة، ط 2 ، توزيع دار الافاق للنشر والتوزيع، السعودية، 1993، ص 169.
46- د. محمد حسين منصور، نظرية الحق، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1998، ص 15 ص 17.
47- ايهاب علي محمد عبد العزيز، نظرية التعسف في استعمال الحق في حقل الملكية العقارية رسالة ماجستير، جامعة الشرق الاوسط، كلية الحقوق، الاردن، 2012،ص84.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد