إنَّ مجرّد الادعاء بالانتماء وهو غير منضبط بضوابط لا يحقّق الانتماء، فالانتماء يحتاج إلى تصديق ودلائل، ونحن ندّعي الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا يحتاج بحدّ ذاته إلى أن نعكس هذا الانتماء، بل لا بُدَّ من توفّر خصوصيّة التقوى والورع فيمن يدَّعي التشيّع؛ حتى يصدق عليه هذا الاسم والعنوان.
نحن ننتمي للإمام الحسين (عليه السلام)، ونقول نحن حسينيّون، ونحن ننتمي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونقول نحن من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه دعوى لا بُدّ من تصديقها حتى يتحقّق الانتماء الفعليّ الصادق، وهذا مقياس عادي ومعروف ومتّفق عليه في كلّ مؤسّسات العالم، بل في كلّ الدّيانات السّماويّة والدّيانات غير السماويّة، أنَّه لا بُدَّ من وجود جهة على الإنسان أن ينتمي إليها، ويطبّق الضَّوابط التي تُحقّق الانتماء.
وقد حدَّد الأئمّة (عليهم السلام)، في عشرات النّصوص المواصفات التي ينبغي أن يكون عليها شيعتهم وأتباعهم من خلال أحاديثهم، ووصاياهم لأصحابهم، وأنَّه لا يكفي فيمن ينتمي إلى خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، أن يرتبط بهم عاطفيّاً من دون أن يكون معهم على المستوى العمليّ فيتأدّب بأدبهم وأخلاقهم، ويعمل بعملهم وسنّتهم، فهم لا يعدّون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلَّا إذا كان مُطيعاً لله تعالى، مجانباً لهواه، آخذاً بتعاليمهم، ولا يعدّون حبّهم وولاءهم منجاة إلا إذا اقترن بالعمل الصالح، والصدق، والأمانة، والورع، والتقوى، وهم يريدون من أتباعهم أن يكونوا دعاة للحق، وأدلَّاء على الخير والصلاح والرشاد، ويرون أنَّ الدعوة بالعمل، والسلوك القويم أبلغ من الدعوة باللسان. روى جَابِر عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ لِي: ((يَا جَابِرُ، أَيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ! فَوَ اللهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاء. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَقَالَ: يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِكَ الْمَذَاهِبُ، حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: أُحِبُّ عَلِيّاً وَأَتَوَلَّاهُ ثُمَّ لَا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالًا، فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللهِ، فَرَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ، مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً، فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللهِ، لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ، أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاهُمْ وَأَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِه.
يَا جَابِرُ، وَاللهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَمَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَلَا عَلَى اللهِ لِأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كَانَ لله مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، وَمَنْ كَانَ لله عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، وَمَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ)) (1).
وعن علي بن أبي زيد، عن أبيه قال: ((كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ ـ عليه السلام ـ فَدَخَلَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقُمِّيُّ فَرَحَّبَ بِهِ وَقَرَّبَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللهِ لَيْسَ مِنَّا وَلَا كَرَامَةَ مَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ فِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ أَحَدٌ أَوْرَعَ مِنْه)) (2).
لاحظوا مقياس الإمام (عليه السلام) حينما تريد أن تنتمي الى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ورأسها التسليم لهم صلوات الله عليهم، وعلى رأسهم التسليم للرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
هذا ميزان مهم من موازين الانتماء الى مدرسة المعصوم (عليه السلام)، أن تقبل بحكم المعصوم، وألّا تجد حرجًا ممّا قضى.
لذلك نجد القرآن الكريم يركّز كثيرًا على نصرة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ لأنَّه ميزان الحق والفلاح والنجاح ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، فالله تعالى لا يحتاج إلى الملائكة، ولا إلى جبرائيل ولا إلى صالح المؤمنين، فهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ولكن القرآن الكريم يريد أن يلفت النظر إلى هذه الشخصيّة العظيمة التي يعضدها كلّ العظماء، وأنّها شخصيّة يعجز الإنسان عن فهمها.
والقضيّة نفسها نجدها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، فالله تعالى يكفي وجوده في عظمة الصلاة، ولكن إنَّما يذكر الملائكة والمؤمنين؛ حتَّى يُبيّن عظمة المعصوم (عليه السلام)، وعظمة سلوكه، وعظمة توجّهه الى الله تعالى، وعبادته، وأدعيته، وكيف يتعامل مع الله تعالى في حركاته وسكناته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 4 / 74 ــ 75.
(2) المصدر نفسه: 2 / 78.