الهضبة الغربية في العراق
المؤلف:
د. عبد الزهرة علي الجنابي
المصدر:
جغرافية العراق الإقليمية بمنظور معاصر
الجزء والصفحة:
ص 44 ـ 50
2026-09-03
45
وتدعى ايضاً بالهضبة الصحراوية أو البادية تقع في الجزء الغربي من العراق، ولا توجد لها حدود طبيعية واضحة من جهة الغرب، حيث انها امتداد طبيعي لكل من بادية الشام من الغرب وهضبة جزيرة العرب من الجنوب، الا ان حدودها هذه ترسمها الحدود السياسية بين العراق وكل من سوريا والأردن والسعودية والكويت أما من الشمال فتحدها المنطقة شبه الجبلية والتي ترسمها مرتفعات سنجار وابراهيم وعدي ومكحول ، وبعد عبورها نهر دجلة في الفتحة تضم مساحة صغيرة جنوب حمرين شرقي دجلة الى الشرق من تكريت ، حيث يقع منخفض وبحيرة شاري، والى الجنوب من سامراء تعود الهضبة لتعبر دجلة ثم الفرات نحو ضفته الغربية قرب هيت ، بعدها تمتد خطياً بمحاذاة الضفة الغربية لنهر الفرات وموازية له من جنوب الحبانية حتى شط العرب مروراً بمحافظات كربلاء والنجف والقادسية والمثنى وذي قار والبصرة قريباً من مسار الطريق البري الصحراوي في هذه المحافظات ، فيما تمثل الحدود الكويتية العراقية حدوداً سياسية لها من جهة الجنوب ، إذ أنها تستمر بوصفها الطبيعي داخل الأراضي الكويتية وفي هذا الامتداد الطويل لا يتماثل بعدها تماماً عن نهر الفرات في كل هذه الأجزاء الا انه لا يبتعد عنه كثيراً في نفس الوقت ، وبذلك فإن منخفضات الحبانية والرزازة وبحر النجف وساوة والصليبات تدخل ضمن هذا الإقليم، ونظراً الى ان حدود الهضبة الشرقية القريبة من الفرات لا تتبع ظاهرة طبيعية ، فقد تباينت تقديرات مساحتها ، وفي هذه الدراسة نقدرها بحوالي 247128 كم2، وبذلك تكون نسبة مساحتها حوالي 56.8% من مجموع مساحة العراق.
يمكن تقسيم هذا الإقليم الرئيس الى عدة أقسام ثانوية وكالآتي :
أ- بادية الجزيرة : وتشغل الجزء الشمالي من الهضبة الصحراوية بمساحة تقدر بحوالي 30000 كم2، حيث يبدأ امتدادها من مرتفعات سنجار وابراهيم وعدي شمالاً وحتى السهل الرسوبي عند سامراء جنوباً ، فيما تمثل الحدود السورية ونهر الفرات حدودها الغربية ، أما الشرقية منها فتمثلها تلال مكحول ومجرى نهر دجلة ، غير أن جزءاً صغيراً يدخل ضمن مساحتها شرق دجلة والى الشرق من مدينة سامراء والذي يضم بحيرة شاري يبلغ طولها من الشمال الى الجنوب حوالي 45 كم، ولها انحداران أحدهما من الشمال نحو الجنوب والثاني من الغرب نحو الشرق وأبرز مظاهرها وادي الثرثار الذي يبدأ بتجمع عدة أودية من جبل سنجار والمرتفعات المجاورة، حيث يبلغ ارتفاع الوادي م الا انه ومع اتجاهه نحو الجنوب الشرقي وبطول 300 كم يزداد عندها 225 اتساعاً حتى يصل معدل عرضه 45 كم ويزداد انخفاض قاعه حتى يصل الى 3 م تحت سطح البحر لا يعرف بالضبط سبب نشوء هذا المنخفض الذي استغل لاحقاً لتخزين مياه دجلة وتحويل بعضها إليه من أمام سدة سامراء بقناة سامراء - الثرثار ، فمن الباحثين من يرى انه تكون بفعل عمليات التعرية الريحية وربما مترافقة مع المائية ، ومنهم من يعتقد أنه وادي انكساري طويل تكمله الى الجنوب منخفضات شبيهة هي الحبانية والرزازة وبحر النجف وهي على شكل خطي يمتد طويلاً غرب الفرات حتى يصل الى خور الزبير عند رأس الخليج العربي تشغل المنخفضات والأودية والتلال واطئة الارتفاع سطح بادية الجزيرة وكثيراً ما كانت الأودية تُستغل كممرات في وسط البادية للوصل ما بين دجلة وحواضره وما بين بلاد الشام وأقيمت فيها مواقع وحصون يعود بعضها الى العهد الآشوري.
أما تربة الجزيرة فتغطيها الترسبات الغرينية والحصى، وفي أجزاء منها الطين والرمل والجبس واذا كانت أعماقها غنية بالمياه الجوفية فإن سطحها يتلقى أمطاراً شحيحة وتتراجع كميتها من الشمال الى الجنوب ، فتتحول الى منطقة مجدبة وطاردة الا من حرفة الرعي فتجوبها القبائل العربية المرتحلة .
ب الحمادة:
وهي الجزء الذي يقع في أقصى غرب البادية الغربية ويشغل الجيب الذي يقع ما بين الحدود السورية والأردنية والسعودية مع العراق. يخلو سطحها من التعقيدات الطوبوغرافية سوى أنه ينحدر من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي وأقصى ارتفاع لها فيما يدعى بجبل عنزة 915 م عند نقطة تلاقي الحدود العراقية الأردنية السعودية تغطى الصخور الكلسية سطحها شبه المنبسط، وتدعى أحيانا بسهل الحمادة لانبساط أرضها النسبي لكنه عار من التربة.
ج- منطقة الوديان والى الشرق من الحمادة تمتد منطقة الوديان حتى حافات الهضبة الشرقية التي تطل على نهر الفرات ، وتبدأ من الحدود السورية شمالاً حتى وادي الخر جنوباً ، وبذلك فهي تمثل الجزء الأوسط من الهضبة الغربية بمساحة تقدر بحوالي 80000 كم سميت بهذا الاسم لكثرة الوديان فيها وجميعها تبدأ من الغرب وتنحو نحو الفرات في الشمال الشرقي أو الشرق ، ومن أهمها بدءاً من الشمال وادي عكاشات ، حوران وهو أهمها حيث تقع عليه مدينة الرطبة ، الغدف ، الأبيض ووداي الخر وقد أقيمت العديد من السداد الترابية على هذه الوديان للإفادة من مياهها وقت الجفاف ومنها : سد الحسينية ، طويلة ، الرطبة وسد الوليد يتصف سطح المنطقة بالانبساط ، الا انه تأثر كثيراً بعمليات التجوية والتعرية وثم الترسيب في أوديتها بسبب قلة الأمطار الساقطة عليها والتي تتراجع مقاديرها من الشمال الى الجنوب، ما أدى الى قلة النبات الطبيعي على سطحها تغطي سطحها الصخور الكلسية والرمال الخشنة والحصى ، فيما تترسب حجومها الصغيرة في الوديان التي تتصف بالعمق جهة الغرب وقلته في الشرق قرب نهر الفرات . ولقد وفرت هذه الوديان عبر التاريخ مسالك مناسبة للقوافل القاطعة للصحراء ما بين بلاد الرافدين وشبه جزيرة العرب ، فاتجاه امتدادها ووفرة المياه والكلأ ونعومة ذرات تربتها وتمتعها بالحماية من شدة الريح في حرها وبردها شجع على اتخاذها طرقاً للقوافل سواء للحج و العمرة ، أو التجارة مثل طريق الحج البري من كربلاء مروراً بالرحالية (عين التمر) والنخيب في العراق والى عرعر السعودية وقد اشتهر هذا الطريق بكثرة عيون الماء ومن المظاهر المهمة فيها منخفض الكعرة شمال الرطبة ومساحته 800 كم ويمثل ظاهرة اختلفت الآراء في تفسير تكونه ، والراجح انه تكون بسبب ذوبان الصخور الكلسية الباطنية بفعل المياه الباطنية وثم تحطم الصخور العلوية ، حتى أن بعضها حفر له مجاري داخلية ، وقد ساعد في ذاك بنية الصخور الكلسية سريعة الذوبان .ومما يؤيد هذا الرأي كثرة مثل هذه الحفر في المنطقة، الا انها أصغر حجماً أهم مراكز الاستيطان فيها قصبة النخيب.
ء ـ منطقة الحجارة : وتشغل امتداداً طويلاً غرب البادية الجنوبية ما بين وادي الخر شمالاً ووادي السدير غرب البصية في الجنوب ، ومن الحدود السعودية غرباً وحتى حافات الهضبة الشرقية قرب نهر الفرات .
سميت بالحجارة لكثرة الصخور الناتئة الحادة التي تكتنف سطحها حيث عملت التعرية والتجوية على تفتيت صخور السطح، ثم نقل ذلك الفتات نحو السهل ، فتبقى الأحجام الكبيرة من صخور الكلس والجلاميد والصوان والدولومايت تغطي سطحها الذي يصعب اجتيازه من قبل الإنسان والحيوان ومن أشهر المستوطنات الصغيرة فيها الشبجة والسلمان ، وهما منخفضين قد يكونان نشئا بسبب حركات أرضية هابطة ، أو بسبب ذوبان صخور الكلس التحتية ثم الفوقية .
ه ـ الحافات الشرقية للهضبة : وتشتمل على حافات الهضبة المشرفة على السهل الرسوبي وتعلوه قليلاً حتى يكاد يحس بها المرء عند الانتقال من السهل الى الهضبة ، وتقع قبالة كل من منطقتي الوديان والحجارة ، وهي مقطّعة الأوصال بالوديان التي تخترقها من جهة الغرب عابرة نحو الفرات، تكثر فيها المنخفضات مثل الحبانية والرزازة وبحر النجف ، كما يغطي بحر الرمال مساحات واسعة منها بدءاً من كربلاء وحتى السماوة وبارتفاع يتراوح ما بين 30-6م وباتساع ما بين 10-15 كم . ومن المظاهر الجغرافية الأخرى المهمة فيها هو خط العيون والذي يبدأ من حديثة ثم كبيسة وهيت وعين التمر غرب الرزازة وحتى جنوب غرب الناصرية ولمئات الكيلومترات، ومياه هذه العيون عذبة غالباً ، الا انها كبريتية أحياناً كما يتدفق القير من أحدها في هيت .
و- الدبدبة :
وتبدأ من وادي السدير غرب البصية شمالاً حتى الحدود الكويتية التي يرسمها وادي الباطن ، ومن الحدود السعودية حتى شط العرب شرقاً . وهي منطقة تميل الى الانبساط، تقل فيها الوديان القاطعة التي تتجه نحو شمالها الشرقي لندرة الأمطار فيها وأهمها الباطن وشعيب البطل ، والأخير يخترق حقل الرميلة حتى يصل هور الحمار.
يغطي الحصى والرمال وأحياناً الحجر الرملي معظم سطحها . وأهم ظاهرة طبيعية فيها هو جبل سنام الذي يقع عند طرفها الجنوبي الشرقي قرب صفوان وارتفاعه حوالي 90 قدم عن ما يجاوره . يتكون بناءه من صخور كلسية ورملية ، وتتداخل معها أحياناً صخور صلبة نارية قديمة هناك عدة آراء في تكوينه ومنها أنه ناتج عن حركة بركانية ، الا ان الراي المرجح تكوينه بسبب اندفاع ملحي فيما استقرت الصخور الملحية أسفلها بعيداً عن السطح.
الأهمية الاقتصادية والعسكرية للهضبة :
1ـ تحتوي أرضها على كثير من المعادن الفلزية في جهاتها الغربية قديمة التكوين واللافلزية عند حافات الهضبة الشرقية وأهمها حجر الكلس ، الرمل ، الحصى ، الجبس ، الدولومايت ، الكبريت ، القار ، النفط ، الفوسفات ، اليورانيوم والحديد.
2ـ وبرغم قلة الأمطار التي تستلمها الا انها منطقة رعوية هامة وخاصة في موسم سقوط الأمطار الشحيحة .
3ـ وتمثل مياهها الجوفية العذبة عامل تشجيع على توطين السكان فيها ولممارسة حرفة الزراعة والرعي.
4ـ انها تمثل منطقة ضعف من الناحية الجيواستراتيجية لقلة الاستيطان فيها ،فهي طاردة للسكان لندرة موارد المياه فيها، فضلاً عن سعتها وبعدها عن مراكز الاستيطان الرئيسة في السهل، وفيما عدا مستوطنتي البصية والشبجة فإنها تكاد تخلو من المستوطنات الدائمة وفي عدة حالات مثلت منطقة فراغ وخلل أمني وعسكري للبلاد يصعب الدفاع عنها ، وربما اتخذتها بعض الجماعات الخارجة عن القانون ملاذاً لها أحياناً.
5ـ وفي حالات الاستقرار كانت محطة استراحة للعديد من هواة الصيد والسياحة وخاصة في بعض المواقع السياحية المنتشرة في بعض أجزاءها.

خارطة الاقسام الثانوية للهضبة الغربية
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في معلومات جغرافية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة