وهنالك بوسفوران في الأدب القديم: بوسفور تراقية، الذي وصل البحر الأسود ببحر مرمرا، وبوسفور «كيميري Cimmerii»، الذي وصل بحر أزوف بالبحر الأسود، والكيميري شعب أسطوري «لم تشرق عليهم الشمس» نزح من جنوب روسية في العصور الخالية، واستقر في أنحاء آسية الصغرى، ومملكة البوسفور في عصر أوغوسطوس دويلة شملت شبه جزيرة القرم وحوض أزوف، وتزعمتها أسرة إيرانية أو نصف إيرانية، فتسلطت على جاليات يونانية وقبائل كالصرامتة كانوا قد تقبلوا شيئًا من المدنية الهلينية.
وكانت هذه المملكة البوسفورية تمون مدن آسية الصغرى الشمالية وجزر إيجه بالحبوب، فكان لا بد من تأمين الملاحة في البحر الأسود، وتنظيف مياهه من فساد القرصان والقرصنة، وكان أشهر هؤلاء قبائل القوقاس المطلة على البحر وأفراد عشائر «الطوري Tauri» في ساحل القرم الجنوبي (1).
وفاز «فرناكس الثاني Pharnaces» ابن متراداتس العظيم بالتسلط على مملكة البوسفور مقابل خدماته لبومبايوس واستقر فيها، ثم خلعه «أسندر Asander» بعد مقتل قيصر، وتزوج من بنته «دينامس Dynamis»، وكان أسندر من أنصاف اليونانيين وأحد المواطنين في مدينة «بنتيكابايوم Panticapeum»، وأسكت هذا المغتصب أنطونيوس بهدية مالية كبيرة، وسك النقود باسمه في السنة 41، وسكت أوكتافيانوس عن شذوذ أسندر، واعتبره صديق الشعب الروماني (2)، وتمكن أسندر من صيانة حدوده، فصد هجمات الصرامتة والسيكثيين في البر، ودانت له رقاب القرصان في البحر، فأمَّن الملاحة فيه وطمأن سكان سواحله، وفي حوالي السنة 18ق.م. نازعه «سكريبونيوس Scribonius» الملك، وادعى أنه حفيد متراداتس العظيم، فمال الجنود إليه، فامتنع أسندر عن الطعام، ومات في السنة 17 عن ثلاثة وتسعين عامًا (3)، ويروى أن سكريبونيوس ادعى أيضًا أنه مرشح أوغوسطوس، وأن الملكة دينامس مالت إليه لهذا السبب فتزوج منها (4).
وعلم أغريبة بحوادث البوسفور في أثناء وجوده في سورية (16–13ق.م)، فامتنع عن الاعتراف بسكريبونيوس وأوعز إلى «بوليمو Polemo» ملك البونط أن يجرد حملة على سكريبونيوس، وأن يتزوج من دينامس، ويوحد في شخصه مملكة البونط والمملكة البوسفورية، فلما علم البوسفوريون بذلك قتلوا سكريبونيوس، آملين أن ترضى رومة عنهم وتعيد بوليمو إلى بلاده، ولكن بوليمو كان أبيَّ العنان شديد الشكيمة، فاضطر أن يحارب البوسفوريين، وطالت الحرب فركب أغريبة نفسه البحر إلى سينوب، وأبرق وأرعد، فأخلد البوسفوريون إلى السكينة فشرع أغريبة يدبر أمورهم، فأوجب تقديم الرجال للخدمة في القوى الرومانية المساندة، وأدخل مدينة «خرسوننسوس Chersonensus» في المملكة البوسفورية، محتفظًا باستقلالها في تدبير شئونها موجبًا الدفاع عنها عند الحاجة (5)، واختلف الزوجان الملكيان في السنة الأولى من زواجهما، وفرت دينامس عبر الحدود ولجأت إلى «أسبورجوس Aspurgus» أحد أمراء الصرامتة، وشنتها حربًا شعواء على بوليمو دامت طويلًا، وانتهت بمصرع بوليمو في السنة 8ق.م. (6)، وعرض لأوغوسطوس في جبال طوروس وأرمينية ما شغله عن المملكة البوسفورية، فاعترف بالواقع وأقر دينامس في حكمها، وبعد وفاتها بسنتين (10ب.م.) تولى زوجها أزمَّة الأمور، ثم اتخذ لقب الملك في السنة 14ب.م.، فمنحه طيباريوس «حقوق المواطن الروماني واللقب amicus Caesaris populique Romani»، وحمل هو وأحفاده اسم ولي نعمتهم Tiberius Iulius(7).
....................................
(1) STRABO, 11:496; OVID, Ex Ponto, 4-:10, 25 f.
(2) “Amici Populi Romani”, MUNSTERBERG, R., Jahresh. 1915, 315 f.
(3) STRABO, 11:495; PSEUDO-LUCIAN, Makrobici, 17.
(4) DESSAU, Eph. Epigr. IX, 394; Cam. Anc. Hist., vol. of Plates, IV, 208 j.
(5) DIO CASS., 54:24; ROSTOVTZEFF, M., Journ. Rom. Stud., 1917, 41 f.
(6) STRABO, 11:495; Cam.Anc. Hist., PLATES, IX, 208 k.
(7) ANDERSON, J., The Bosporan Kingdom, Cam. Anc. Hist., X, 265–270.