وكان يوبة الثاني ابن يوبة الأول ملك نوميدية قد مشى في ركاب يوليوس قيصر إلى رومة بعد مصرع والده، وبقي فيها، ثم نال حقوق المواطن الروماني، ورافق أوكتافيانوس في حروبه، فلما تم النصر لأوكتافيانوس في أكتيوم في السنة 31، عاد يوبة إلى ما تبقى من نوميدية مَلِكًا عليها، وكان عالمًا أديبًا فنانًا، صنف باليونانية تاريخًا لرومة، وكتب عن لبية والعربية وأشور، وأعد رسالة في الحشيشة «افوربية Euphorbia»، التي اكتشفها وسماها باسم طبيبه «افوربوس Euphorbos»، ولكنه على الرغم من علمه وثقافته، لم يحسن سياسة نوميدية، فنقله أوغوسطوس في السنة 25ق.م.، وجعله ملكًا على موريتانية وأزوجه من كليوبترة «سيلينية Selene» بنت أنطونيوس من كليوبترة، فاستقر يوبة في موريتانية حتى وفاته في السنة 23ب.م (1).
ونعم المتحضرون من سكان ولايتي أفريقية وسكان موريتانية بسلم روماني دام نصف قرن من الزمن، ولكن القبائل البدوية الضاربة في جنوب هاتين المنطقتين، ولا سيما «الغاتولي Gaetuli» لم يذعنوا، وظلوا يهددون الحدود الجنوبية، فجرد الرومان عليهم حملات تأديبية متتالية بقيادة «طوروس Statilius Taurus» في السنة 35-34ق.م.، و«كورنيفيكيوس Cornificius» في السنة 32ق.م.، و«باييتوس Autronius Paetus» في السنة 28ق.م.، و«أتراتينوس Sempronius Atratinus» في السنة 21ق.م.، ثم توغل «كورنيليوس بلبوس Balbus» فيما وراء الحدود حتى بلغ الفزَّان، واضطر «كويرينوس Sulpicius Quirinus» أن يقوم بالعمل نفسه في السنة 19ق.م.، و«باسيانوس روفوس Passienus Rufus» في السنة 3ب.م.، وجاءت السنة 6ب.م.، فإذا بالحالة على ما كانت عليه، فنفد صبر أوغوسطوس فأمر «كوسوس لنتلوس Cossus Lentellus» باتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء هذه الحالة المضنية المنهكة، فاتفق ويوبة ملك موريتانية على خطة مشتركة، ووفقا في ضرب الغاتولي والموسولامي ضربًا قوَّضا به حصون آمالهم وقطعا رجاءهم، فنال لنتلوس لقب إمبراطور وكنية «قاهر الغاتولي Gaetultcus»، وسُمح ليوبة الثاني بالاحتفال بالنصر (2).
وهيَّأ أوغوسطوس للدفاع أسبابه، فاحتل ما تبقى من الساحل الأفريقي بين ولاية أفريقية القديمة وقيرونة وحصَّن Sabrata وطرابلس Oca و«لبتيس الكبرى Leptis Magna»، ووقف في الأفريقيتين عند خط امتد من قابس إلى قفصة وتبسَّة، وحصَّن شاطء موريتانية بعدد من المستعمرات العسكرية، أهمها «جلجلة Igilgili» و«باجية Saldae»، و«دليس Rusucurru» و«راس جون Rosuguniae»، وقرتنة عند تينيس الحديثة Cartenna و«زيليس Zilis»، وشيَّد أوغوسطوس في منطقة الحدود الجنوبية سلسلة من «الحصون castella» و«الأبراج burgi»، وجعل من «حيدرة Ammaedara» مقرًّا دائمًا للفرقة الأوغوسطية الثالثة، وأبقى وحدات مساندة في طرابلس وما يليها، وفي أقصى الغرب (3).
..............................................
(1) GSELL, S., Hist. Anc. De l’Afrique du Nord, VIII, 206 ff.
(2) DIO CASS., 55:28; SYME, R., Spain and Africa, Cam. Anc. Hist., X, 345–347.
(3) GSELL, S., op. eit., VIII, 227–229; CACNAT, R., L’Armie Romaine d’Afrique, 107 ff.; RITTERLING, E., Legio, Real-Encyc.; HOMO, L., L’Empire Romain, 215 f.