وثابر القرطاجيون بعد زاما على العمل المثمر، ونهضوا من كبوتهم، واستعادوا مكانتهم التجارية على الرغم من الجزية التي ضربتها رومة عليهم، وبهظت بها عواتقهم، فاضطرب الرومان وانزعجوا فحرضوا النوميديين على الاعتداء على قرطاجة، فاضطرت هذه أن تدافع عن نفسها، فاعتبرت رومة هذا الدفاع عن النفس إخلالًا بشروط المعاهدة، فأعلنت الحرب على قرطاجة، واستمر القتال ثلاث سنوات متتالية سقطت في نهايته قرطاجة بيد أعدائها، فدكوها في السنة 146ق.م. إلى الحضيض دكًّا، وجعلوها خرابًا يبابًا، واقتسموا أملاكها، فأطلقت رومة على ما أصابها من أملاك قرطاجة الاسم «ولاية أفريقية Provincia Africa»، واشتق الرومان الاسم الجديد أفريقية من الاسم Afri، الذي كان يطلق على سكان المنطقة الأصليين، ولا يخفى أن الاسم العام للبلدان الأفريقية كان «لبية Lybia» لا أفريقية.
واحتاطت لجنة العشرة السناتوسية، التي أشرفت على تنظيم الولاية الجديدة لأمر الحد الفاصل بينها وبين نوميدية وقبائلها، واتبعت الطريقة القرطاجية القديمة، فأوجبت حفر خندق على طول هذا الحد، أطلقت عليه اسم «الخندق الملكي fossa regia»، وبدأ هذا الخندق عند الوادي الكبير بالقرب من «طبرقة Tabarca»، ثم قطع وادي المجْرَدة بالقرب من وادي الزرقة، ومر إلى الجنوب من جبل زغوان، ثم اتجه مستقيمًا حتى طينة في ضواحي صفاقس، تاركًا لملوك نوميدية مغانم «باجه Vaga» ودقة «تبرسق Thubursicum» وجاما «زاما» وغيرها، ويقدر رجال الاختصاص مساحة هذه الولاية بخمس مساحة تونس الحديثة، أي بمليونين ونصف المليون من الهيكتارات المربعة، وشملت هذه الولاية المدن القرطاجية السبع Utica العتيقة، التي فاخرت قرطاجة بعتاقتها، وقامت بالقرب من مصب المجردة و«حضروميت Hadrumetum»، وهي سوسة الحديثة و«لبتيس Leptis»، وهي لمطة الحديثة، و«تبسوس Thapsus» عند رأس الديماس بين الموناستير والمهدية و«أخولَّه Acholla» عند رأس بوترية، و«أوسولة Usula» و«توداليس Theudalis» في نواحي بنزرت، وكانت هذه المدن قد أيدت رومة منذ بدء النزاع الجديد، فأقرتها لجنة السناتوس على نظامها القديم، وصادرت هذه اللجنة أملاك المدن والقرى التي ساندت قرطاجة، واعتبرتها «أرضًا رومانية عمومية ager publicus populi romani»، ولكنها رأفت بالوطنيين الأحرار أبناء البلاد الأصليين، فاعتبرت الأراضي التي استثمروها إما ملكًا لهم، وإما مأجورة شرط دفع ضريبة عقارية و«مال عنق stipendium» فُرض على الرجال والنساء، ولُزم في رومة تلزيمًا.
وأمست المدينة العتيقة Utica عاصمة ولاية أفريقية لأسباب، أهمها أنها كانت الثانية بعد قرطاجة، وأنها فاخرت قرطاجة بقدم عهدها، وأنها كانت قريبة من صقلية، وأنها كانت تتسع لعدد كبير من القادمين إليها، إن من حيث المسكن أو المأكل، وكان يمثل رومة فيها وال من رتبة «قاض praetor»، ينتخبه السناتوس الروماني بالقُرْعة، ويتخذ لقب propraetor وproconsul بعد السنة 81ق.م.، ويحكم لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، وعاون الوالي معاون عُرف باﻟ legatus، ومدير مال عرف باﻟ quaestor، وتولى الوالي إدارة الولاية والنظر في دعاويها القضائية الحقوقية والجزائية، وقاد قواتها العسكرية، وكانت هذه في الأحوال العادية فرقة واحدة وبعض وحدات من القوى المساندة تجنَّد في أفريقية، وكان على المدن المهمة أن تدافع عن نفسها عند الحاجة، فكانت محصنة منيعة، وكان سكانها مسلحين مستعدين دومًا للدفاع.
ولم يرغب السناتوس في ليتنة هذه الولاية، ولم يشجع الرومانيين على الإقامة فيها مستعمرين، خشية قيام قرطاجة رومانية شعبية تشاطر رومة الزعامة، وظل القرطاجيون أحرارًا في ممارسة طقوسهم الدينية وإدارة شئونهم بطرقهم الخصوصية، فقد بقي في المدينة العتيقة سناتوس محلي يرئسه «شافط»، أي قاضٍ حاكم محلي.
ثم كان ما كان من أمر النزاع بين العامة والأشراف، وظهور طيباريوس غراكوس وأخيه غايوس، فعبر غايوس في ربيع السنة 122ق.م. إلى أفريقية على رأس بضعة آلاف روماني وإيطالي، وأسكنهم أرض قرطاجة نفسها، فنشأت «قرطاجة يونية Colonia Kartago Lunonia»، وربط اسمها بين قرطاجة وبين «يونو Juno» أم الآلهة الرومانية، التي كانت قد اعتبرت منذ عهد بعيد عشترون الفينيقيين، أو «تنيت Tanit» قرطاجة، هذا ولا يخفى أن رجال الاختصاص لا يزالون غير متفقين على كيفية التلفظ باسم هذه الآلهة الفينيقية، فالاسم الفينيقي ثلاثي «تنت» غير مضبوط بحركات أو حروف علة، وكان الرومانيون قد وافقوا أيضًا بين بعل همون القرطاجي و«كرونوس اليوناني Cronos» وSaturnus الروماني إله الزرع (1).
وخلا مكان غايوس (121ق.م.) فانطوت صحيفة قرطاجة اليونية وانقطعت أخبارها، وتولى أمور نوميدية بعد «مسينيسة Masinissa» «ميكيبسة Micipsa» (148–118) و«أذربعل Adherbal» (118–112) و«يوغورثة Jugurtha» (112–106) و«هيمبسال Hiempsal» (106–60) و«يوبة الأول Juba» (60–46)، وأيد يوبة بومبايوس (47-46)، فقضى يوليوس قيصر على آماله في موقعة «تبسوس Thapsus» عند رأس الديماسي، فهرول يوبة إلى قاعدته زاما وانتحر فيها، فجزأ يوليوس نوميدية، وأنشأ من أراضيها التي تاخمت ولاية أفريقية ولاية جديدة أسماها «أفريقية الجديدة Africa Nova»، وجعل الأولى «أفريقية القديمة Africa Vetus»، وأسند إدارة الولاية الجديدة إلى صديقه المؤرخ «سلوستوس Sallustus»، ووهب الباقي من نوميدية إلى «سيتيوس Sittius» و«بوخوس Bocchus.» ملك موريتانية، لقاء مساعدتهما له في الحرب، ورأى بثاقب نظره إمكانيات الأفريقيتين في ليتنة البربر، فأمر بإنشاء عدد من المستعمرات الرومانية، أهمها قرطاجة Julia Concordia Karthago وJulia Uthina في وِدْنَه Julia Aurelia Thuburbo Maius في خشير القصبة، وJulia Curubis في قُرْبه، وJulia Carpitana في مِريَة، وJulia Hippo Diarrhytus في بنزرت (2).
..............................................
(1) CONTENAU, G., La Civilisation Phinicienne, (1949) , 96-97.
(2) LAPYRE et PELLEORIN, Carthage Latine Chrétienne, (1950) , 46–69.