وتألف الشعب الروماني من أحرار، وُلدوا «أحرارًا ingenui»، ومن «عتقاء libertini» أُخرجوا عن الرق، وقضى الشرع الروماني بأن يحظى العتيق بحق المواطن الذي لمعتقه، فنال العتقاء في إيطالية ورومة حقوق المواطن الروماني، بيد أن السلطات في عهد الجمهورية لم تشجع العتق، فاستوفت ضريبة عتق معينة، وجاء أوغوسطوس فلم يعترف بعتق من لم يدفع الضريبة القانونية، وحَرَمه من حقوق المواطن الروماني، ولم يسمح بإعادتها له إلا بعد الزواج والتوالد، وعلى الرغم من هذه العوائق ظل العتق جاريًا ساريًا، وظل عدد العتقاء ينمو ويرتفع.
ولم يكن العتق في رومة مطلقًا بدون قيد أو شرط، وأحب أوغوسطوس أن ينتقي العتقاء انتقاء، فعاد إلى العرف الجمهوري، ونظر فيه فضبطه بقانونين، صدر الأول منهما Lex Fufia Caninia في السنة 2 ق.م.، والثاني Lex Aelia Sentia في السنة 4 ب.م، وكان العتق يتم في عهد الجمهورية إما بالوصية بعد الوفاة، وإما بالإقرار والاعتراف أمام القضاء، وإما بإدخال اسم الرقيق في لوائح المواطنين باقتراح المعتق وموافقة «المراقب censor»، وإما ببيان خطي غير رسمي موقع من المعتق نفسه، وكان الناس قد أقبلوا على العتق بعد الوفاة إقبالًا شديدًا، فأوصوا في كثير من الأحيان بعتق جميع أرقائهم، فجاء القانون الأول في السنة 2 قبل الميلاد يحدد عدد العتقاء تحديدًا، فأجاز عتق نصف الأرقاء إذا كان مجموعهم يتراوح بين الثلاثة والعشرة، ومنع الأغنياء الذين ملكت أيمانهم مئات الأرقاء من عتق أكثر من خُمس ما عندهم، وأوجب على المعتق ذكر من يعتق باسمه، وعاد أوغوسطوس في السنة 4 ب.م.، فحرم نوعًا معينًا من العتقاء من حقوق المواطن الروماني، أولئك الذين ارتكبوا جرمًا فنالوا عقابًا، إما من الدولة وإما من سيدهم، والذين تحلوا بالصفات الحميدة تمتعوا بحقوق المواطن، إذا كان المعتق فوق العشرين من العمر، وكانوا هم فوق الثلاثين، وكان لا بد من إجراء العتق أمام ممثل للسلطة، يثبت الإخراج عن الرق بمس الرقيق بعكاز السلطة vindicate (1).
وظل العتيق دون المواطن الحر مرتبة، فإنه لم يتمتع بجميع حقوق المواطن الروماني، فكان معرضًا للتعذيب إذا دُفع دفعًا إلى قاعة المحاكمة، ولم يسمح له بالجلوس على منصة الحكم أو القضاء، أو بالانتماء إلى طغمة الكهنة، أو إلى الحرس البريتوري، أو إلى فرق المشاة، وكان عليه أن يحتفظ باسم سيده، وأن يعطيه «المقام الأول praenomen»، وباسم قبيلة سيده nomen، وأن يبقي اسمه الشخصي في المرتبة الثالثة cognomen، وكان إذا تردى بالطوغة الرومانية تميز بزي رأسه، فلبس قبعة خصوصية عُرفت ﺑ «البلوسة pilleus»، ولم يتورع الروماني الحر عن تحقير المعتق بشتى الوسائل، كتذكيره بعبوديته السالفة، وتقديم ألوان من الطعام دون تلك التي كانت تُقدم للمواطن الحر.
وعلى الرغم من هذه القيود، فالمعتَق ظل يتمتع بعدد غير قليل من الامتيازات، فإنه كان مواطنًا رومانيًّا، وكمواطن روماني أعفي من مال الأعناق ومال الأراضي، واشترك في النقابات وسيطر على بعضها، وزاوج الأحرار، واحتكر حق خدمة الآلهة غير الرومانية، ولعب دورًا لائقًا في عبادة أوغوسطوس، وكان إذا تفوق في المقدرة والأمانة يلفت نظر أوغوسطوس، فينال منه «حق لبس الخاتم الذهبي ius annuli aurei»، ويمسي مساويًا للمواطن الحر، لائقًا بالدخول في طبقة الفرسان.
وبلغ عتقاء أوغوسطوس نفسه liberti Caesaris رُتَبًا تقاصر عنها كبار الأحرار، وتفصيل ذلك، أن الرومانيين «الأحرار ingenui» زمُّوا بأنوفهم، وامتنعوا عن القيام بخدمة بعضهم خدمات شخصية، فاضطر أوغوسطوس أن ينتقي خدامه الشخصيين من عتقائه، وأن يفوِّضهم إدارة أملاكه و«أمواله الشخصية patrimonium Caesaris». ولما كان يصعب عليه التفريق بين أمواله الشخصية وأمواله التي كانت تعتبر عمومية، أمسى الموظفون لإدارة أمواله موظفين في الواقع مدنيين، ذوي نفوذ طائل وحول وصَوْل. وكان أهم هؤلاء ثلاثة: «أمين السر الإمبراطوري liberti ab epistulis»، و«أمين المال liberti a rationibus»، و«أمين الاستعطاف liberti a libellis». أما «سكرتيره القضائي liberti a cognitionibus» و«مستشاره الأدبي اللغوي liberti a studiis» فإنهما كانا أقل شأنًا. وأما الثلاثة الأولون، فإنهم أصبحوا بفضل وظائفهم وصلاحياتهم أبوابًا رئيسة لا بد من ولوجها للوصول إلى حضرة المواطن الأول، فاستشفعهم الكبراء إليه، وواصلوهم على الرغم من ضِعة ماضيهم، وأثارت منزلتهم الرفيعة الجديدة التي اشرأبت إليها الأعناق حَسَدًا تلظَّت منه أكباد الأشراف، وفي أدب العصر الأوغوسطي حكايات وحكايات عن تصنع الشيوخ والوجهاء لهؤلاء المعتقين الأوغوسطيين، ولكنها لا تخلو من الغلو والمبالغة.
ولم يبلغ سائر العتقاء ما بلغه عتقاء أوغوسطوس من النفوذ والعزة، ولكنهم تمتعوا جميعًا بامتياز واحد، خفف كثيرًا من وطأة الشعور بالنقص الاجتماعي الذي كان يحز في صدورهم، فإن أولادهم بعد العتق وُلدوا «أحرارًا ingenui» كسائر المواطنين، وحملوا أسماء رومانية قديمة، أخفت ما لحق آبائهم من وصمة العبودية، ويقدر العلماء نسبة الرومانيين الأحرار في رومة أحفاد الأحرار الأحرار بعشرة في المائة فقط من مجموع السكان، أما الباقون، فإنهم كانوا جميعًا في وقت مضى عتقاء، أخذ عنهم الرق أخذًا (2).
………………………
(1) GAIUS, I, 18–20, 31, 38, 44, 46; DUFF, A.M., Freedmen in the Early Roman Empire, (1928) ; LAST. H., Social Policy of Augustus, Cam. Anc. Hist., X, 432–434.
(2) WEISS, E., Manumissio, Real-Encyc.; FRANK, T., The Sacred Treasure and the Rate of Manumission, Amer. Journ. Philol., 1937; Race Mixture at Rome, Amer. Hist. Rev., 1925-1926; HAMMOND, M., The Aug. Principate in Theory and Practice, (1933).