ومن لم ينتمِ إلى طبقتي الشيوخ والفرسان لم يبقَ له في آخر عهد المواطن الأول شيء من السلطة، ولم يشترك في الحكم، ولم يلغِ المواطن الأول منظمات الشعب الروماني، ولكنه لم يُبقِ لها شيئًا سوى الموافقة على انتخابه، وهذه الموافقة نفسها أمست شكلية لا فاعلية لها. والغريب هو أن جمهور الشعب لم يتبرَّم من هذا الإهمال، ولم يتضجَّر من عدم اشتراكه في الحياة السياسية، ويرى البعض أن السبب في ذلك يعود إلى أن الشعب لم ير في الواقع أي جديد في إبعاده عن المعترك السياسي، فالبيوتات الكبيرة في رومة كانت منذ عهد بعيد قد سيطرت على سير الأمور في المنظمات الشعبية بواسطة الموالي، الذين كانوا يدينون لها بالولاء والطاعة، وما تمَّ على يد المواطن الأول لم يكن سوى استبدال البيوتات المتعددة ببيت واحد، ويرى آخرون أن جمهور الشعب لمس في برامج أوغوسطوس عناية وعطفًا فوالاه وأذعن إليه، والإشارة هنا إلى توزيع الحبوب على السكان على نطاق واسع، وإلى الترفيه عنهم بالألعاب المجانية، ومع أن مائتي ألف روماني استفادوا من توزيع «الحبوب frumentationes»، فإن الكميات الموزعة لم تكن في أي وقت من الأوقات كافية، ولم تكن الحبوب كل شيء للروماني العادي، ولم تسد كل حاجاته، ووزع المواطن الأول المال أيضًا congiara وتلقاه الشعب بالشكر، ولكن توزيعه لم يكن منتظمًا، وإنما جاء لمناسبات معينة، ويعلل بعضهم عدم التضجر بتسرب شيء من الاتكالية إلى صدور الناس، وانتشاره في جميع طبقات المجتمع، فقد كان هنالك من يتكلون في سلطتهم المحلية وسيادتهم على المواطن الأول، وشعراء يعيشون على سخاء أصحاب الملايين، وأرقاء لا يعرفون سوى أسيادهم، ومعتقون لا يوالون إلا من أعتقهم.
ولكن هذه الاتكالية — على انتشارها — لم تعم الشعب بأسره، فقد ظلَّ في رومة محامون وأطباء ومعلمون وتجار وبناؤون وفعلة وموسيقيون وقاصون يعملون لحسابهم الخاص، ويعيشون من أتعابهم الشخصية، وانتظم بعض هؤلاء «نقابات collegia» للنظر في مصالحهم المشتركة ورعايتها عند الحاجة، وشملت هذه النقابات المواطن الحر الأصيل والمعتق والرقيق، ولم يمنع أوغوسطوس سوى الجمعيات السياسية.

مواطن روماني.
ولم تكن علة الشعب في رومة مادية بقدر ما كانت روحية معنوية، فموقف الجماهير من التطورات السياسية والعسكرية ظلَّ سلبيًّا؛ لأنهم لم يشتركوا فيها اشتراكًا فعليًّا، ولم يشعروا بأنها صدرت عنهم، ولم يحسوا بأية مسئُولية معنوية تدفعهم للمحافظة عما تم والدفاع عنه، فقد بقي هذا الإحساس محصورًا في الطبقات العليا، وزادت سلبية الشعب بازدياد العناصر غير الإيطالية، التي أمت رومة واستقرت فيها، ثم تفشَّت مع مرور الزمن، فانتشرت في الطبقات العليا مع وصول بعض هذه العناصر إليها، ولم يعالج أوغوسطوس هذا الداء معالجة جدية، ولم ينفخ في صدور الناس عقيدة معينة يؤمنون بها ويناضلون عنها، فعبادة أوغوسطوس ظلَّت شكلية طقسية فارغة. ومن هنا إقبال الجماهير على العقائد والطقوس الشرقية، ولم يلجأ إلى التعليم والتهذيب، ولم يظهر خلفاؤه الأقربون اهتمامًا بهذه الناحية قبل السنة 75 بعد الميلاد، ولم يُعنَ برفع مستوى المعيشة بين الجماهير، فظلت بيوتهم قذرة حقيرة، وظلت شوارعهم ضيقة، ملأى بالأقذار والأوساخ (1).
ويجمع رجال الاختصاص على أن أحوال المدن الإيطالية كانت أصح وأفضل، فالمستعمرات الرومانية منها coloniae، والمدن الإيطالية الحرة municipii تمتعت بقسط وافر من الاستقلال الداخلي، واشترك الشعب في حياتها السياسية اشتراكًا فعليًّا، فانتخب «رجالها» الاثنين duoviri في المستعمرات، و«الأربعة quatuorviri» في المدن الحرة. وكانت الانتخابات في بعض الأحيان حامية الوطيس، كما كان يجري في بومباي مثلًا، وكان لكل منها سناتوسًا curia يدبر شئونها (2).
..........................................
(1) ARNOLD, W.T., Domestic Policy of Augustus, (1906) ; HOMO, L., Problèmes Sociaux, (1922) ; FRANK, T., Aspects of Social Behaviour in Anc. Rome, (1932) ; MAXEY, M., Occupations of Lower Classes in Rom. Society, (1938).
(2) KORNEMANN, E., Colonia, Real-Encyc.; RUDOLPH, H., Stadt und Staat im Romischen Italien, (1939) ; SHERWIN-WHITE, A.N., The Roman Citizenship, (1939) ; ABBOTH AND JOHNSON, Municipal Adm. In Rom. Emp., (1926) ; TANZER, H., Common People of Pompeii, (1959).