ورد الأمر بالذكر الإلهي في آيات الحج عدة مرات، وقد تكرر الأمر في الآيات السابقة بذكر الله تعالى بعناوين مختلفة كالاستغفار والدعاء، بينما دعت هذه الآية أيضاً وهي الآية الأخيرة من آيات مسائل الحج الناس إلى ذكر الله (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).
إن الحج هو سفر التذكرة الإلهية، ومن هنا يدعو الله الحجاج إلى ذكر الحق في مكان معين أحياناً: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ[1]) كما يدعوهم إلى ذلك في زمان معين أحياناً أخرى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).
وهذه الآية تحت الحجاج على ذكر الله في أيام التشريق حيث يكونون في عرصات منى، وذلك كي لا يبتلوا بسنة الجاهلية المتمثلة بالتفاخر بالأسلاف بل وكي لا ينشغلوا بالمباحات أيضاً، إنّما يأنسون مع المذكور من خلال ذكر الله، ويجتنبون الذهول والأفول.
ولا بد من الالتفات إلى أن دعوة هذه الآية إلى ذكر الله في الأيام المعدودة القليلة لا تتنافى مع الآيات التي تدعو إلى كثرة ذكر الحق؛ لأن المقصود بالذكر الإلهي في هذه الآية هو كمّيّة وكيفية الدعاء الخاص في منى؛ أي ذكر (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام[2]) الذي يستحب قراءته من ظهر اليوم العاشر حتى صباح اليوم الثالث عشر في منى، وحتى صباح اليوم الثاني عشر في غير منى[3]. وإلا فإن ذكر اسم الله تعالى من الناحية المبدئية قد ورد الترغيب بكثرته (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [4])، كما أن ذوي الألباب قد وصفوا بدوام الذكر وقوام الفكر وأنهم يذكرون الله في جميع حالاتهم من الوقوف والقعود والاضطجاع، وأنهم لا يغفلون عن ذكره في أي حالة من حالاتهم حتى عند تهيؤهم للنوم، فهم دائمو الذكر: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[5]). وصدر هذه الآية يشير إلى من يؤدي صلاته واقفاً أو جالساً وفي حالة الاضطجاع، ولكنّ ذلك هو التطبيق على المصداق الخاص، لا تفسير المفهوم العام للآية، فلا يتنافى مع كثرة ذكر الحق أو دوام ذكر الله.
ملاحظة: 1. يمكن إدراك أهمية الذكر الإلهي من التصريح به من جهة وعدم الإشارة إلى رمي الجمرات من جهة أخرى. بمعنى أنه مع وجوب رمي الجمار في هذه الأيام المعدودة والمعلومة فلم يتمّ التعرّض لها أصلاً، بينما أكدت الآية على ذكر الله سبحانه بصورة واضحة.
وربما كان الستر في عدم التصريح برمي الجمرات هو أن عملية الرمي كانت مشهورة ومقبولة لدى الناس في ذلك الزمان فلا حاجة إلى التطرق إليها بصراحة[6]، مثلما هو الحال مع الذكر في حالة الرمي وأثناء رمي الحصى الذي يدخل ضمن الذكر في الأيام المعدودة، إذ هو السبب في عدم الحاجة إلى التصريح به.
2. ورد الذكر في الأيام المعدودة في منى بصورة مطلقة، وقد استظهر بعض المفسرين من الآية التي هي مورد البحث وجوبه، كما هو الظاهر من تفسير التبيان[7]. وما يقال أثناء الرمي والذبح وبعد الصلوات الخمس عشرة في منى له كيفيته المخصوصة مضافاً إلى رجحانه الخاص.
وإذا استنبطنا وجوب الذكر في الأيام المعدودة من الآية التي هي مورد البحث، فيتحتم حينئذ استظهار وجوب الوقوف في منى أيضاً؛ لأنّ ذكر أيام معدودة في منى يتوقف على التوقف والبقاء فيها. وهذا نظير استظهار وجوب التوقف في عرفات وفي المشعر من وجوب الإفاضة منهما؛ لأنّ الإفاضة فرع على الوقوف، حيث إن مجرّد العبور من عرفات أو المشعر لا يقال له إفاضة.
وجدير بالذكر أنّ وجوب الوقوف في منى لا يفيد وجوب الذكر فيه، خلافاً لعكسه.
[1] سورة البقرة، الآية 198.
[2] الكافي، ج 4، ص 516 ؛ البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 441 .
[3] جواهر الکلام، ج 20، ص 34 - 35.
[4] سورة الأحزاب، الآية 41 .
[5] سورة آل عمران الآية 191.
[6] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 192.
[7] التبيان، ج 2، ص 175 .