1. شأن النزول: عن أبي عبد الله عليه السلام كانوا إذا قاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم: كان أبي يفعل كذا وكذا فقال الله جل ثناؤه: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ)، (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا...[1]).
عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام في قول الله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)؟ قال: كان الرجل في الجاهلية يقول: (كان أبي وكان أبي، فنزلت هذه الآية في ذلك[2]).
تنويه: كانت سنة الجاهليين بعد فراغهم من مناسك الحج تقوم على تجمعهم في منى لذكر مفاخر قومهم ومآثر، قبائلهم، فيلقي الشاعر منهم قصيدته في مدح آبائه، وكذلك يفعل خطيبهم، ولم يكونوا يتورعون عن المبالغات والكذب في مدحهم ذلك وتفاخرهم. وقد نبههم الله بيان لطيف أن عليهم أن يذكروا الله سبحانه بدلاً من هذه المباهاة والتفاخر.
2. ذكر الله في عرفات ومنى: قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام إنا إذا وقفنا بعرفات وبمنى ذكرنا الله ومجدناه وصلينا على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وذكرنا آباءنا أيضاً بمآثرهم ومناقبهم وشريف أعمالهم؛ نريد بذلك قضاء حقوقهم! فقال علي بن الحسين عليه السلام: أو لا أنبئكم بما هو أبلغ في قضاء الحقوق من ذلك؟» قالوا: بلى يا ابن رسول الله. قال: (أفضل من ذلك أن تجدّدوا على أنفسكم ذكر توحيد الله والشهادة به، وذكر محمّد رسول الله والشهادة له بأنه سيد النبيين، وذكر علي ولي الله والشهادة له بأنه سيد الوصيين، وذكر الأئمة الطاهرين من آل محمد الطيبين بأنهم عباد الله المخلصين. إنّ الله تعالى إذا كان عشيّة عرفة وضحوة يوم منى باهي کرام ملائكته بالواقفين بعرفات ومنى وقال لهم: هؤلاء عبادي وإمائي حضروني هنا نا من البلاد السحيقة شعشا غبرا قد فارقوا شهواتهم وبلادهم وأوطانهم واخوانهم ابتغاء مرضاتي...[3]).
3. استجابة الدعاء في منى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل رجل أبي – بعد منصرفه من الموقف فقال: أترى يخيب الله هذا الخلق كله؟ فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلا غفر الله له مؤمنا كان أو كافرا إلا أنهم في مغفرتهم على ثلاث منازل: مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعتقه من النار وذلك قوله عزوجل: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)... وكافر وقف هذا الموقف زينة الحياة الدنيا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ان تاب من الشرك في ما بقي من عمره وان لم يتب وفاه اجره ولم يحرمه أجر هذا الموقف وذلك قوله عز وجل: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا[4]).
تنويه: يمثل بعض المواقف كمنى تجلي الرحمة الرحمانية وتبلور رحمة الله الرحيمية فرحمة بعض المنازل الثلاث المذكورة هي رحمانية وبعضها الاخر رحمانية ورحيمية وما يناله المؤمن اضافة الى الرحمة الرحمانية هو مغفرة ذنوبه القديمة والجديدة أي العفو عن التذبذبات التي يبتلى بها في أوائل تكليفه أو أواخره وليس معنى المتقدم والمتأخر هو الماضي والمستقبل لأن غفران الذنوب القادمة يستلزم تجويز نوع من الاباحية لان معنى غفران الذنوب التي سترتكب هو ترخيص ارتكابها وهذا مما لا يمكن.
وما يصيب الكافر التائب –إضافة الى الرحمة الرحمانية أيضا –هو العفو عن ذنوبه السابقة بشرط أن يثبت ما بقي من عمره على التوحيد والإيمان.
أما حظ الكافر غير التائب فيقتصر على الرحمة فقط ولا أثر لها إلا الرفاه المرحلي الخاص في الدنيا.
4. حسنة الدنيا وحسنة الاخرة: روي عن النبي ﷺ أنه قال: من أوتي شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وأخراه فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة ووقي عذاب النار[5].
عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قال: رضوان الله والجنة في الاخرة والسعة في المعيشة وحسن الخلق في الدنيا[6].
تنويه: أ. لحسنة الدنيا – وكذلك حسنة الاخرة مصاديق كثيرة أشار الحديثان المذكوران الى بعض منها. ولاشك في أن مقام الرضوان الالهي من أفضل الحسنات وآثاره تظهر وتتجلى في الدنيا كما في الاخرة.
ب. الامور الثلاثة المذكورة في الحديث النبوي ﷺ اذا تحققت مهدت الارضية لجميع الحسنات.
قال الرسول معلما ذاك العليل *** قل: إلهي يسر الخطب الجليل
آتنا في دار دنيانا حسن *** آتنا في دار عقبانا حسن[7]
5. سرعة المحاسبة الإلهية: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: معناه "أي معنى (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ)" أنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة[8].
قال الامام (العسكري) عليه السلام: ... (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لانه لا يشغله شأن عن شأن ولا محاسبة أحد من محاسبة آخر فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكل يتم حساب الكل بتمام حساب واحد وهو كقوله (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ[9])، لا يشغله خلق واحد عن خلق آخر (ولا بعث واحد عن بعث آخر[10]).
ورد في الخبر: أنه سبحانه يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر[11].
وروي أن حساب جميع العباد عنده تعالى على قدر حلب شاة[12].
تنويه: تظهر هذه الروايات وأمثالها سرعة المحاسبة الالهية وأن فعل الله مقارن لارادته واستعمال هذه التعابير إنما هو من باب ضيق اللفظ كما أن يوم القيامة اذا كان بقدر خمسين ألف سنة من سنين الدنيا فإن ذلك مخصوص لفئة خاصة وإلا فإنه بالنسبة الى الله ليس أكثر من لحظة واحدة مثلما هو للمؤمن بمقدار احدى صلواته الواجبة[13].
وقد عبرت هذه الروايات عن مدة هذه المحاسبة فوصفتها بالدفعية أو بمقدار حلب شاة أو طرفة عين وعلة ذلك تكمن في أن أي عمل لا يشغل الله عن عمل آخر: لا يشغله شأن عن شأن ويمكنه محاسبة الكل في آن واحد اذ لما كان العمل المبدئي غير خاضع للزمان وليس في امكان أي عمل أن يمنعه من أداء عمل آخر كما أن متن الاعمال حاضر لديه أيضا وكانت أعضاء وجوارح العاملين شاهدة على تلك الاعمال فلا وجه حينئذ للتأخير في محاسبة ذلك الحسيب العليم كل ذلك مع إمكانية ايقاف البعض لمحاسبتهم: (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ[14]).
[1] الكافي، ج 4، ص 516 ؛ أسباب نزول القرآن، ص 66 .
[2] تفسير العياشي، ج 1، ص 98.
[3] تفسير الامام العسكري عليه السلام ص480-481 بحار الانوار ج96 ص259
[4] سورة هود الاية 15 الكافي ج4 ص521.
[7] تعريب للبيت 2551 من الدفتر الثاني من المثنوي المعنوي ص274 وهو بالفارسية. (المترجم).
[8] بحار الانوار ج7 ص254 البرهان في تفسير القرآن ج1 ص203
[10] تفسير الامام العسكري عليه السلام ص478 بحار الانوار ج96 ص257
[12] المصدر نفسه نور الثقلين ج1ص200
[13] البرهان في تفسير القرآن ج8ص118
[14] سورة الصافات الاية 24