بعد بيان الله سبحانه لبعض أحكام الحج وأمره بإعداد زاد التقوى لهذا السفر المعنوي، نفى في هذه الآية ما كان الجاهليون يتوهمونه من ممنوعية التجارة في موسم الحج بقوله أن لا بأس عليكم في أن تبتغوا من فضل الله.
وكان جمع في صدر الإسلام يظنّون وجوب تعطيل سوق عكاظ وأمثاله تما كان أهل الجاهلية يقيمونه في موسم الحج، وكانوا ينتقدون كل من يمارس نشاطاً تجارياً في هذه الأيام؛ ولما أراد الله سبحانه رفع هذا الوهم الجاهلي ابتدأ بأمرهم بالجد في أداء المناسك الواجبة واجتناب محرّمات الإحرام والتزود بزاد التقوى الإلهية، ثم قال لهم: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) وهكذا، لا يحرم على الحاج في حال الإحرام أو بين الحج والعمرة أن يشتغل في التجارة أو حمل البضائع ونقل المسافرين، بل لو سعى الإنسان في كسب رزقه مراعياً لأحكام الشرع وطلباً لرضا الله، فإنّه سيشمله الثواب الإلهي أيضاً[1].
وعبارة (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) تفيد الجواز والإباحة وترفع وهم المنع والحرمة. ولا شك في أنّ الاقتصاد لو اصطبغ بالصبغة الإلهية وغلب عليه عنوان الكسب من فضل الله فالتوفيق حليفه لا محالة.
وقد وعد الله سبحانه من قصد زيارة بيته ابتغاء لفضله ورضوانه واحدا من شعائره المحترمة التي يجب على الجميع مراعاة حرمتها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا[2]) ولا يخفى أن هذه الاية ليست صريحة في أن المراد من الفضل فيها هو النعم المادية لمجيء كلمة (الرضوان) الى جانب ابتغاء الفضل الالهي.
وجاء ذكر المانفع المادية في آية اخرى على الشكل التالي: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ[3]). وطبقا لهذه الاية فإن الله قد امر نبيه ابراهيم عليه السلام أولا والرسول الاكرم ﷺ ثانيا أن يدعوا الناس الى الحج كي يتوجهوا من أماكنهم البعيدة والقريبة مشيا وركبانا ولو على الجمل الهزيل لزيارة بيت الله والحصول على ما ينفعهم حيث إن المسلمين عند مسافرتهم من نقاط الدنيا المختلفة الى بيت الله ستتوفر لهم فرصة الحوار وعقد المعاهدات التجارية فيكونون بذلك قد وضعوا أسس وقواعد التقدم الاقتصادي لكافة المجتمعات الاسلامية وذلك من خلال عقد الندوات بين المفكرين الاقتصاديين المسلمين وتشاورهم وتعاونهم في موسم الحج ووضعهم للخطط الاقتصادية المتينة للمجتمعات الاسلامية اضافة الى تدعيم وتوسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية القائمة بين تلك المجتمعات بما يوفر مستلزمات تقوية العالم الاسلامي في قبال أعداء الاسلام وتأمين استقلاله الاقتصادي كل ذلك مع عدم اغفال أهمية أن ترافق هذه النشاطات ما يلزمها من مراعاة للجوانب الخلقية والثقافية.
تنبيه: 1. في بعض الأحيان يكون المراد من عبارة (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) هو الأمور الراجحة، بل الواجبة، مثل: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ[4]). وحمل البعض عبارة (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) على ما بعد الحج، أي الخارج من أعمال الحج[5]، معتبراً إياها من قبيل (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ[6]).
وهذا الحمل الذي نقله الفخر الرازي عن أبي مسلم يفتقر إلى الدليل؛ فبعد الفراغ من أعمال الحج لا مجال لتوهم الجناح والمعصية في التجارة، كما أن مخلفات الجاهلية لم تكن حياكتها على مثل هذا المنوال.
2. ربما كان السبب في توهم حرمة التجارة في أيام الحج يعود إلى حرمة العديد من الأمور العادية كلبس المخيط واستعمال الطيب وصيد الحيوانات البرية والنظر في المرآة بقصد الزينة وما شابه ذلك، إضافةً إلى غلبة اقتران التجارة بالجدال الذي هو أحد محرّمات حال الإحرام.
ونقل عن ابن عباس قوله إنّ ناساً من العرب كانوا يسمون التاجر في الحج بالداج قائلين: إنّ هؤلاء هم (الداج) لا (الحاج)، ومعنى الداج هو الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة[7].
[1] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 527 ؛ مسالك الأفهام، الكاظمي، ج 1 - 2، ص199.
[3] سورة الحج الايتان 27و28
[4] سورة النساء، الآية 101.
[5] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 171 .
[6] سورة الجمعة، الآية 10 .
[7] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 171 .