النظم الإذاعية (مسموعة - مرئية)
المؤلف:
د. محمد معوض إبراهيم د. بركات عبد العزيز
المصدر:
إنتاج البرامج الإذاعية والتليفزيونية
الجزء والصفحة:
ص 41- 45
2026-07-11
12
النظم الإذاعية (مسموعة - مرئية):
كان من المعترف به في بدايات ظهور الراديو أن إمكانياته كوسيلة اتصال أثارت أفكارًا عديدة لم تكن مطروحة من قبل، وبالتالي تحتم انتهاج أسلوب ملكية لهذه الوسيلة الجديدة يختلف عن أساليب ملكية الصحف والمجلات، إضافة إلى ذلك ظهرت مشكلة ندرة الحيزات الصالحة للإذاعة وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من مشكلات واحتكارات لهذه الأسباب وغيرها رأت الحكومات ضرورة التدخل - بدرجات معينة، ففي بعض الحالات نشأت الإذاعة وتطورت كمشروعات تجارية خاصة، ويقتصر التدخل الحكومي على إصدار الرخصة أو التصريح لها بالعمل، وكذلك إصدار بعض المعايير التي تلتزم بها البرامج الإذاعية (كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية)، وفي حالات أخرى يتم تنظيم الإذاعة بحيث تكون مرفقا عاما أو هيئة عامة، بحيث تعمل على نحو مستقل تحت الإشراف العام للحكومة أو البرلمان الذي يحدد الأوضاع القانونية الأساسية واللوائح والتنظيمات الخاصة بها، في أغلب هذه الحالات تمتلك الدولة أجهزة الإرسال، وتكون مسؤولة عن تشغيلها، وهناك حالات استثنائية تكون مرافق الإرسال مملوكة للهيئات الإذاعية التي تتولى التوزيع والتشغيل. وهناك نمط ثالث للنظم الإذاعية هو النظام الحكومي، حيث تمتلك الدولة المرافق الإذاعية وتسيطر عليها، وتوجه سياستها وشؤونها اليومية، وتختلف شدة السيطرة في إطار النظام الحكومي نفسه خاصة تلك الاختلافات في تقسيم المسؤولية بين السلطة المركزية من جهة والجهات التي تتولى التشغيل اليومي من جهة ثانية.
وفي بعض دول العالم تجد كل هذه الأنماط المختلفة من النظم الإذاعية، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان وضع تصنيف صارم للنظم الإذاعية المختلفة، ويعزز ذلك كثرة حدوث التنظيمات المختلفة للإذاعة في بعض دول العالم (كهولندا مثلا)، بالإضافة إلى ما شهده العالم منذ بداية التسعينيات من تغيرات جذرية في النظم السياسية ببعض الدول وما نتج عن ذلك من إصدار تشريعات إعلامية للإذاعة على غرار ما حدث في دول الكتلة الاشتراكية سابقا، أضف إلى ذلك هناك بعض الإذاعات التي كثيرا ما توجد في مناطق مختلفة من العالم لظروف مؤقتة (كالإذاعات السرية).
لقد تعددت تصنيفات الأنظمة الإذاعية في الدول المختلفة، فهناك من صنف هذه الأنظمة على أساس طبيعة السيطرة عليها، وهناك من صنفها على أساس خصائص الجماهير المستهدفة، وهناك من صنفها إلى النمط الحر، النمط الشيوعي، النمط الاستبدادي، نمط المسؤولية الاجتماعية، النمط السائد في الدول النامية، وهناك من صنف هذه الأنظمة وفق متغيرات عديدة يتعين أخذها في الاعتبار مثل أسلوب التمويل أسلوب السيطرة، نوعية الجمهور المستهدف، مدى توافر رجع الصدى .. إلخ.
مثل هذه التصنيفات تتداخل في العديد من العناصر، ويعكس الاختلاف حول تقسيمات الأنظمة الإذاعية في العالم مما أدى إلى نوع من التداخل بينها من جهة، وعدم انطباقها على الواقع في بعض الأحيان من جهة ثانية، ومن خلال مناقشة المتغيرات الأساسية في تحليل النظم الإذاعية في العالم وهي متغيرات السيطرة التمويل الأهداف، الجمهور، مدى التأثير، نوع الخدمة، يخلص بعض الباحثين إلى أنه من الممكن تصنيف الأنظمة الإذاعية في العالم إلى أربعة أنظمة هي النظام الإذاعي التجاري النظام الإذاعي الحكومي النظام الإذاعي المختلط، وأخيرا النظام الإذاعي الخاص، هذا التقسيم لا يستبعد وجود نظامين أو أكثر في الدولة الواحدة، كما يعترف بوجود نوع من التداخل وإن كان بأقل درجة ممكنة، ومن الجدير بالذكر أن التقسيم المشار إليه يحدد الأنظمة الإذاعية الخاصة بصورة مختلفة الأنظمة عن التجارية، فالأنظمة الإذاعية الخاصة تشمل إذاعات الهواة الإذاعات السرية، الإذاعات الدينية، إذاعات الخدمات الخاصة (مثل الإذاعات التعليمية، إذاعات الشرطة والمرور والطقس والإذاعات الموجهة).
وأيا كان النظام الإذاعي المعمول به في مجتمع معين، فإنه يتأثر بالعديد من العوامل التي تنعكس عليه بشكل مباشر أو غير مباشر، فالعامل السياسي مثلا يؤثر على النظام الإذاعي، ويتحدد العامل السياسي بطبيعة النظام السياسي ككل ومدى علاقته بالإذاعة واستخدامه لها لتحقيق أهداف معينة، فقد تستخدم الإذاعة من قبل النظام السياسي في التلقين المذهبي، والدعاية لهذا النظام وتبريره والإقناع به دون أن تتطرق إلى أي وجه من وجوه النقد، وقد يسمح للإذاعة أن تتناول الموضوعات بالنقد في إطار قواعد منظمـة مثل عدم نقد أشخاص بعينهم أو سياسات حكومية معينة، والنظام السياسي قد يسمح بالملكية الخاصة للخدمات الإذاعية وقد لا يسمح، كما قد يسمح بتملك الأحزاب المعارضة أو الجماعات (الدينية أو العرقية) أو اللغوية لهذه الخدمات، وقد لا يسمح أيضًا، كما ينعكس العامل السياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مجالات حيوية بالنظام الإذاعي مثل العاملين، التمويل المضمون.. إلخ. فكل هذه العناصر تتأثر بالبيئة السياسية بشكل أو بآخر، هناك أيضًا العوامل اللغوية والعرقية والدينية، فعندما تتعدد اللغات داخل الدولة، قد يقتضي الأمر الإذاعة بأكثر من لغة نفس المنطق عندما تتعـدد الأجناس والأديان، فكل جماعة عرقية أو دينية تسعى إلى امتلاك الخدمات الإذاعية الخاصة بها العامل الآخر الذي يؤثر في النظام الإذاعي هو العامل الاقتصادي، فالوفرة الاقتصادية تنعكس على تكنولوجيا الإرسال والإنتاج والاستقبال، كما تنعكس على كمية الإرسال ونوعية البرامج ومستواها ومصدرها، كما تنعكس على الكفاءات والخبرات البشرية من حيث مستلزمات تأهيلها وتدريبها في الداخل أو الخارج. كما أن الاعتبارات الاقتصادية تنعكس بصورة مباشرة على مضمون البرامج، ففي الدول النامية توجه البرامج الرامية إلى تعبئة الجماهير للمشاركة في التنمية الاقتصادية، أما في الدول المتقدمة فيغلب على البرامج طابع الترفيه والثقافة الراقية، وكثيرا ما تنعكس الاعتبارات الاقتصادية على أساليب الممارسة الإذاعية، من ذلك مثلا إنشاء الإذاعات اللامركزية محلية وإقليمية للمساهمة في جهود تنمية المجتمع المحلي.. إلخ، ويتصل بالعامل الاقتصادي مصدر التمويل سواء من الضرائب أو من الإعلانات أو ميزانية الدولة، وهذه الأمور تؤثر دون شك في النظام الإذاعي.
والعامل الجغرافي بدوره ينعكس على النظام الإذاعي بالدولة، فمساحة الدولة مثلا - تحدد ضمن عوامل أخرى - عدد الخدمات الإذاعية بها. وعلى الرغم من أن هذا العدد لا يتناسب دائما مساحة الدولة، إلا أن دولة مع شاسعة المساحة كالولايات المتحدة يوجد بها 9500 محطة إذاعية عام 1986، لاشك أن المساحة الشاسعة - بجانب عوامل أخرى بطبيعة الحال - أدت إلى وجود هذا العدد الضخم من المحطات الإذاعية في الولايات المتحدة مقارنة بالمحطات الإذاعية بدولة صغيرة أخرى. يتصل بالعامل الجغرافي أيضًا موقع الدولة بالنسبة لجيرانها، فقد تمتنع الإذاعة عن تناول المضمون السياسي الذي يمثل مصدر حساسية للدول المجاورة لأن الإذاعة مسموعة بين جماهير تلك الدول، فإذاعات النمسا وفنلندا مثلا كانت تنزع إلى اتباع سياسة الحياد في البرامج ذات الطبيعة أو النتائج السياسية لأن الدول المجاورة لهـا كـانت تحكمها نظم شيوعية. كما أن وجود إذاعات تجارية في دولة معينة قد يدفع الدول المجاورة لها إلى إنشاء إذاعة تجارية، فوجود راديو لكسمبورج ومحطات القراصنة أثر على الإذاعات في الدول الأوربية وجعلها تسمح بالإذاعات التجارية ضمن عوامل أخرى. كما أن العديد من الدول توجه إذاعات بصفة مقصودة إلى الدول المجاورة سواء لأغراض سياسية أو تجارية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في اعداد وتقديم البرامج
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة