الظروف المشددة المرتبطة بكيفية تنفيذ الجريمة
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 89-98
2026-06-17
23
إن الظرف المشدد في جريمة القتل العمد لا يتصل دائماً بشخص الجاني أو قصده، وإنما قد يرتبط أحياناً بكيفية تنفيذ الفعل أو بالظروف التي تقع فيها الجريمة زماناً أو مكاناً متى كشفت تلك الملابسات عن قدر أشد من الخطورة يجاوز الصورة العادية لارتكاب القتل العمد. فبعض صور التنفيذ تدل على قسوة في الفعل ذاته، وبعضها الآخر يقوم على المباغتة أو الترصد بما ييسر ارتكاب الجريمة ويحول دون تمكين المجني عليه من الدفاع عن نفسه، الأمر الذي يبرر تشديد العقوبة عند اقتران القتل بهذه الظروف. ولهذا سنقسم هذا الموضوع إلى فرعين، نتناول في الفرع الأول منه، استعمال الجاني طرقاً وحشية، وفي الفرع الثاني سنتناول الترصد، وسنبين ذلك تباعاً.
الفرع الأول
أستعمال الجاني طرقاً وحشية
إن المشرع العراقي قد وسع صور التشديد المتعلقة بكيفية ارتكاب الفعل على غرار التشريعات محل المقارنة " المصري، والفرنسي " فقد جاء في نص المادة (406/1/ج) " 1 - يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية :
ج - إذا كان القتل لدافع دنيء، أو مقابل أجر، أو إذا استعمل الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الفعل." ما يتضح من نص المادة أن المشرع قد أفرد صورة من صور التشديد متعلقة بكيفية ارتكاب الفعل، وهي استعمال الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الفعل.
ويلاحظ كذلك أن هذا الظرف قد نص عليه المشرع العراقي أيضاً مع الظروف المشددة العامة، حيث نصت المادة (3/135) على" مع عدم الإخلال بالأحوال الخاصة التي ينص فيها القانون على تشديد العقوبة، يعتبر من الظروف المشددة ما يلي:
3 - استعمال طرق وحشية لارتكاب الجريمة أو التمثيل بالمجني عليه وهذه الظروف لها أثر عام، أي أنها تنطبق على كافة أنواع الجرائم دون النظر إلى طبيعتها، ولا يستثنى منها إلا الأحوال الخاصة التي ينص عليها القانون، ومن هذه الأحوال ما نحن بصدد دراسته.
ولابد من الإشارة إلى ما جاء في رأي الفقه الجنائي فيما يخص ذكر هذه الظروف التي جاءت بنص عام، كذلك تكرارها بنص خاص في جريمة القتل العمد في المادة (406) مناط البحث، حيث جاء بالقول بأنه كان بإمكان المشرع العراقي الاكتفاء بالنصوص العامة الخاصة بالظروف المشددة، لولا حرص المشرع على رفع العقوبة إلى الإعدام وجوباً إذا اقترن هذه الظروف المشددة بجرائم القتل العمدية، وهذا يفسر لنا مقدار اهتمام المشرع بهذه الظروف، ومنها ظرف استعمال الجاني طرق وحشية في ارتكاب الفعل (1).
ونحن نرجح ما جاء به هذا الرأي، ونؤيد ما ذهب إليه المشرع العراقي من منحى في تأكيد التشديد للجرائم المصاحبة لهذه الظروف.
إن العلة من : تشديد العقوبة في حالة استعمال الجاني طرقاً وحشية في ارتكاب الجريمة هي استخدام وسيلة معينة، وهذه الوسيلة أو الطريقة التي استعملها الجاني تدل على وحشية وانحطاط في طباعه، أي إن الطرق أو الوسائل قد لا تكون وحشية بذاتها، ولكن إذا استخدمها الجاني بأسلوب أو بطريقة تدل على وحشية طباعه، فإن ذلك ما يبرر تشديد العقوبة على الجاني، ولم يعرف المشرع الطرق الوحشية، ولا توجد هناك معايير أو ضوابط محددة تعرف بواسطتها على الطريقة الوحشية وتميزها عن الطريقة العادية، لذلك تعتبر الطريقة وحشية إذا ارتكبت الجريمة بطريقة تخرج عن المألوف وتثير في النفوس إثارة خاصة (2).
إن عدم تعريف المشرع للطرق الوحشية يعني أنه ترك تقدير ذلك لسلطة المحكمة، تحدد ما إذا كانت طريقة ارتكاب الجريمة وحشية أم لا وفقاً للظروف والملابسات التي أحاطت بارتكاب الجريمة.
ويذهب جانب من الفقه بالقول إن اعتبار الطرق الوحشية التي استعملها الجاني في ارتكاب جريمته لوحدها معياراً أو سبباً للتشديد فيه يدعو إلى نقد هذا النص، حيث يذهب هذا الرأي بالنسيب إلى أنه كان على المشرع أن يقول " إذا كانت الطرق التي استعملها الجاني تدل على وحشية " بدل " إذا استعمل الجاني طرقاً "وحشية" إذ إن الطريقة تدل على الطبع ،وتظهره، وليست هي بحد ذاتها المعنية، وليست هي العلة من التشديد (3) .
أي بما معناه أن هذا الرأي يذهب إلى أن ما كان يقصده المشرع ليس الطريقة بحد ذاتها لكيفية ارتكاب الفعل، وإنما قصد طبع وخلق الجاني نفسه ويبقى مناط تحليل ذلك الأمر حلاً للفقهاء، أما تحليل النص وتكييفه فيترك إلى القضاء.
لكن، ومن جانب آخر ذهب القول بأن تفسير الوحشية لا يمكن أن يكون هو الخلق المعاكس للمدنية، إذ قد يكون الجاني متفقاً ومتمدناً، أي سوياً، إلا أنه استعمل طرقاً لتنفيذ جريمته القتل تدل على عدم وجود رحمة في قلبه، مما يجعل هذه الطريقة وحشية (4) .
وبذلك يكون التناقض في ذات الاتجاه، ولكن بدورنا نخالف القول بأن الظرف المشدد باستعمال الجاني طرقاً وحشية ينسب فقط إلى طبع وخلق الجاني بوصفه وحشياً، كذلك نخالف القول بأن الطريقة الوحشية تتعلق بالكيفية، أي كيفية ارتكاب الفعل أو وسيلة الارتكاب أو أحدهما لأنه، وبالعودة إلى ما تكلمنا به آنفاً، فإن الطريقة لا تكون بحد ذاتها وحشية، وإنما يثبت لها هذا الوصف إذا ما استعملها الجاني بدافع وحشي، أي بما معناه أننا نرجح أن الطريقة الوحشية يكون مناطها الجمع بين الخلق أو السلوك الوحشي الموجود لدى الجاني وبين الكيفية الوحشية التي ارتكب الفعل بها. وتأكيداً على ذلك، قد يكون الجاني قد قتل المجني عليه خنقاً، فهو هنا لم يستخدم طريقة معينة غير جزء من جسده، لكن المحكمة تصنف ذلك على أنه ظرف مشدد مقترن بطريقة وحشية (5) .
بينما قد لا تكون لدى الجاني طباع وحشية وفي حالة من الشجار والعصبية قد استعمل طريقة معينة تكشف على أنها ،وحشية ،وبذلك، وبالعودة إلى ذي بدء، نرجح القول بأن الطريقة الوحشية تجمع بين دافع الفاعل وخلقه وبين كيفية ارتكاب الجريمة.
الفرع الثاني
الترصد
لقد شدد المشرع العراقي في قانون العقوبات ظرف الترصد في جريمة القتل العمد، فقد نصت المادة (406/1) على " يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية :
أ - إذا كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد ..." ما يتضح من نص المادة سالفة الذكر أن المشرع العراقي لم يذكر الترصد في مادة خاصة ولم يضع تعريفاً صريحاً له، وإنما اكتفى بالإشارة إليه في المادة (406) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه ظرف مشدد، يشدد عقوبة جريمة القتل العمد إذا ما اقترن بها.
أما في التشريع المصري فقد نصت المادة (230) من قانون العقوبات المصري على "كل من قتل نفساً عمداً مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام وقد عرفت المادة (232) من قانون العقوبات نفسه "الترصد" بأنه" تربص الإنسان لشخص في جهة أو جهات كثيرة مدة من الزمن طويلة كانت أو قصيرة ليتوصل إلى قتل هذا الشخص أو إلى إيذائه بالضرب ونحوه ما يتضح من نص المادة أن المشرع المصري قد وضع تعريفاً صريحاً للترصد على عكس ما جاء به المشرع العراقي في قانون العقوبات العراقي، كما يتبين من نص المادة أن الترصد يقوم على انتظار الجاني للمجني عليه في مكان معين يتوقع قدوم المجني عليه فيه لإتمام جريمته (6).
أما بالنسبة للمشرع الفرنسي فقد شدد ظرف الترصد أيضاً، فقد نصت المادة (221- 3 ) من قانون العقوبات الفرنسي على " يعد القتل اغتيالاً إذا ارتكب مع سبق الإصرار أو بطريق الترصد. ويعاقب عليه بالسجن الجنائي المؤبد. وتطبق على هذه الجريمة الفقرتان الأوليان من المادة 132-23 المتعلقتان بفترة الأمان." ما يتضح أنه أخذ بذات المنحى الذي ذهب إليه المشرع العراقي بعدم وضع تعريفاً صريحاً للترصد، وإنما ذكر عقوبة الترصد وأقرنها بالتشديد.
ونحن نؤيد المنحى الذي ذهب باتجاهه المشرع العراقي والمشرع الفرنسي بعدم وضع تعريف صريح للترصد على غرار ما جاء به المشرع المصري، تاركاً الأمر لاجتهاد الفقه والقضاء، وأن عدم حصر الترصد في تعريف المادة صريح بنص هو تصرف سليم يحسب للمشرع العراقي بالإضافة إلى نظيره الفرنسي، ذلك أن ظرف الترصد يختلف بمرور الزمن واختلاف ما يحيط به من ملابسات فوضع تعريف له يقيد القضاء مستقبلاً ويمنع مرونة التكييف حسب الواقعة وملابساتها.
وبالانتقال إلى الفقه، فقد عرف الترصد بأنه اتخاذ الفاعل موقفاً يتيح له مباغتة المجني عليه والاعتداء وإصابته على غرة بحيث لا ينتبه له مع المفاجأة سبيل الدفاع، الأمر الذي يكفل نفاذ الفعل الإجرامي في ضحيته إذ يفوت عليها كل فرصة لدفع هذا الفعل أو تفاديه (7).
وقد عرف أيضاً بأنه انتظار الجاني في مكان ما المجني عليه بنية الإجهاز عليه، ويتم الترصد بمباغتة المجني عليه ومفاجأته بالاعتداء بحيث لا يتيسر له الدفاع عن نفسه، لذلك يعتبر ظرفاً مشدداً لما يتضمنه من جبن وخبث وعدم إفساح المجال أمام الضحية للدفاع عن نفسها، ولكونه يسهل عملية الاعتداء وعملية هرب الجاني (8) . وعرف أيضاً بأنه ظرف مشدد يتعلق بكيفية تنفيذ الجريمة" ، ولا شأن له بقصد الجاني (9) .
من جملة هذه التعريفات يمكن تعريف الترصد على أنه تربص الجاني للمجني عليه مدة من الزمن، قصيرة كانت أو طويلة، في مكان أو أمكنة يتوقع وجوده فيها بقصد مباغتته والاعتداء عليه على غرة، بما يسهل تنفيذ الجريمة ويفوت عليه فرصة الدفاع عن نفسه (10).
وبالانتقال إلى القضاء المقارن، فبعد البحث نجد أن القضاء العراقي لم يضع تعريفاً صريحاً لمفهوم الترصد. أما القضاء المصري فقد عرفت محكمة النقض المصرية الترصد، بقولها " العبرة في قيام الترصد هي بتربص الجاني وترقبه للمجني عليه فترة من الزمن طالت أم قصرت في مكان يتوقع قدومه إليه ليتوصل بذلك إلى الاعتداء عليه دون أن يؤثر في ذلك أن يكون الترصد في مكان خاص بالجاني "نفسه أما القضاء الفرنسي فلم يضع تعريفاً جامعاً للترصد، وأن القضاء الفرنسي وجانباً من الفقه الفرنسي يذهب إلى ضرورة التلازم بين ظرفي سبق الإصرار والترصد، بمعنى أنه حيث يتوافر الترصد يتوافر بالضرورة سبق الإصرار، وأن الأول هو مظهر من مظاهر الثاني. وقد تأثرت محكمة النقض المصرية بهذا الرأي بعض الوقت حيث قضت في بعض أحكامها بأن الترصد نوع من أنواع سبق الإصرار ، فكل ترصد يعتبر من قبيل سبق الإصرار(11) .
وهذا الرأي لا يمكن الأخذ به، لأنه لو كان صحيحاً لما كانت هناك حاجة بالمشرع إلى ذكر الترصد واكتفى بسبق الإصرار، ولهذا فإن السائد في الفقه المصري أن الظرفين مستقلان ولا تلازم بينهما، وأن الترصد يمكن قيامه دون سبق إصرار .
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن القانون إذ نص في المادة (230) عقوبات على جريمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، فقد غاير بين الظرفين وأفاد أنه لا يشترط لوجود الترصد أن يكون مقترناً بسبق الإصرار، بل يكفي بمجرد تربص الجاني للمجني عليه يقطع النظر عن كل اعتبار آخر (12). ومن ثم فإن ظرف الترصد ليس له شأن بنفسية الجاني، وإنما هو متعلق بماديات الجريمة وبكيفية ارتكابها (13)
كما أن الترصد لا يسري فقط على جريمة القتل العمد، بل يمتد ليشمل جرائم أخرى يشدد المشرع العقوبة عند توافره، مثال ذلك جرائم الضرب والجرح.
وحتى يتوافر ظرف الترصد يتعين على الجاني أن يعد عدته المفاجأة العدوان قبل غرة بمجرد أن تسنح الفرصة بذلك، فينتظره في أي موضع أو في أمكنة متعددة تيسر له إمكانية الظفر به وارتكاب جريمته، ويستوي في هذا المكان أن يكون المجني عليه قد اعتاد المرور به أو يتوقع الجاني ذلك المرور، بل يجوز أن يكون ذلك المكان خاصاً بالجاني نفسه وانتظر به قتل المجني عليه (14).
وفي هذا تقول محكمة النقض المصرية إن العبرة في قيام الترصد هي بتربص الجاني وترقبه للمجني عليه مدة من الزمن قصرت أم طالت في مكان يتوقع مقدمه إليه ليتمكن بذلك من الاعتداء عليه (15).
إن إثبات الترصد وقيام الدليل على توافره يسير جداً، فهو من الوقائع المادية التي يمكن أن يوجد الدليل عليها مباشرة، كشهادة الشهود والمعاينات، وإثبات توافر الترصد يترك لقاضي محكمة الموضوع، على أن تكون الأسباب التي بني عليها حكمه تتفق مع العقل والمنطق ولا تتناقض مع ما انتهى إليه. ومتى أثبت الحكم أن المتهم تربص للمجني عليه في الطريق المتفق به، فذلك يكفي في بيان توافر ظرف الترصد، ولا يغير من ذلك قصر فترة الانتظار(16).
وذهب جانب من الفقه إلى أن الترصد يكون متضمناً سبق الإصرار على القتل غالباً، لأن من يخطو آخر خطوة في سبيل الجريمة وينتظر فرصته لاغتيالها لا ريب في أنه فكر فيها ورسم الخطة لارتكابها.
ويذهب جانب آخر من ا الفقه بالقول إن الترصد يختلف عن سبق الإصرار من حيث طبيعة كل منهما، فبينما يعتبر سبق الإصرار ظرفاً شخصياً لتعلقه بشخص الجاني، فإن الترصد هو ظرف عيني متعلق بماديات الجريمة، وقد يترتب على ذلك أن أثر سبق الإصرار يقتصر على من توافر لديه، بينما يمتد أثر الترصد إلى كل المساهمين في الجريمة فاعلين كانوا أم شركاء (17).
ولابد من الإشارة بأن وجود ظرف الترصد مشروط، أي يشترط أن يكون الجاني قد ترصد لضحيته قبل ارتكاب الفعل وأنه ارتكب هذه الجريمة وهو في حالة ترصد أما لو فرضنا أن الجاني أخذ يعقب المجني عليه ويقصي خطواته حتى إذا وصل المجني عليه إلى إحدى المقاهي مثلاً واستقر به المقام ودخل عليه الجاني وقتله، فإن ظرف الترصد على ما يبدو لا يكون قد أتى بنتيجة، إذ إن الجاني عندما ارتكب فعل القتل لم يكن بحالة ترصد، وإن الترصد السابق لارتكاب الفعل ما هو إلا من أدوار التحضير والإعداد لهذه الجريمة (18) والعلة في تشديد العقوبة في حالة الترصد هي ما ينم عنه من نفسية خطرة وخسة وغدر في سبيل تنفيذ الجريمة واغتيال المجني عليه.
إن الترصد يتعلق بكيفية تنفيذ الجريمة، ومن ثم فلا شأن له بالقصد الجنائي، والنتيجة المنطقية لذلك أنه لا يتأثر بما يعرض له من أوصاف؛ فيتوافر الترصد ولو كان القصد غير محدود ، كما لو ترصد شخص ليطلق النار على جماعة من أشياع خصمه كي يصيب منهم من يصيب دون تحديد الأشخاصهم، أو كفوضوي يترصد لقتل أي شخص تسوقه الظروف أمامه، كذلك لا يحول دون توافر الترصد أن يقع غلط في شخصية المجني عليه أو خطأ في توجيه الفعل، فمن ترصد ليطلق النار على عدوه فأصاب شخصاً آخر معتقداً أنه عدوه، أو أصابت النار شخصاً كان يسير إلى جانب عدوه، يسأل عن قتل مصحوب بالترصد (19).
والترصد ظرف مشدد عام في جرائم القتل والضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة، والعلة وراء تشديد العقاب بسبب الترصد في نظر الرأي الغالب في الفقه هي المفاجأة والمباغتة التي تسوغ للجاني الفتك بالمجني عليه دون أن تتاح لهذا الأخير فرصة الدفاع عن نفسه (20) .
أما عناصره، فيقوم الترصد على عنصرين، عنصر زماني وآخر مكاني (21).
فالعنصر الزماني؛ يقصد به الوقت الذي قام فيه الجاني بالانتظار حتى قدوم المجني عليه لتنفيذ جريمته، ولم يشترط وقتاً معيناً لتحقق هذا العنصر، فيستوي أن يكون هذا الزمن قصيراً أو طويلاً.
أما العنصر المكاني، فيعني به قعود الجاني في مكان معين انتظاراً للمجني عليه ولا أهمية لطبيعة المكان، فقد يكون هذا المكان من الأماكن العامة أو الخاصة، كما يستوي أن يكون الجاني قد انتظر المجني عليه مختفياً أم غير مختف .
والعنصر المكاني مؤداه مرابطة الجاني في انتظار المجني عليه في مكان ما يتيح له تنفيذ جريمته، ولا يتطلب شروطاً خاصة بهذا المكان؛ فقد يكون عاماً كطريق عام أو جسر أو شاطئ نهر أو مستشفى أو سكة حديد أو نحو ذلك، وقد يكون خاصاً كمنزل أو سيارة أو طريق خاص أو أرض زراعية، وقد يكون هذا المكان مملوكاً للمجني عليه أو لغيره أو للجاني نفسه، وقد يكون المكان منعزلاً بعيداً عن العمران، وقد لا يكون كذلك (22).
ویری جانب آخر من الفقه أن للترصد عنصراً ثالثاً متمثلاً للغاية، أي أنه عنصر غائي، وهو مرتبط بالغاية من تواجد الجاني في المكان المرابط فيه، إذ يجب أن تكون غاية الاعتداء على الغير، لذلك لا يكفي للقول بتوافر الترصد أن الجاني انتظر ساعات يوم الجريمة أمام منزل المجني عليه في مقهى، فلما قدم المجني عليه قتله، لأنه قد يكون جلوس الجاني في هذا المكان عرضاً أو بحكم العادة مع أصدقائه دون أن تكون لديه نية القتل، فلما رأى المجني عليه قادماً ثارت ثائرته وقتله في الحال، وإنما يجب أن يثبت أن غاية الجاني من تواجده في هذا المكان هي الاعتداء على الغير(23). ومن ذلك فإن الترصد، وفق هذا الاتجاه، هو انتظار الجاني في مكان ما فترة من الزمن، بهدف الاعتداء على الغير.
لقد شدد الشارع العقاب في حالة الترصد الاعتبارين؛ أولهما أنه يسهل للجاني تنفيذ جريمته، إذ يفاجاً المجني . عليه فيغتاله بغتة دون أن يتاح له أن يدافع . نفسه الدفاع الذي كان يستطيع لو واجهه فكانت لديه فرصة للمقاومة، أما الاعتبار الثاني فهو دلالته على خطورة شخصية الجاني، إذ هو يتحيز الظروف الملائمة لتنفيذ جريمته، ثم هو يكمن عن مواجهة غريمه ويطعنه . الخلف في دلالة (24). من والترصد ظرف عيني أو مادي، فهو يتصل بالركن المادي الجريمة القتل بخلاف سبق الإصرار والذي يذهب غالبية الفقه بالإجماع على أنه ظرف شخصي يتصل بالركن المعنوي لتلك الجريمة. وإذا كان الغالب في الواقع العملي اقتران الترصد بسبق الإصرار، إلا أن التلازم بينهما ليس حتماً؛ فمن الجائز أن يقوم الترصد دون سبق الإصرار، فمن ينتظر خصمه عقب مشاجرة بينهما وقتله وهو في ثورة غضبه يكون هذا القتل مصحوباً بالترصد وحده دون سبق إصرار، كما أنه من الجائز أيضاً أن يتوافر سبق الإصرار دون أن يصاحبه ترصد، فمن يفكر كعدوه ويرويه في أمر قتل عدوه ويعقد العزم على تنفيذ جريمته ويجهز أداة التنفيذ ثم يراه مصادفة أمام منزله ويقتله، فيكون هذا القتل مصحوباً بسبق الإصرار دون ترصد (25).
ولما سبق ذكرنا أن الترصد ظرف عيني، وعليه فإن أثره ينصرف - وفقاً للقواعد العامة – إلى كل من المساهمين في الجريمة فاعلين أم شركاء علموا به أم لم يعلموا به، وذلك على العكس من سبق الإصرار الذي يقتصر أثره على من توافر فيه فقط لأنه ظرف شخصي، كما أنه لا يتأثر بأوصاف القصد الجنائي، فيتوافر الترصد سواء كان القصد محدداً أو غير محدد، معلقاً على شرط أو موقوفاً على حدوث أمر، كما أنه لا ينتفي الغلط بمجرد . في شخص المجني عليه أو الانحراف عن الهدف (26).
____________
1- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت ص256.
2- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص161.
3- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت ، ص 261.
4- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت ، ص 262.
5- جزء من محاضرات استاذنا الدكتور عمار زكي عطية السعدون محاضرة ألقيت على طلبة الماجستير في قسم القانون العام، كلية القانون، جامعة ذي قار، في تاريخ 24/3/2026
6- طارق سرور، الوجيز في قانون العقوبات - القسم الخاص، جرائم الاعتداء على الاشخاص القاهرة دون دار وتاريخ ونشر ، ص43.
7- رمسيس بهنام، قانون العقوبات - القسم الخاص، منشأة المعارف، الإسكندرية، دون سنة نشر ، ص831
8- د. واثبة داوود السعدي، قانون العقوبات - القسم الخاص شركة العائك لصناعة الكتب، القاهرة ، د. ت ، ص114.
9- د. محمود نجيب حسني, شرح قانون العقوبات القسم الخاص, القاهرة ط6 ، 2019 ، ص80.
10- نقض6 فبراير 1961، مجموعة أحكام محكمة النقض رقم " 27 ص 174، نقلاً عن : د. محمود نجيب . شرح قانون العقوبات - القسم الخاص الطبعة السادسة، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2019، ص 420.
11- علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت ، ص316.
12- نقض 18. مايو 1942، مجموعة القواعد الجزء 4 ص 664 نقض 23 نوفمبر 1964 مجموعة أحكام النقض من 15 رقم 142 ص 721، نقلاً عن : د. علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت ، ص 317.
13- د. نبيل مدحت مسالم، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، دون دار وتاريخ نشر ، ص153.
14- حسن صادق المرصفاوي ، قانون العقوبات - القسم الخاص ، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982، ص194.
15- نقض 1983/4/14 أحكام النقض ص . 24، نقلاً عن : د. حسن صادق المرصفاوي ، قانون العقوبات - القسم الخاص ، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982 ص 195.
16- د حسن صادق المرصفاوي ، قانون العقوبات - القسم الخاص ، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982 ص 195.
17- د. فوزية عبد الستار ، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982، ، ص287
18- د .عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت، ، ص 238.
19- د. محمود نجيب حسني, شرح قانون العقوبات القسم الخاص, القاهرة ط6 ، 2019 ، ص423.
20- د. علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت، ، ص313.
21- د. طارق سرور، الوجيز في قانون العقوبات - القسم الخاص، جرائم الاعتداء على الاشخاص القاهرة دون دار وتاريخ ونشر ، ص44.
22- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 315.
23- علي عبد القادر القهوجي، المصدر نفسه، ص 315.
24- د. حسن صادق المرصفاوي، مصدر سابق ، ص 195.
25- د. حسن صادق المرصفاوي، مصدر سابق ، ص194.
26- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 314.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة