0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

صعوبات تطبيق أسلوب التقدير الذاتي الضريبي في العراق

المؤلف:  علي هاشم جواد نصر الله

المصدر:  التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق

الجزء والصفحة:  ص 124-137

2026-06-01

59

+

-

20

لقد سعى العراق وخصوصا في السنوات الأخيرة إلى تطبيق أسلوب التقدير الذاتي في إدارة الضريبة على الدخل ضمن توجه عام لإصلاح النظام المالي وتحسين الكفاءة الإدارية. غير أن هذا المسار واجه جملة من الصعوبات العملية والتشريعية والمؤسسية التي أعاقت التطبيق السليم لهذا الأسلوب، رغم الجهود المبذولة من قبل وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب. ويستعرض هذا الموضوع أبرز تلك الصعوبات محللا أبعادها وآثارها على كفاءة النظام الضريبي ومن هذه الصعوبات ما يلي: أولا: نقص النصوص القانونية الواضحة المنظمة للتقدير الذاتي: -
فيُلاحظ أن قانون ضريبة الدخل العراقي رقم (113) لسنة 1982 المعدل لم يتضمن نصوصا تفصيلية تنظم التقدير الذاتي، بل اكتفى بالإشارة إلى إلزام المكلف بتقديم إقراره الضريبي خلال المدة القانونية "للسلطة المالية أن تطلب ممن كان خاضعاً للضريبة أو تعتقد بخضوعه لها أن يقدم تقريراً عن دخله خلال 21 يوماً من تاريخ تبليغه وبذلك بأخطار خطي أو بإحدى طرق النشر سواء كان اسمه مسجلا في دوائر ضريبة الدخل أو لم يكن " (1). دون أن يحدد ضوابط دقيقة لكيفية احتساب الدخل أو فحص صحة الإقرار، هذا القصور التشريعي جعل التطبيق يعتمد على تعليمات تنفيذية داخلية تصدرها الهيئة العامة للضرائب، تختلف من مديرية إلى أخرى في التفسير والتنفيذ، مما أضعف وحدة التطبيق بين الدوائر (2).
كما لم يضع المشرع آليات محددة للتفرقة بين الإقرار الصحيح" والإقرار الناقص أو المضلل"، مما أدى إلى غموض في مسؤولية المكلف في حال وجود خطأ غير مقصود في التقدير الذاتي (3). هذا الغموض جعل المكلفين يتخوفون من تطبيق النظام، وأضعف ثقتهم في الإدارة الضريبية، ففي المادة (30) مثلا نجد أن السلطة المالية قد سمحت للهيئة بتقدير الدخل للمكلفين الذين لم يقدموا اقراراتهم ولكن لم تحدد الكيفية التي تفحص الاقرارات وصحتها وتمييز الإقرار الصحيح او الناقص او المضلل وان كان عن قصد او بدونه.
هذا الفراغ التشريعي يترك تنظيم هذه المسائل إلى تعليمات تنفيذية داخلية لدى الهيئة العامة للضرائب، ما يؤدي إلى تفاوت في التفسير والتطبيق بين مديريات الضريبة المختلفة وبالتالي فأنه يضعف وحدة التنفيذ. ولذلك فأننا نرى لو أردنا الاعتماد على ادخال التقدير الذاتي وبصورة جادة للتحاسب الضريبي، علينا الاعتماد على مكاتب محاسبية رصينة معتمدة وخاضعة لسلطة الإدارة الضريبية لاحتساب الدخل الخاضع للضريبة، مما يزيد من موثوقية تنفيذ التقدير الذاتي بشكل صحيح. للضريبية بدلاً من تدقيق خارجي الأمر الذي قد يضعف قدرة الهيئة على التحقق من الأرقام المصرح بها من قبل المكلف أولا, وسيكون هناك تفاوت في التنفيذ بين المديريات وهذا ما يعكس غياب الرقابة التشريعية الصارمة والأليات القانونية الموحدة، وهو ما يشير إلى ضرورة مراجعة تشريعية أو إصدار توجيهات موحدة واضحة لتعزيز العدالة الضريبية بين المكلفين لأن نتيجة الاعتماد على التدقيق الخارجي سيشعر عدد من المكلفين بعدم وضوح مسؤولياتهم القانونية في حال وجود خطأ غير مقصود، مما يضعف الثقة في النظام الضريبي ويحد من التزامهم الطوعي.
ثانيا: غياب التوافق بين القوانين ذات العلاقة
وهي أحد أبرز الإشكاليات الاساسية التي تضعف تطبيق نظام التقدير الذاتي في العراق. فالقانون الأساسي الذي ينظم ضريبة الدخل ( قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982) لم يضع إطارًا تفصيليا لآليات التقدير الذاتي، إذ اكتفى بالإشارة إلى إلزام المكلف بتقديم الإقرار خلال المدة المحددة دون بيان منهجية فحص صحة الإقرار أو وضع مفهوم قانوني للإقرار الصحيح مقابل الناقص أو المضلل (4). كما أن القانون لا يحدد معايير محاسبية ملزمة يُرجع إليها عند تقييم دقة الإقرار الذاتي، بل ترك ذلك لاجتهاد الإدارة الضريبية، مما يخلق ثغرات في التطبيق العملي. وفي المقابل، تعتمد القوانين ذات العلاقة، مثل قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997 المعدل وقانون ديوان الرقابة المالية رقم 31 لسنة 2011، آليات مختلفة لمراجعة الحسابات والتدقيق المالي، وهي تختلف في الفلسفة التشريعية عن قانون ضريبة الدخل، ما يؤدي إلى تضارب في التفسيرات بين الجهات الرسمية عند تقييم السجلات المالية للمكلفين. وتؤكد تقارير GIZ الدولية الخاصة ببنية النظام الضريبي العراقي أن البيئة التشريعية الحالية "تفتقر إلى انسجام بين متطلبات قانون ضريبة الدخل والقوانين المحاسبية والتنظيمية"، وأن هذا التباين يؤثر في قدرة الإدارة الضريبية على اختبار صحة الإقرارات الذاتية، لأن التقدير الذاتي يعتمد على بيانات محاسبية غير موحدة بين المكلفين (5) كما يشير دليل ضريبة الدخل الصادر عن الهيئة العامة للضرائب إلى أن فحص الإقرارات الذاتية يعتمد على تعليمات داخلية تختلف من مديرية إلى أخرى، لعدم وجود نص يفرض إجراءات موحدة للفحص أو معايير للاعتماد على البيانات المحاسبية المرفقة (6) وهذا التباين يخلق فجوة بين النص القانوني وبين التطبيق العملي ويزيد مساحة السلطة التقديرية للموظف، وهو ما يؤثر سلبًا على العدالة الضريبية. وتشير الدراسات الى أن "عدم التناغم بين التشريعات المالية والضريبية أدى إلى ارتباك في فهم المكلفين لواجباتهم، وإلى تباين كبير في نتائج التقدير بين المديريات مما ساهم في إضعاف الثقة بنظام التقدير الذاتي الذي يفترض أن يقوم على اليقين والشفافية" (7) إن هذا التشتت التشريعي وعدم التوافق بين القوانين الضريبية والمالية الأخرى يؤدي إلى إرباك في التطبيق العملي، ويزيد من حجم النزاعات الضريبية، ويخلق فجوة بين إرادة المشرع والتطبيق الواقعي. ولذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة متكاملة للتشريعات الضريبية أو إصدار قانون خاص يحدد بوضوح قواعد التقدير الذاتي وآليات فحص الإقرارات بصورة موحدة على مستوى العراق.
ثالثا: انعدام التوافق بين القوانين ذات العلاقة
يعد انعدام التوافق بين القوانين والتشريعات الضريبية من أبرز العوامل التي أعاقت التطبيق السليم لنظام التقدير الذاتي في العراق، فالتشريعات ذات العلاقة لا تعمل بتناغم واحد، بل يظهر فيما بينها تعارض أو نقص أو غموض في تحديد الاختصاصات والالتزامات، مما يخلق حالة اضطراب لدى كل من الإدارة الضريبية والمكلف على حد سواء. فقانون ضريبة الدخل رقم (113) لسنة 1982 المعدل ورغم تضمينه لمبدأ التقدير الذاتي، إلا أنّه لم يقدّم تنظيماً متكاملاً لهذا النظام، ولم يحدد آليات فحص الإقرار أو طرق التحقق من صحة البيانات، الأمر الذي جعل التطبيق عملياً يعتمد على اجتهادات الموظفين وتفسيراتهم الخاصة في كل مديرية ضريبية (8).
كما أن قانون الضرائب رقم (95) لسنة 1959، الملغي (صدر في ظل الجمهورية الأولى) الذي يفترض أن يشكل الإطار الإداري والتنظيمي للعمل الضريبي، لم يضع أحكاماً واضحة تتعلق بحدود سلطة الموظف في فحص الإقرارات الذاتية، ولا في التفريق بين الإقرار الناقص والإقرار المضلل، ما يؤدي إلى تباين واضح في التطبيق بين المديريات نتيجة غياب القواعد التفصيلية الملزمة (9). ويتعمق هذا التعارض عندما نلاحظ أن قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 يشترط في المنازعات الضريبية مبادئ الإثبات الكتابي واليقين، في حين أن نظام التقدير الذاتي يعتمد في جوهره على الثقة والأمانة والافتراض بأن المكلف يقدم بيانات صحيحة، الأمر الذي يولد تناقضاً بين طبيعة النظام ومتطلبات الإجراءات القضائية عند الطعن (10) . إضافة إلى ذلك، فإن غياب التنسيق بين قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997 المعدّل وقانون ضريبة الدخل يظهر بوضوح في مسألة احتساب الدخل الخاضع للضريبة للشركات المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة، حيث تختلف معايير الاعتراف بالإيرادات والمصروفات بين التشريعين مما يربك المكلف في إعداد الإقرار الذاتي، ويؤدي إلى اختلاف نتائج الفحص بين الأقسام الضريبية تبعاً لاجتهاد الموظف في تفسير أي القانونين يُطبق أولاً (11).
إن هذا الانعدام في التوافق التشريعي يجعل النظام غير مستقر وغير قابل للتطبيق الموحد على جميع المكلفين، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالإدارة الضريبية، فضلاً عن خلق حالة من عدم اليقين القانوني حول مسؤولية المكلف والحدود الضمنية لسلطة الإدارة، وإجراءات الاعتراض والطعن ومن ثم فإن الإصلاح التشريعي يجب أن يتم من خلال إصدار لائحة موحدة تتضمن تعريفات دقيقة للتقدير الذاتي، وآليات الفحص، وحدود مسؤولية المكلف، وإجراءات تصحيح الإقرار، وطرق الفصل في الخلافات، مع توحيد أحكام القوانين ذات العلاقة بما ينسجم مع فلسفة هذا النظام الحديث.
ويتضح لنا مما سبق أن انعدام التوافق بين القوانين العراقية ذات الصلة بالتقدير الذاتي للضريبة قد أدى إلى إرباك في التطبيق العملي، وخلق فجوات قانونية تسمح بتعدد التفسيرات واختلاف القرارات الضريبية بين المديريات، مما انعكس سلباً على الثقة بين المكلف والإدارة. كما أن هناك غياباً للائحة التنفيذية الموحدة والتي تنظم مرحلة الفحص والتحقق من الإقرار الذاتي والذي يسهم في اتساع مساحة الاجتهاد الشخصي للموظف، وهو ما يتناقض مع متطلبات العدالة الضريبية والمساواة أمام القانون. وبناءً عليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء إصلاح تشريعي شامل يُعيد صياغة القوانين ذات العلاقة على أساس منسجم يقوم على مبادئ الشفافية والوضوح والدقة، ويضع آليات محددة للتقدير الذاتي والفحص والاعتراض والطعن بحيث يتحول النظام من إطار نظري غير مكتمل إلى منظومة قانونية عملية قابلة للتطبيق بعدالة وفعالية. إن توحيد التشريعات وتطوير الكفاءات الضريبية سيشكلان الأساس المتين لإنجاح هذا النظام وتعزيز دوره في تحقيق موارد مالية مستقرة للدولة دون المساس بحقوق المكلفين.
ثالثا: ضعف الطاقات البشرية وضعف التنظيم الإداري
يمثل ضعف الطاقات البشرية في الهيئات الضريبية العراقية أحد أهم العوائق الاساسية التي تعيق نجاح نظام التقدير الذاتي، إذ ما يزال مستوى التأهيل والتدريب لدى عدد كبير من موظفي الفحص والتدقيق محدوداً، ولا ينسجم مع متطلبات الأنظمة الضريبية الحديثة التي تعتمد على التحليل المالي وإدارة المخاطر والتدقيق الإلكتروني. وتشير الأدبيات الإدارية إلى أن ضعف مهارات العاملين يرتبط غالباً بغياب برامج التدريب المستمر وبقلة الاعتماد على المعايير المهنية الحديثة في اختيار الكوادر المتخصصة، الأمر الذي ينعكس في أخطاء تقديرية وتفاوت ملموس في كفاءة التطبيق بين مديرية وأخرى (12).
كما أن ضعف التنظيم الإداري داخل الهيئة العامة للضرائب يفاقم هذه المشكلة، حيث تعاني البنية الإدارية من تشابك الصلاحيات وتعدد حلقات المراجعة وغياب الهيكل التنظيمي الذي يحدد بوضوح واجبات ومسؤوليات موظفي الفحص، إضافة إلى افتقار بعض المديريات إلى منظومات معلوماتية قادرة على دعم العمل الضريبي، مما يجعل عملية فحص الإقرار الذاتي تعتمد في كثير من الأحيان على الاجتهاد الفردي بدلاً من الإجراءات والتعليمات الموحدة (13).
وفي إطار التقدير الذاتي، يفترض أن يكون الموظف قادراً على تحليل البيانات المالية، ومقارنة الإقرارات المقدمة بأنماط السلوك الضريبي للمكلفين، وتطبيق المعايير المحاسبية ومعايير التدقيق، لكن الواقع يشير إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين لم تتلق تدريباً متخصصاً في هذه الجوانب. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الدول التي اعتمدت التقدير الذاتي بنجاح كانت تعتمد على كوادر عالية التأهيل، وعلى منظومات إلكترونية داعمة تقلل التدخل البشري وتزيد من الموضوعية (14).
أما في العراق، فإن الجمع بين ضعف الطاقات البشرية وضعف التنظيم الإداري يجعل تطبيق التقدير الذاتي عرضة لاختلافات واسعة في النتائج. فغياب الرقابة الداخلية الفعالة يسمح بتمرير تقديرات غير دقيقة، كما أن عدم توفر أدلة تشغيلية موحدة يؤدي إلى تضارب في قرارات اللجان التدقيقية، الأمر الذي ينعكس سلباً على ثقة المكلفين بالنظام الضريبي ويزيد من نسب الاعتراضات والطعن. وبذلك، يتضح أن إصلاح النظام الضريبي لا يمكن أن ينجح من دون معالجة الجوانب البشرية والتنظيمية معاً، من خلال وضع برامج تدريبية متقدمة، وتحديث الهياكل الإدارية، واعتماد نظام معلوماتي موحد، بما يضمن تطبيقاً متناسقاً وشفافاً لنظام التقدير الذاتي، وفي نظرنا فأن ضعف الطاقات البشرية وضعف التنظيم الإداري في الإدارة الضريبية تعد من أهم المعوقات الجوهرية التي تفشل أي توجه نحو تحديث النظام الضريبي، خاصة في ظل التحول إلى التقدير الذاتي. فغياب التدريب المتخصص، وضعف البنية التنظيمية، وافتقار الموظف إلى أدوات التحليل والمراجعة يجعل عملية الفحص تعتمد على الاجتهاد الشخصي بدلاً من المعايير المهنية.
لذلك أرى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من الداخل عبر بناء قدرات بشرية احترافية وتأسيس تنظيم إداري رشيق يدعم الشفافية ويقلل التدخل البشري غير المنضبط، وأن معالجة مشكلات التقدير الذاتي لا يمكن أن تنجح دون معالجة متلازمة الضعف البشري والتنظيمي داخل الإدارة الضريبية. فالتطوير التشريعي وحده غير كافٍ ما لم يرافقه تأهيل متخصص للموظفين، وتحديث للهياكل والإجراءات ونظم المعلومات. ويُعد الاستثمار في الموارد البشرية وتنظيم العمل الخطوة الأساس لتحقيق تطبيق عادل ومتسق وفعال للتقدير الذاتي بما يعزز الثقة بين المكلف والإدارة ويرفع كفاءة التحصيل الضريبي.
رابعا - عدم وجود قاعدة للبيانات الوطنية موحدة للمكلفين
يمثل غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة للمكلفين أحد أبرز الإشكالات الهيكلية التي تواجه الإدارة الضريبية العراقية في سعيها لتطبيق نظام التقدير الذاتي بكفاءة وشفافية. فالنظام الضريبي الحديث يعتمد بصورة جوهرية على وجود معلومات دقيقة ومتكاملة حول أنشطة المكلف، مصادر دخله معاملاته المالية، والتزاماته الضريبية السابقة، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه في ظل تشتت البيانات بين دوائر متعددة مثل وزارة التجارة الهيئة العامة للضرائب ديوان الرقابة المالية، مديريات التسجيل العقاري والجمارك (15).
إن عدم وجود منصة بيانات موحدة يخلق فجوة معرفية كبيرة لدى موظف الفحص، ويجعله غير قادر على تقييم الإقرار الذاتي على وفق معايير المخاطر أو المقارنات القطاعية. وقد أشارت دراسات مالية عربية إلى أن الإدارة الضريبية من دون منظومة معلومات مركزية تتحول إلى إدارة "يدوية" تعتمد على الأوراق بدلاً من التحليل الرقمي، مما يؤدي إلى زيادة الأخطاء وفتح الباب واسعاً للاجتهاد الشخصي (16).
كما يؤدي تشتت البيانات إلى صعوبة اكتشاف حالات التهرب أو المبالغة في المصاريف أو إخفاء الأنشطة التجارية، لأن كل جهة تمتلك جزءاً من المعلومات دون وجود تكامل بينها (17). وتنعكس هذه الفجوة على عدالة النظام، إذ قد يحصل مكلف على تقدير منخفض بسبب نقص المعلومات، بينما يخضع آخر لتقدير عال لأن بياناته كانت متاحة بصورة أكبر. وهذا التفاوت يضعف الثقة العامة في النظام الضريبي ويزيد من الاعتراضات والطعن إضافة إلى تعطيل فلسفة التقدير الذاتي التي تقوم على الشفافية المتبادلة بين المكلف والإدارة. كما يبرز أثر غياب قاعدة البيانات الموحدة في ضعف التخطيط الضريبي، إذ لا تستطيع الإدارة تحليل حجم الأنشطة الاقتصادية بدقة، ولا متابعة نمو القطاعات المختلفة، ما يحد من قدرتها على وضع سياسات تحصيل متوازنة. وقد أثبتت تجارب دول مثل تركيا وماليزيا أن بناء نظام بيانات موحد يرفع كفاءة التحصيل الضريبي بنسبة تتجاوز 30% بسبب الاعتماد على التحليل الآلي والتقاطع المعلوماتي (18).
وبذلك يظهر أن بناء قاعدة بيانات ضريبية وطنية متكاملة ليس ترفاً إدارياً، بل هو شرط أساس لإنجاح التقدير الذاتي، وتحقيق العدالة الضريبية، وتقليل التهرب وزيادة الإيرادات العامة بصورة مستدامة، ومن وجهة نظرنا فإن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة يمثل العقبة الأكبر أمام تطوير النظام الضريبي العراقي، لأن أي نظام يعتمد على التقدير الذاتي يستلزم توفر معلومات دقيقة وشفافة عند الإدارة والمكلف معاً. ومن دون هذه المنظومة، يبقى التطبيق معتمداً على التخمين والاجتهاد الفردي.
وقد توصلنا في هذه الدراسة إلى أن إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة سيحقق تحولاً جذرياً في كفاءة الفحص الضريبي، وتقليل التهرب، وتوحيد القرارات. لذا فإن الإصلاح التشريعي والإداري يجب أن يبدأ من بناء نظام معلومات مركزي عالي الموثوقية.
خامسا: ضعف التنسيق بين المركز والفروع
يُعد ضعف التنسيق بين الإدارة المركزية للهيئة العامة للضرائب وفروعها في المحافظات هو أحد أبرز التحديات التنظيمية التي تُقوّض كفاءة النظام الضريبي، وتحديداً في تطبيق التقدير الذاتي، الذي يتطلب وحدة في المعايير والإجراءات وتناسقاً في التوجيهات والتطبيقات الميدانية. فغياب قنوات تنسيق فعالة يؤدي إلى اتخاذ قرارات متباينة بشأن الإقرارات المقدمة، الأمر الذي يخلق فجوة واضحة بين ما تصدره المركزية من تعليمات وما تطبقه الفروع على أرض الواقع (19).
وتشير الدراسات المتخصصة في الإدارة العامة إلى أن ضعف الاتصال العمودي بين المركز والفروع ينعكس في صور متعددة، منها: اختلاف نماذج الفحص، تفاوت معايير التدقيق، غياب توحيد قواعد المعلومات، وعدم وضوح توزيع الصلاحيات بين المديريات مما يؤدي إلى تضارب في التفسيرات القانونية وتعطيل الإجراءات (20) وفي السياق العراقي، تتفاوت خبرات الموظفين بين فرع وآخر، ويغيب عن بعض الفروع التدريب الدوري الذي يتلقاه موظفو المركز، وهو ما يجعل قدرة الفروع على تطبيق المعايير التي تتطلبها عملية التقدير الذاتي محدودة للغاية .(21). كما يشكّل بطء انتقال المعلومات بين المركز والفروع عائقاً كبيراً، حيث تعتمد بعض الفروع على مراسلات ورقية أو نقل بيانات عبر قنوات تقليدية، ما يؤدي إلى تأخير إنجاز المعاملات وخلق تباين في سرعة الفحص والتدقيق. وفي الكثير من الحالات، تصدر الإدارة العامة تعليمات جديدة، لكن الفروع تتأخر في تنفيذها، أو تطبقها بصورة ناقصة، لعدم وجود نظام متابعة ورقابة فعال هذا التفاوت يتسبب في نتائج مختلفة لمكلفين في ظروف متشابهة، ما يضعف ثقة الجمهور في النظام الضريبي ويزيد من حجم الاعتراضات والطعن الضريبي (22) .
وتنعكس مشكلة ضعف التنسيق أيضاً على عمليات الجباية والتحصيل، إذ لا توجد آلية مركزية موحدة لتبادل التقارير بين الفروع والمركز ، مما يجعل بعض المديريات تعتمد بيانات قديمة أو منقوصة. وقد أظهرت تجارب دول عدة أن نجاح التقدير الذاتي يعتمد بدرجة كبيرة على وجود منظومة اتصال متطورة تسمح بتبادل فوري للبيانات، وتوحيد أساليب الفحص عبر أدلة تشغيلية مشتركة، وتنسيق متواصل بين المركز والفروع (23).
وبذلك، فإن ضعف التنسيق الهيكلي والإجرائي داخل الهيئة العامة للضرائب لا يؤدي فقط إلى ضعف تطبيق التقدير الذاتي، بل يخلق بيئة غير مستقرة قانونياً وإدارياً، ويعرّض المكلفين لقرارات متباينة ويزيد من معدلات الخلاف الضريبي من جهة أخرى نجد إن ضعف التنسيق بين المركز والفروع ليس مجرد خلل إداري، بل هو فجوة استراتيجية تُفرغ التقدير الذاتي من مضمونه، لأن هذا النظام يقوم أساساً على التطبيق المتجانس للتعليمات وعلى وحدة المعايير غياب هذا التنسيق يجعل كل فرع يعمل بمعزل عن الآخر، ويخلق بيئة من الارتباك تؤثر على حقوق المكلفين وتضعف الثقة بالإدارة الضريبية. وتتوصل هذه الدراسة إلى أن إصلاح هذا الجانب يتطلب إعادة هيكلة قنوات الاتصال، وتوحيد الأدلة الإجرائية، وربط جميع الفروع بنظام معلومات مركزي يُلزم الجميع بتطبيق موحد وشفاف.
وكذلك أجد أن ضعف التنسيق بين المركز والفروع ليس مجرد مشكلة إدارية اعتيادية، بل هو خلل جوهري يجعل النظام الضريبي يعمل بصورة مجزأة لا يمكن معها تطبيق فلسفة التقدير الذاتي وفق معايير موحدة. فعندما تختلف الإجراءات والتعليمات من فرع لآخر، يفقد النظام مصداقيته وتتسع مساحة الاجتهاد الفردي، وتشير المعطيات إلى أن معالجة هذا الخلل تتطلب إعادة تصميم شامل لآليات الاتصال وتوحيد مسارات معالجة الإقرارات، وربط الفروع والمركز بمنصة بيانات موحدة.
سادسا: - الصعوبات التقنية وأثرها على تطبيق أسلوب التقدير الذاتي
تشكل الصعوبات التقنية والتكنولوجية أحد أبرز التحديات التي تواجه تطبيق نظام التقدير الذاتي للضريبة، إذ تعتمد فاعلية هذا النظام على توفر بنية تحتية معلوماتية متقدمة، وقواعد بيانات موحدة، وأنظمة إلكترونية متكاملة، الإضافة إلى كوادر بشرية مؤهلة للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة. وفي السياق العراقي، يواجه النظام الضريبي ضعف البنية التحتية التكنولوجية في العديد من المديريات، مما يؤدي إلى تعطل الأنظمة الرقمية وعدم قدرة الموظفين على معالجة البيانات بسرعة ودقة (24).
ومن أبرز هذه الصعوبات هو تجزئة قواعد البيانات وعدم ترابطها بين الفروع والمركز، حيث تعتمد بعض المديريات على أنظمة محلية غير متصلة، ما يؤدي إلى ازدواجية البيانات وصعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة عن المكلف. ووفقاً لدراسة البنك الدولي حول الرقمنة في أنظمة الإيرادات الحكومية، فإن ضعف التكامل بين قواعد البيانات يؤدي إلى زيادة الأخطاء وتقليل فعالية التدقيق الضريبي (25). كما يعاني النظام من ضعف التأهيل الفني للموارد البشرية، إذ غالباً ما يفتقر موظفو الفحص والتدقيق إلى تدريب متقدم على استخدام الأنظمة الإلكترونية وتحليل البيانات الرقمية. ولذلك فأن نقص الكفاءات التقنية يمثل عائقاً رئيساً أمام تطبيق التحول الرقمي في الإدارات الضريبية، ويزيد من الاعتماد على الأساليب الورقية التقليدية (26)، ومن الصعوبات أيضاً هي ضعف الأمن السيبراني وحماية البيانات، إذ يمكن أن تتعرض المعلومات المالية الحساسة للاختراق أو الفقدان ما يقلل من ثقة المكلفين بالنظام ويؤثر على مصداقية التقدير الذاتي. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن أمن المعلومات يشكل عنصراً أساسياً في نجاح أي نظام ضريبي رقمي (27)
وأخيرا فأن المقاومة الداخلية للتغيير لدى الموظفين تشكل عقبة إضافية، إذ يميل بعضهم إلى التمسك بالأساليب التقليدية خوفاً من فقدان الدور الوظيفي أو عدم القدرة على التكيف مع الأنظمة الحديثة.
وقد أظهرت دراسة جون كوتر أن أكثر من 70% من مشاريع التحول الرقمي تفشل بسبب مقاومة التغيير داخل المؤسسات (28)، وبالتالي فإن هذه الصعوبات التقنية والتكنولوجية تقلل من فعالية التقدير الذاتي وتزيد من احتمالية وقوع الأخطاء، وتعطل العمليات الضريبية، وتضعف الثقة بين المكلف والإدارة الضريبية، مما يجعل أي إصلاح ضريبي ناقص الفاعلية ما لم يتم التعامل مع هذه المشكلات بشكل متكامل ومن وجهة نظرنا، فأن المشكلة الأساسية تتجسد في الجمع بين ضعف البنية التحتية التقنية ونقص الكوادر المؤهلة، إضافة إلى غياب التمويل الكافي والأمن السيبراني المتكامل. فحتى إذا كانت القوانين والإجراءات مناسبة، فإن نقص التكنولوجيا والكفاءات يجعل التقدير الذاتي عرضة للأخطاء والتفاوت في النتائج بين الفروع.
أرى أن الحل يبدأ بوضع استراتيجية شاملة لتحسين البنية التحتية، وتدريب الموظفين على أدوات التحليل الرقمي، وتعزيز الأمن المعلوماتي، وربط جميع المديريات بنظام بيانات مركزي موحد. وبذلك يمكن تحقيق تقدير ذاتي فعال، يقلل التهرب ويضمن شفافية وعدالة التطبيق، ويزيد من كفاءة تحصيل الضرائب، مما يعزز الثقة بين الإدارة والمكلفين، ويضع النظام الضريبي على أسس أكثر استقراراً وموثوقية.
سابعا: ضعف الوعي الضريبي للمكلفين وعدم جاهزيتهم فنيا :-
إن ضعف الوعي الضريبي لدى المكلفين هو من أبرز العوامل التي تؤثر على نجاح نظام التقدير الذاتي في أي دولة، حيث يقوم هذا النظام على افتراض قدرة المكلف على تقديم إقرار ضريبي دقيق وصحيح، ومعرفة حقوقه وواجباته، إضافة إلى الالتزام بالمعايير القانونية والمحاسبية. إلا أن العديد من الدراسات أظهرت أن جزءاً كبيراً من المكلفين يفتقر إلى المعرفة الكافية بالقوانين الضريبية والإجراءات المتبعة، وهو ما يؤدي إلى أخطاء متكررة في الإقرارات وتأخير في المعالجة، وارتفاع معدلات الطعن والاعتراض (29)، إضافة إلى ضعف الوعي القانوني، فان الكثير من المكلفين يعانون من نقص الجاهزية الفنية والتقنية، حيث تعتمد بعض الفروع على تقديم الإقرارات عبر أنظمة إلكترونية أو برامج محاسبية متقدمة، في حين يفتقر المكلفون إلى المهارات اللازمة لإدخال البيانات بشكل صحيح، أو استخدام أدوات التحليل المالي الضرورية لتقدير الدخل والمصاريف. ووفقاً لدراسة البنك الدولي حول نظم الإيرادات الحكومية في الشرق الأوسط، فإن عدم جاهزية المكلفين التقنية يزيد من فرص تقديم إقرارات ناقصة أو مضللة ويعوق التقدير الذاتي (30) ، كما أن ضعف التثقيف الضريبي يؤدي إلى اعتماد المكلفين على المستشارين الخارجيين بشكل مفرط، ما يضاعف كلفة الامتثال ويقلل من قدرة الإدارة على تقييم البيانات الأولية. وقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن زيادة الاعتماد على الاستشارات الخارجية يعكس قصوراً في قدرات المكلفين، ويزيد من عدم الانضباط الضريبي (31).
وتتضح أهمية معالجة هذا التحدي في تعزيز ثقافة الالتزام الضريبي، التي تشمل فهم القوانين ومعرفة الأساليب الصحيحة لتقدير الدخل وكذلك استخدام البرامج المحاسبية، والتعاون مع الإدارة الضريبية عند وجود أي غموض. ففي الدول التي نجحت في تطبيق التقدير الذاتي، تم الاستثمار في برامج توعية مكثفة، ودورات تدريبية، ودعم فني مباشر للمكلفين، ما قلل الأخطاء في الإقرارات وزاد من كفاءة تحصيل الإيرادات (32) للمكلفين سيحقق نتائج ملموسة في تحسين الامتثال الضريبي، وتقليل الأخطاء، وزيادة كفاءة التحصيل ويؤدي الجمع بين ضعف الوعي الضريبي ونقص الجاهزية التقنية إلى آثار سلبية مباشرة على النظام الضريبي، منها: زيادة الأخطاء في الإقرارات، ارتفاع معدل الاعتراضات والطعن ضعف قدرة الإدارة على تقييم الدخل الحقيقي، وصعوبة تحديد المخاطر الضريبية بشكل دقيق. وبالتالي، فإن معالجة هذه المشكلة تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل التثقيف الضريبي، الدعم الفني، وتطوير أدوات إلكترونية سهلة الاستخدام مع متابعة مستمرة لأداء المكلفين لضمان تطبيق فعال ومنصف للتقدير الذاتي. فمن وجهة نظرنا ، فإن ضعف الوعي الضريبي للمكلفين ونقص جاهزيتهم الفنية يمثل أحد أهم العقبات التي تمنع نجاح التقدير الذاتي، لأن أي نظام ضريبي يعتمد على الإقرار الذاتي يتطلب معرفة دقيقة من المكلف بكيفية حساب دخله وإتمام الإقرار بشكل صحيح. وللتغلب على هذا التحدي، يجب اعتماد برامج توعية مستمرة، وتقديم دعم فني مباشر ، وربط المكلفين بالأنظمة الإلكترونية بطريقة مبسطة ومرنة. وعليه، فإن الاستثمار يكون في رفع مستوى الوعي الضريبي والجاهزية الفنية.
ثامنا: ضعف الثقة المتبادلة بين المكلف وادارته الضريبية
إن موضوع الثقة بين المكلف والإدارة الضريبية هو الموضوع الأبرز في بحثنا هذا، لأنه يمثل أحد المحاور الأساسية لنجاح أي نظام ضريبي، وخاصة نظام التقدير الذاتي، الذي يفترض قدرة المكلف على تقديم إقرار ضريبي صادق ودقيق مع التزام الإدارة بضمان شفافية الإجراءات وعدم استغلال السلطة. إلا أن التجارب العملية تشير إلى أن غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين يؤدي إلى العديد من المشكلات التي تقلل من فعالية النظام، وتزيد من الأخطاء، وتعقد عملية التحصيل الضريبي (33). ومن أبرز مظاهر عدم الثقة هي الشعور بعدم العدالة في تقييم الإقرارات، حيث يميل المكلفون إلى الاعتقاد أن الإدارة قد تتصرف بطريقة انتقائية أو غير متسقة عند مراجعة إقراراتهم. وقد أثبتت الدراسات أن هذا الشعور يولد قلقاً مستمراً لدى المكلف، ويؤدي إلى اللجوء إلى التهرب الضريبي أو تقديم بيانات مضللة كوسيلة لحماية مصالحهم (34). وهذا الاضطراب النفسي والاجتماعي يضعف التقدير الذاتي، الذي يعتمد أساساً على تقديم المكلف المعلومات دقيقة وطوعية. ويشكل غياب الشفافية في الإجراءات والسياسات الضريبية عاملاً آخر يفاقم عدم الثقة، إذ كثيراً ما يشعر المكلفون، أن القرارات التي تصدرها الإدارة غير واضحة، أو لا تصاحبها تفسيرات كافية، أو أن النتائج النهائية لا تعكس وجه المعايير القانونية المتاحة لهم (35). كما يؤدي غياب التواصل المباشر والدائم بين الإدارة والمكلف إلى تضخيم الشكوك، وإلى انتشار معلومات غير دقيقة عن آليات العمل الضريبي ما يزيد التوتر بين الطرفين ويضعف التقدير الذاتي. وإلى جانب ذلك، يعاني النظام الضريبي في بعض الدول النامية من ضعف العدالة التنظيمية في توزيع الموارد والكوادر حيث تتفاوت جودة خدمات الإدارة الضريبية بين المناطق والفروع، وهو ما يشعر المكلف بعدم المساواة، ويعزز الشكوك حول حيادية الإدارة. فغياب المساواة يؤدي إلى اعتقاد المكلف أن قدرته على التأثير على النتائج محدودة، ما يدفعه للامتناع عن تقديم المعلومات الدقيقة أو تأخيرها (36) . وتنعكس هذه الثقة المنخفضة أيضاً على التعاون الفني بين المكلف والإدارة، إذ غالباً ما يرفض المكلف تقديم المستندات أو التقارير التفصيلية، خشية أن تستخدم ضده، أو يُساء تفسيرها. وهذا يخلق حلقة مفرغة: الإدارة تعاني من نقص المعلومات الصحيحة، والمكلف يشعر بالظلم، وبالتالي يزداد الاحتقان الإداري، وتتراجع كفاءة التقدير الذاتي بشكل عام (37) .
إضافة إلى ذلك، فإن عدم الثقة يؤثر على الامتثال الضريبي العام، ويجعل المكلفين أكثر ميلاً للاعتماد على الاستشارات الخارجية أو تقديم إقرارات متأخرة، وهو ما يزيد العبء على الإدارة ويقلل من قدرة النظام على تحقيق أهداف الإيرادات العامة بكفاءة. وأظهرت الدراسات أن بناء الثقة بين الطرفين يتطلب توفير ضمانات للشفافية تحسين التواصل، تبسيط الإجراءات، وتطبيق العدالة بشكل متسق على جميع المكلفين، إضافة إلى تدريب الموظفين على أساليب التواصل الفعال (38).
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن عدم الثقة المتبادلة ليس مجرد مشكلة سلوكية، بل هو عامل مؤسسي أساسي يؤثر على فعالية النظام الضريبي ويحد من قدرة التقدير الذاتي على تحقيق أهدافه، ويستلزم إصلاحات شاملة على مستوى التشريع والإدارة والتثقيف الضريبي. ويكمن جوهر المشكلة برأينا في غياب ثقافة الثقة المؤسسية بين المكلف والإدارة الضريبية، إذ إن أي نظام يعتمد على التقدير الذاتي يتطلب تقديم معلومات دقيقة وطوعية، وهو أمر مستحيل في بيئة يسودها الشك المتبادل. كما أن نقص الشفافية وعدم توحيد الإجراءات بين المديريات والفروع يعمق الشعور بعدم المساواة، ويزيد من احتمالية التهرب أو التحايل.
أرى أن الحل يتطلب استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل :أولاً: تعزيز الشفافية القانونية من خلال نشر الأدلة والتعليمات التفصيلية في الطرق والكيفية للاحتساب بأسلوب التقدير الذاتي وضمان توحيد الإجراءات. ثانياً تحسين التواصل بين الإدارة والمكلف عبر قنوات تفاعلية واضحة ومباشرة، بما في ذلك دعم فني مستمر وتدريب على استخدام الأنظمة الإلكترونية. ثالثاً: تبني برامج توعية وتثقيف ضريبي مستمر للمكلفين لزيادة فهمهم بحقوقهم وواجباتهم. وأخيراً تطوير آليات الرقابة الداخلية والتدقيق بما يضمن العدالة ويعزز مصداقية الإدارة. وباختصار، فإن بناء الثقة المتبادلة هو شرط أساس لإنجاح نظام التقدير الذاتي، ويضمن التزام المكلف ويقلل من النزاعات، ويزيد من فعالية تحصيل الإيرادات، ويضع النظام الضريبي على قاعدة مستقرة وصحيحة لضمان تحقيق العدالة الضريبية.
تاسعا: الفساد الإداري وتأثيره على الالتزام الضريبي ضمن التقدير الذاتي
يشكل الفساد الإداري عقبة جوهرية أمام تحقيق التزام ضريبي فعّال في أي نظام يعتمد على التقدير الذاتي، حيث يُضعف من الثقة بين المكلف والإدارة الضريبية، ويؤثر سلبًا على جودة الإقرارات المقدمة والأداء المالي للدولة. في السياق الضريبي، يُعرّف الفساد الإداري بأنه استغلال موظفي الإدارة لصلاحياتهم لتحقيق مكاسب شخصية من جهة المكلف أو جهات ثالثة، من خلال الرشوة، المحاباة التلاعب بالإجراءات أو النفوذ غير المشروع " (39). هذا النوع من الفساد يلتقي مباشرة مع التقدير الذاتي، بحيث إذا شعر المكلف بأن بعض الموظفين قد يُسيئون استخدام سلطتهم، فقد يختار تقليص التزامه الضريبي أو التلاعب في البيانات بدلا من تقدير ضريبي شفاف وواقعي. ومن جانب آخر، فإن الفساد الإداري يعزز من شعور المكلف بعدم المساواة في المعاملة؛ فحين يرى البعض أن العلاقة مع الإدارة الضريبية مبنية على المحسوبية أو المصلحة الخاصة، يفقد الرغبة في تقديم إقرارات كاملة وصحيحة. وفي دراسة بعنوان (العلاقة بين التهرب الضريبي والفساد)، وجد الباحثون أن الفساد يقلل من الالتزام الضريبي لأنه يُنظر إليه كمظهر من مظاهر اللاعدالة الاجتماعية (40). لذا، يعتبر التقدير الذاتي مبتغى ضعيفاً إذا لم يقترن بحوكمة قوية وشفافية إدارية، كما يُحد الفساد من فاعلية الرقابة الداخلية والتدقيق في الهيئات الضريبية؛ فالموظفون الفاسدون قد يعرضون نظام الفحص للتلاعب، أو يتغاضون عن الأخطاء لإرضاء جهات نافذة، وهو ما يقلل من قدرة الإدارة على اكتشاف التهرب الضريبي هذا الأمر يقود إلى نمط من الإفلات الضريبي ويُضعف مبدأ المعاملة العادلة في التقدير الذاتي، مما يحبط المكلفين الشرفاء الذين يلتزمون بالقانون.
علاوة على ذلك فأن الفساد الإداري يمكن أن يصاحبه ضعف في الأطر التنظيمية، بحيث تغيب أنظمة المساءلة والشفافية؛ وغالبًا ما تكون السياسات الداخلية غير كافية لمنع استغلال النفوذ، مما يزيد من المخاطر ويجعل التقدير الذاتي عرضة للتجاوزات (41). وهذا يتطلب تعزيز أسس الحوكمة الضريبية من خلال بناء نظام رقابي مستقل، وتفعيل أنظمة التدقيق الداخلي بحيث تعمل بطابع مستقل ومحايد، وتحقيق المساءلة الواقعية أمام كل من الإدارة والمكلف في السياق العراقي، الفساد الإداري الضريبي ليست قضية افتراضية؛ فالمؤسسات الحكومية عدة مجالات تشير إلى وجود تداخل بين السلطة الضريبية والمصالح الشخصية مما يعيق التزام المكلف. وعليه، فإن الإصلاح الضريبي لا يمكن أن ينجح إلا بالتزام كبير بمكافحة الفساد عبر تدريب الموظفين على النزاهة، وتطبيق إجراءات عقابية، وتطبيق الشفافية في كل خطوة من خطوات التقدير الذاتي. وبالتالي، فإن معالجة الفساد الإداري تعد من أهم متطلبات نجاح التقدير الذاتي. فلا يكفي تشريع النظام فقط؛ بل لا بد من بيئة تنظيمية قوية تضمن معاملة عادلة، رقابة فعالة والتزاما أخلاقيًا من الموظفين والمكلفين معاً.
أرى أن الفساد الإداري هو العائق الأهم أمام نجاح التقدير الذاتي في أية دولة، بما فيها العراق، لأنه يهدم الثقة التي يقوم عليها هذا النظام. عندما يشعر المكلف أن التعامل مع الإدارة الضريبية قد يتضمن ممارسات فاسدة أو تحيّرا، فإنه يفقد الدافع لتقديم إقرارات دقيقة وصحيحة، وقد يلجأ إلى التقليل أو التلاعب لحماية نفسه. وأعتقد أن الحل يكمن في تبني استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد داخل الإدارة الضريبية فيجب تعزيز الرقابة الداخلية بالتحقيقات والمحاسبة، وتشجيع الشفافية من خلال نشر السياسات والإجراءات، وتدريب الموظفين على أخلاقيات العمل وضمان استقلالية المدققين، وربط التطور الضريبي بحوكمة قوية. كما أن إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مراقبة الأداء الضريبي يمكن أن يكون وسيلة فعالة لإضعاف آليات الفساد. إذا تحقق ذلك، فإن الالتزام الضريبي سيتحسن، وتعزيز الإيرادات من التقدير الذاتي سيصبح أكثر استدامة وعدالة.
___________
1- المادة (27) من قانون ضريبة الدخل العراقي رقم (113) لسنة 1982 المعدل.
2- الهيئة العامة للضرائب، تعليمات تنظيم الإقرار الضريبي، بغداد، 2019، ص7.
3- د. فاضل عبد الكريم، التقدير الذاتي للضريبة في العراق: دراسة تحليلية مقارنة، جامعة بغداد، 2023، ص 22.
4- قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982، الوقائع العراقية، العدد 2926، بغداد، 1982، ص 12.
5- GIZ. (2024). Introducing a Self-Assessment Tax Regime in Iraq. German Agency for International Cooperation (GIZ), Germany, p. 15.
6- الهيئة العامة للضرائب دليل ضريبة الدخل بغداد دائرة النشر الحكومي، 2021، ص 44.
7- زينب علي عبدي، المشكلات الإدارية والقانونية والمالية في النظام الضريبي العراقي، مجلة جامعة زاخو للعلوم الإنسانية، المجلد ،11 العدد 2 2023، ص 233
8- د. عادل عبد الرسول القانون الضريبي في العراق، دار الثقافة للنشر ، بغداد، الطبعة الأولى، 2017، ص 112.
9- حسام جبار كاظم العدالة الضريبية في النظام العراقي، جامعة الكوفة، رسالة ماجستير، 2022، ص 74.
10- د. محمد فاضل حسن شرح قانون أصول المحاكمات المدنية، مكتبة السنهوري، بغداد ، الطبعة الثانية 2018، ص 225 .
11- د. عبد الهادي مازن النظام الضريبي العراقي - دراسة تحليلية، دار الكتب القانونية، بغداد، الطبعة الأولى، 2020، ص 159.
12- د. عبد الرزاق مسعود الإدارة العامة: مدخل معاصر دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان 2016، ص 211
13- د. فاضل كاظم الربيعي، الإدارة العامة في العراق: الواقع ومتطلبات الإصلاح. دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد، 2019، ص 145.
14- د. خالد أبو دنانة، النظم الضريبية الحديثة وإدارة المخاطر دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص 132.
15- د. علاء الدين عبد الستار، الإدارة الضريبية وتحديات التحول الرقمي. دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص119
16- د. عماد الحسيني، النظم الضريبية الحديثة دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2018، ص 203.
17- د. فهد عبد المجيد، الحوكمة والشفافية في الإدارة المالية. مكتبة الرشد، الرياض، 2016، ص 167
18- د. ناصر صالح إدارة المخاطر الضريبية التجارب الدولية دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2021، ص 9.
19- د. خالد عبد الأمير الهاشمي الإدارة الضريبية الأسس والتطبيقات الطبعة الثانية، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، 2017، ص 154
20- د. ناصر عبد الجليل خلف الإدارة العامة الحديثة. الطبعة الأولى، دار الصفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2019، ص221.
21- د. محمد طالب السامرائي، التنظيم الإداري في الأجهزة الحكومية. الطبعة الأولى مكتبة الرشد، الرياض، 2018، ص 137.
22- د. عبد الحميد فليح، حوكمة الإدارة الضريبية. الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 2020، ص 102.
23- د. مازن بدر العمران إدارة النظم الضريبية في الدول النامية. الطبعة الثالثة، دار وائل للنشر، عمان، 2021.
24- د. علاء الدين عبد الستار، الإدارة الضريبية وتحديات التحول الرقمي، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص 119.
25- البنك الدولي، رقمنة أنظمة الإيرادات الحكومية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واشنطن العاصمة، 2020، ص 31
26- د. عماد الحسيني، النظم الضريبية الحديثة التحول الرقمي والحوكمة، دار صفاء للنشر، عمان، 2018، ص 203.
27- OECD), Tax Administration (2022) Digital Transformation of Tax Administrations, Paris, 2022, p. 78.
28- جون كوتر، قيادة التغيير، مطبعة جامعة هارفارد للأعمال، بوسطن، 2012، ص 67.
29- د. علاء الدين عبد الستار، الإدارة الضريبية وتحديات التحول الرقمي، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص 125.
30- البنك الدولي، رقمنه أنظمة الإيرادات الحكومية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واشنطن العاصمة، 2020، ص 31
31- OECD ،Tax Administration (2022) Digital Transformation of Tax Administrations, Paris, 2022, p. 80.
32- د. حسام الدين محمد الامتثال الضريبي والتثقيف المالي للمكلفين، دار الفكر العربي القاهرة 2019، ص 97.
33- د. علاء الدين عبد الستار، الإدارة الضريبية وتحديات التحول الرقمي، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2020، ص 132.
34-Trust and Tax Compliance, Paris, 2021, p. 45.
35- د. حسام الدين محمد الامتثال الضريبي والتثقيف المالي للمكلفين، دار الفكر العربي القاهرة 2019، ص 102.
36- Improving Tax Administration in Developing Countries, Washington D.C., 2020, p. 88.
37- 1-. Kotter, John, Leading Change, Harvard Business Review Press, Boston, 2012, p. 67.
38- OECD, Tax Administration 9,2022: Building Trust and Compliance, Paris, 2022, p. 53.
39- إبراهيم حميد محسن الزبيدي دور الضريبة في مكافحة الفساد دراسة في التشريع العراقي والمقارن، مجلة المعهد العالي للدراسات.
40- علاء حسين الشافعي، دور التدقيق الداخلي في الحد من الفساد الإداري والمالي دراسة تطبيقية في الهيئة العامة للضرائب، مجلة Entrepreneurship للمالية والأعمال جامعة النهرين، 2020، ص 12
41- عزيزة عوض الشهيبي، دور آليات الحوكمة الضريبية في مكافحة الفساد الضريبي دراسة تطبيقية على دائرة الضرائب بنغازي، مجلة الدراسات الاقتصادية، جامعة بنغازي المجلد 1 ، العدد 2، 2018، ص 23.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد