

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
أثر فلسفة الدستور في المشاركة الشعبية
المؤلف:
رقية علي شبوط الزبيدي
المصدر:
اثر فلسفة الدستور في جودة التشريع
الجزء والصفحة:
ص 91-99
2026-04-23
35
تتمتع القوى الشعبية بسلطة في وضع التشريعات ، ويعود السبب في ذلك إلى ان الشعب هو المالك الحقيقي للسيادة، وتؤثر الفلسفة الدستورية في المشاركة الشعبية التي تعني جميع الصور التي يتم بوساطتها إسهام أو اشتراك المواطن في اتخاذ القرارات وتوجيه السلطات العامة إلى الوجهة التي يتطلبها المواطنون (1) ، وتُعد المشاركة العامة أحد معايير تحديد جودة التشريع ، ويكون ذلك فقط بالنسبة للدساتير ذات الفلسفة الديمقراطية؛ فلا يمكن مناقشة دور القوى الشعبية في ظل الدساتير ذات الفلسفة الفردية الدكتاتورية، وتنقسم طرق المشاركة بحسب الفلسفة الدستورية وموقفها تجاه الديمقراطية إلى طرق مباشرة وأخرى غير مباشرة.
أولا: الطرق المباشرة
تتجه الدساتير ذات الفلسفة القائمة على أساس الديمقراطية شبه المباشرة التي تركز على سيادة الشعب، وتضمن حقوقهم، فلسفة دستورية تتبنى الديمقراطية شبه المباشرة وعلى الرغم من وجود ممثلين منتخبين من الشعب، غير أن الشعب يبقى محتفظا بحق الرقابة على ممثليه، والتدخل في ممارسة بعض سلطاتهم (2) ، وتتمثل طرق ممارسة الشعب للسلطة والتي يمكن بوساطتها التأثير في جودة التشريع بالاستفتاء الشعبي والاقتراح الشعبي والاعتراض الشعبي.
1- الاستفتاء الشعبي : يقصد به « اخذ رأي الشعب بالموافقة أو الرفض على موضوع ما بوساطة عرضه عليهم» (3) ، وبهذا فأن الاستفتاء يعطي للمواطنين الكلمة الفصل في بعض الأمور تجنبا لاستحواذ نوابهم على كل مظاهر السلطة السياسية، وقد لا يقتصر الأمر على قبول المواطنين ورفضهم؛ إنما يطلب منهم الاختيار بين البدائل الممكنة، وفي جميع الاحوال لا يكون الاستفتاء ملزمًا إلا بعد حصوله على اغلبية الاصوات ، وذلك فيما لو كان الاستفتاء من النوع الملزم دون أن يكون من النوع الاستشاري الذي تستنير فيه الحكومة ويكون مجرد مرشدًا لها دون ان تكون ملزمة به (4) .
وفي الحقيقة يتمتع الاستفتاء غير الملزم بقوة معنوية؛ إذ إنه يرشد الحكام إلى التوجه الذي يجب عليهم سلكه لتجنب اثارة السخط الشعبي وفي كل الاحوال فإن الدساتير التي تمنح لمواطنيها حق الاستفتاء الشعبي في مواضيع التشريعات كما في دستور جمهورية ( إيطاليا ) لعام (1947) المعدل في المادة (75) الفقرة أولا منه التي نصت على : « يتم إجراء استفتاء شعبي من أجل الموافقة على إلغاء قانون أو نظام ذي سريان قانوني، كليا أو جزئيا، عند طلب ذلك من قبل خمسمائة ألف ناخب أو خمسة مجالس إقليمية» ، فهذه الفلسفة تسهم في تحقيق معيارًا من معايير جودة التشريع وهو معيار المشاركة العامة وبدوره هذا المعيار يؤدي إلى تحقق القبول الشعبي للتشريع مما يعني زيادة مستوى تنفيذه من قبل الشعب، وكل تلك العوامل تؤدي إلى تحقيق الجودة التشريعية.
2- الاقتراح الشعبي: وهو « حق المواطنين باقتراح مشروعات التشريعات التي يأملون تشريعها أو عناصر وفكرة تلك التشريعات الأساسية (5) ، والاقتراح قد يكون مصافًا على هيئة مشروع تشريع متكامل معد للإقرار والتطبيق، وقد يكون الاقتراح الشعبي مجرد تعبيرًا عن فكرة معينة ببيانها وتوضيح الخطوط العريضة للتشريع المراد سنه أو تعديله، ووفقًا لهذه الحالة، إذ ما تم قبول البرلمان الاقتراح بعد صياغته يصبح قانونا، وفي الحالة التي يتم فيها رفض الاقتراح فيتم عرضه على الاستفتاء الشعبي، وفي بعض الحالات يقرر الدستور عرض مشروع التشريع المقترح على الاستفتاء الشعبي سواء جوبه ذلك المقترح بالرفض أو القبول، وتتسم التشريعات الصادرة وفقًا لاقتراح شعبي بمستوى من الجودة؛ وذلك بالنظر إلى حصولها على الاغلبية في اصوات المشاركين ، ولا يسمح للبرلمان عادة الغاؤها أو تعديلها الا بالرجوع إلى الشعب (6) ، وبذلك يمثل الاقتراح الشعبي وسيلة صاحب السيادة الاصلية وهو الشعب بالتعبير عن أفكاره ومعتقداته التي يرغب بأن تكون جزء من المنظومة التشريعية ،وفي ضوء الاقتراح الشعبي لا يستحوذ أعضاء البرلمان على كامل الارادة الشعبية ، فيبقى للشعب التعبير عن ارادتهم بوساطة ما يقترحوه من تشريعات وفي جميع الاحوال فان الفلسفة الدستورية التي تأخذ بالاقتراح الشعبي تؤدي إلى تحقيق الجودة في التشريع؛ ولأنها توجد تشريعات ضمن المنظومة التشريعية نابعة من الشعب ذاته مما يعني تحقيق معياراً المشاركة العامة ، وبشكل كبير جدًا وتحقيق القبول الاجتماعي وان يكون التشريع متلائم مع الواقع ، وهذا كله يصب في مصلحة جودة التشريع.
3- الاعتراض الشعبي: هو "حق المواطنون اظهار عدم رضاهم على تشريع اقره البرلمان بوساطة تقديمهم لعريضة موقعة من قبل عدد محدد منهم في غضون وقت محدد بموجب القانون وخلال ذلك الوقت يظل التشريع غير نافذ ليعرض التشريع المعترض عليه على الاستفتاء الشعبي فاذا ما وافق على ذلك التشريع غالبية المقترعين اكتسب صفة النفاذ كما لو لم يعترض عليه، وإن رفضت الغالبية ذلك التشريع الغي وعد كأنه لم يكن" (7) ، وقد اخذ دستور (إيطاليا) لعام (1947) المعدل في المادة (75) أولا منه على : « يتم إجراء استفتاء شعبي من أجل الموافقة على إلغاء قانون أو نظام ذي سريان قانوني، كليا أو جزئيا، عند طلب ذلك من قبل خمسمائة ألف ناخب أو خمسة مجالس إقليمية» ؛ وبذلك فأن الاعتراض الشعبي يعد الوسيلة التي يملكها الشعب للتعبير عن سخطهم أو رضاهم عن تشريع معين، وهو الوسيلة الأكثر تنظيما ؛ إذ ما قارنا السخط الشعبي المصاحب للتظاهرات التي تنشأ نتيجة لغياب النص الدستوري الذي يقضي بحق الاعتراض الشعبي، وبذلك فإن الاعتراض الشعبي، يُعد رفضا للتشريعات التي لا تحظى بقبول اجتماعي كافٍ أي إنها تفتقر لمعيار القبول الاجتماعي والواقعية مما يعني أن الفلسفة الدستورية التي يتمتع الأفراد في ظلها بحق الاعتراض ،تدعم معيار الواقعية والقبول لتحقيق جودة التشريع؛ إذ لا تلزم تلك الفلسفة الأفراد بتشريعات لا يرتضونها .
ثانيا: الطرق غير المباشرة:
تتجه الدساتير ذات الفلسفة القائمة على أساس الديمقراطية التمثيلية؛ أي الديمقراطية المبنية على أساس من اختيار الشعب لحكامهم وممثليهم ويقوم بتخويلهم لممارسة السلطة بالنيابة عنه في مدة معينة دون ان يملك الشعب وسائل التدخل المباشر التي يملكها في الديمقراطية شبه المباشرة (8) الوسائل غير المباشرة للمشاركة الشعبية فتكون بوساطة:
1- العملية الانتخابية: وتعني هذه العملية بأنها « مجموعة الأعمال والاجراءات التي تؤدي بشكلٍ رئيس إلى اختيار الحكام بوساطة الارادة الشعبية ويمثل الانتخاب حق من الحقوق السياسية للمواطنين»(9) ، وتعد العملية الانتخابية من وسائل التأثير غير المباشرة في جودة التشريع؛ لكونها تؤدي إلى اختيار ممثلي الارادة الشعبية الذين يقومون بوضع التشريعات وتنفيذها أو تطبيقها، فهي بذلك لا تسهم بصورة مباشرة بوضع التشريعات، إنما بصورة غير مباشرة بوساطة انتخاب ممثلي الشعب الذين يتولون مهمة وضع تشريعات الدولة.
ويمثل المرشح والناخب، طرفي العملية الانتخابية وتحدد العلاقة فيما بينهم وفقًا للنظام الانتخابي (10) . وبذلك يعد النظام الانتخابي النزيه ركنا من اركان الدول الديمقراطية لما يمثله من اعلاء لسيادة الشعب، وليس بالضرورة أن يشارك في العملية الانتخابية أفراد الشعب كافة ؛ أي الشعب بمفهومه العام؛ إذ يتم تحديد من يملكون حق المشاركة وفقًا لمجموعة من العناصر التي يتم استعارتها من الواقع وتكييفها وفق فلسفة النظام السائد (11) وهذا خلافا لما يقع فيه البعض من التباس في الفهم بين توسيع حق المشاركة في الانتخابات، لتشمل أكبر عدد ممكن، وبين مفهوم الديمقراطية، إذ يذهب هؤلاء إلى أنه كلما اتسعت قاعدة المشاركة العامة، وتقليل القيود على ممارسة حق الاقتراع ،تم الاقتراب أكثر من الديمقراطية(12).
وتتأثر جودة التشريع بالنظام الانتخابي؛ لأنه وفقًا لذلك النظام، يتم الوصول إلى السلطة ؛ فمتى ما كان النظام الانتخابي جيدًا ، كان وسيلة لوصول من يستحق إلى مقاليد الحكم ، مما يعني تولية وظيفة التشريع للأجدر ، وبالتالي الاقتراب من تحقيق الجودة في التشريع بغالبية عناصرها.
وفي هذا الصدد فأن القيود التي يمكن ايرادها على حق الاقتراع، تأخذ صورتين أولهما تعتمد على معيار الثروة، وثاني تلك الصور تستخدم معايير تتعلق بالقدرة والإمكانية العقلية للناخبين، فيطلق و هذه الحالة على الصورة الأولى ( الاقتراع المقيد بنصاب مالي )؛ أي دفع الضريبة أو الرسم الواجب دفعه قبل ممارسة حق الانتخاب فتعتمد هذه الصورة بشكل أساس مقدار الثروة التي يملكها الفرد، ويحدد هذا الثراء وفقًا للضريبة المباشرة التي يدفعها المواطن سنويًا، فلا يعد ناخبًا إلا من يقوم بدفع حد ادنى من الضرائب ، يحدد بموجب قانون الانتخابات وقد يختلف مقدار دفع الضريبة أو ينخفض وفقًا للقانون المفروض على ممارسة حق الاقتراع(13).
في حين يطلق على الصورة الثانية ( الاقتراع المقيد بكفاءة عقلية) ، وتُعد هذه الصورة أقل استعمالا ، إذ ما قورنت بسابقتها وبمقتضى هذه الصورة يتمتع من تتوفر لديه كفاءة خاصة من المواطنين بحق التصويت والمشاركة في العملية الانتخابية ، حتى وأن لم تتوفر لديهم ثروة يدفعون عنها حدًا ضريبيا ادنى محدد قانونًا وقد تم تطبيق هذه الصورة من التقييد في القرن التاسع عشر في فرنسا اثناء ملكية يوليو فشملت هيئة الناخبين أعضاء المجالس العلمية والضباط المتقاعدون وتمتع هؤلاء بحق التصويت حتى ولو لم يحوزوا على الثروة المطلوبة لدفع نصاب الضريبة المنصوص عليه قانونًا (14) وبناءً على ما تقدم فأن وضع قيود على حق المشاركة العامة للأفراد في الحياة السياسية، لا يعني سلب ذلك الحق فالمراد من وراء تلك القيود المفروضة ، هو التنظيم للوصول إلى غاية ترمي إلى بلوغها السلطة التي قامت بوضع تلك القيود؛ فالأنظمة الانتخابية التي تأخذ بالاقتراع المقيد ، وفقًا لنصاب مالي تحاول ابعاد الناخبين عن إمكانية التأثير عليهم وشراء اصواتهم بعدة دنانير، وكذلك الحال بالنسبة لشرط الكفاءة العقلية إذ يحاول هذا الشرط قدر المستطاع ايكال مهمة الانتخاب للأرجح عقلا؛ لتمكن هؤلاء من التوجيه الصحيح للعملية الانتخابية واتخاذ القرارات بشكل علمي منطقي، فيما يتعلق بأي المرشحين يستحق التصويت له.
يمكن وضع رؤية مفادها أن الدول حديثة العهد بالديمقراطية ، وممارسة حق الانتخاب يفضل بها بالأخذ بنظام الاقتراع المقيد في بادئ الأمر؛ كيما يتولى العملية الانتخابية ثلة من المواطنين ممن تتوفر لديهم الكفاءة المالية والعقلية معا؛ لتجنبهم إمكانية التأثير عليهم بمحاولة شراء ذممهم بعدة دنانير أو استمالة عقولهم، وهذا ما كان من المفضل لو اخذ به المؤسسون لعراق ما بعد (2003) ويمتد تأثير الاقتراع المقيد إلى جميع أوجه نشاطات الدولة دون استثناء جودة التشريع منها؛ إذ إن المزايا ذاتها المتحققة من الاقتراع المقيد والتي أسلفنا ذكرها تنطبق على تحقيق الجودة في التشريع، لان هذا النظام يسهم في وصول اشخاص على قدر من الثقة إلى المجالس النيابية ليتولوا عملية التشريع.
كذلك ويمكن تقسيم نظام الانتخاب إلى مباشر ، وآخر غير مباشر فيكون الانتخاب مباشرًا إذ ما اختار الناخبون بأنفسهم وبصورة مباشرة من يمثلهم ويطلق على هذا النوع من الاقتراع اسم ( الانتخاب على درجة واحدة) (15) ، وفي ذلك فأن الناخب والمرشح يكون على تماس مباشر مما يعني مسؤولية المرشح المعنوية عند فوزه في الاهتمام بتوجهات الدائرة الانتخابية التي يمثلها، كذلك وتساعد العلاقة المباشرة بين الناخب والمرشح في تحقيق جودة التشريع وذلك لان المرشحين يقومون بمعرفة وجهات نظر دوائرهم الانتخابية وما يطمحون إليه ، ومن ثم نقلها إلى قبة البرلمان لتوضع ضمن نصوص تشريعية وفي ذلك يتحقق معيار الواقعية والقبول الاجتماعي في التشريع .
وقد اخذ بهذا النظام دستورنا النافذ لعام (2005) المادة (5) ، في حين يقصد بالانتخابات غير المباشرة عدم قيام الناخبين باختيار من يمثلهم بأنفسهم؛ إنما يقوم الناخب باختيار ناخبي الدرجة الثانية وهؤلاء الآخرون هم الذين يقومون باختيار النواب؛ أي إن ناخبي الدرجة الأولى يقتصر دورهم على منح توكيل لعدد من ناخبي الدرجة الثانية للقيام بمهمة اختيار النواب أو الحكام؛ وبذلك يطلق على الانتخاب غير المباشر ( الانتخاب على درجتين أو أكثر) (16) .
وقد يؤدي الانتخاب على درجتين أو أكثر إلى ذات المزايا التي يوفرها نظام الاقتراع المقيد في تحقيق جودة التشريع، لإن من يتولون الاختيار يتمتعون بالقدرات المالية والعقلية التي توفر لهم الاقتراب من حسن الخيار، غير أن حالة الانتخاب غير المباشر تتوقف على وعي ناخبي الدرجة الأولى وحسن اختيارهم لمن ينوب عنهم في اختيار ممثليهم ، وهذا النظام متبع في ( الولايات المتحدة الأمريكية) .
2- الأحزاب السياسية : تكون المشاركة بصورة غير مباشرة بوساطة الأحزاب السياسية ، و يقصد بالأحزاب السياسية: «هو ذلك التنظيم السياسي الذي يكون على مستوى وطني يرمي للوصول إلى مساندة الشعب لتمكينه من الوصول إلى تولي السلطة وممارستها تمهيدًا لتنفيذ سياسة وبرنامج ذلك الحزب » (17) وتعتمد الأحزاب السياسية بشكل كبير على أنصارها من أفراد الشعب والذين ينتمون إلى بيئات وعادات وتقاليد مختلفة، وهذا التباين بين أفراد الشعب هو الذي يقود بهم الانضمام إلى حزب معين دون سواه (18) .
ويطلق على التفاعل الحاصل بين أحزاب عديدة مع بعضها وبعض الآخر بالأنظمة الحزبية ويتوقف صلاح النظام السياسي - بضمنه النظام التشريعي على صلاح النظام الحزبي فإذ ما كان ذلك النظام فاسدا أو غير مستقر ، أدى ذلك إلى عدم الالتزام بالمبادئ الدستورية وعدم استقرار نظام الحكم في الدولة (19) ، وبذلك نجد أن التعاون بين الأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي في الدولة، يؤدي إلى تشريعات أكثر ملائمة وشمولية معبرة عن وجهات نظر وأولويات الأطراف وأصحاب المصالح المتعارضة محاولة التوفيق بين تلك المصالح، ولا يقف عدم تعاون الأحزاب فيما بينهم إلى التأثير في عملية وضع تشريعات جيدة؛ إنما يتعداها ليمثل عائقا أمام تنفيذ التشريعات الموضوعة فعلًا؛ تنكيلا بالحزب الآخر مما يؤثر سلبًا في جودة تلك التشريعات ونجد أن هذا الأثر من الممكن أن يزداد في الدول التي تتجه فلسفتها الدستورية إلى الاخذ بالثنائية الحزبية؛ إذ يحاول احد الحزبين عرقلة عمل الحزب الآخر بوساطة شتى الطرق.
كذلك الحال نجد أن التعاون يقل بين الأحزاب السياسية البرامجية ؛ أي تلك الأحزاب التي تتبنى أيدولوجيات جامدة، ومبادئ متباينة جوهريا فيما بينها؛ ونظرًا لذلك الاختلاف الجوهري في وجهات النظر يصبح من الصعب تعاون تلك الأحزاب فيما بينها؛ إذ يؤمن كل حزب من تلك الأحزاب بمبادئ لا تسمح بالائتلاف مع الحزب الآخر، ومن أمثلتها الأحزاب الجمهورية والملكية والشيوعية والاشتراكية (20) وتتجنب الدساتير الاختلافات الجوهرية في برامج الأحزاب بتحديدها العناصر الأساسية للدولة كما في دستورنا النافذ لعام (2005) في المادة (1) منه التي نصت على : " جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي . وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" ، كذلك وضعت المادة (7) أولًا منه قيودًا على برامج وأهداف الأحزاب السياسية بنصها على : " يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون" ، وبذلك فان تحديد الإطار العام لعمل الأحزاب السياسية داخل الدولة يترك أثره في جودة التشريع في ان الموضوعات التشريعية تسير في اتجاه ونسق واحد ، فتتسم المنظومة التشريعية بوحدتها وانسجامها.
3- جماعات الضغط : يقصد بجماعات الضغط : « مجموع الأفراد الذين تجمعهم مصالح وأهداف معينة دون الدخول في تنظيم حزب سياسي» (20) ، وما يميز جماعات الضغط عن الأحزاب السياسية في أن الأفراد في جماعات الضغط لا يهدفون للاستحواذ والوصول إلى السلطة، إنما يهدفون إلى التأثير على صانعي القرار بوساطة ما يملكوه من مصادر التأثير المادي والمعنوي، وهي بهذا الصدد لا تؤثر على المشاركين في السلطة فقط ، إنما يمتد تأثيرها إلى الأحزاب السياسية بهدف عرقلة عملية التشريعات المتعارضة مع مصالحهم، أو وضع تشريعات تنسجم مع ما يطمحون إليه (21) .
ويكون تعبير جماعات الضغط عن توجهاتهم أما بأسلوب سلمي بوساطة الاتصالات واللقاءات المتبادلة بينهم وبين صانعي القرار، أو بالانخراط ضمن الاحتجاجات والمظاهرات والقيام باعتصامات وغيرها من النشاطات التي تعبر عن عدم رضا الأفراد في وضع معين(22).
وتعبر جماعات الضغط عن الرأي العام الذي من وظائفه من التشريعات والغاؤها فتلك التشريعات تعد تعبيرًا عن رغبات وطموحات الرأي العام داخل الدولة (23) ، وبذلك فأن عمل جماعات الضغط وممارستهم لنشاطاتهم ، يتوقف على التوجه الذي يسلكه الدستور تجاه الرأي العام؛ فمتى ما توسع في منح حرية ممارسة التعبير عن الرأي زاد النشاط الذي تمارسه تلك الجماعات وتأثيرها في تحقيق جودة التشريع بوساطة عرضهم لما يطمحون إليه من تشريعات نابعة من واقعهم الاجتماعي، أو بوساطة تعبيرهم عن عدم رضاهم عن تشريع لا يتفق مع توجهاتهم ، أو كشفهم للقصور الذي يعتري تشريع ما ومطالبتهم بسد ذلك القصور .
فمن الدساتير التي قيدت حرية التعبير عن الرأي دستور جمهورية العراق المؤقت لعام (1970) في المادة (26) التي نصت على : « يكفل الدستور حرية الرأي والنشر والاجتماع والتظاهر وتأسيس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات وفق أغراض الدستور وفي حدود القانون ، وتعمل الدولة على توفير الأسباب اللازمة لممارسة هذه الحريات التي تنسجم مع خط الثورة القومي التقدمي فوفقا لهذا النص فأن فلسفة الدستور، قد فرضت قيدًا على ممارسة التعبير عن الرأي في أن يكون منسجما مع أهداف الثورة؛ وبذلك لا يتوقع من جماعات الضغط المطالبة بوضع التشريعات التي تنسجم مع مصالحها؛ مما يؤثر سلبًا في تحقيق جودة التشريع الذي يعد و هذه الحالة وسيلة يستخدمها القابض على السلطة لتقوية حكمه .
__________
1- د. فلاح مطرود العبودي، طبيعة السلطة العامة واثرها في المشاركة السياسية دراسة مقارنة، ط1، مكتبة زين الحقوقية والادبية، بيروت، 2015، ص 57
2- د. صالح جواد الكاظم، د. علي غالب العاني الأنظمة السياسي، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1991 ص 28 .
3- د. ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، منشاة المعارف الاسكندرية، 2000، ص34 .
4- د. محمد ثامر المبادئ العامة للديمقراطية، ط1، مكتبة السنهوري، 2012، ص 34 .
5- د. ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، منشاة المعارف الاسكندرية، 2000، ، ص 118
6- د. ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، منشاة المعارف الاسكندرية، 2000، ، ص 219-222 .
7- ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ط1، منشاة المعارف الاسكندرية، 2000، ، ص 222
8- د. صالح جواد الكاظم، د. علي غالب العاني الأنظمة السياسي، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1991، ص 32 .
9- عبدو سعد علي مقلد عصام نعمة اسماعيل النظم الانتخابية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2005، ص 27
10- يعرف النظام الانتخابي بأنه مجموع القواعد والإجراءات المراد من ورائها الترجيح وتحديد الفائز من بين المرشحين، فالنظام الانتخابي و هذه الحالة يعد الوسيلة التي تمكن الشعب من اختيار الحكام في الدولة. ينظر : علاء كامل محسن الخريفاوي، الرقابة على دستورية الانتخابات النيابية في العراق في ظل دستور ،2005 ، ط1، المركز العربي للنشر والتوزيع، القاهرة 2018، ص 24 .
11- د. منذر الشاوي، نظرية السيادة، منشورات العدالة، بغداد ،2002، ص 263 .
12- عبدو سعد، علي مقلد، عصام نعمة اسماعيل، مصدر سابق، ص 36 .
13- د. سعاد الشرقاوي، د. عبد الله ناصف نظم الانتخابات في العالم وفي مصر ، ط 2 ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994، ص 32
14- سعاد الشرقاوي، د. عبد الله ناصف نظم الانتخابات في العالم وفي مصر ، ط 2 ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994 ص 35
15 - مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث الانتخابات في العراق الفرص والتحديات، ط 1 مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث مؤسسة الامام الشيرازي العالمية، كربلاء، 2005، ص 27 .
16- مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث الانتخابات في العراق الفرص والتحديات، ط 1 مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث مؤسسة الامام الشيرازي العالمية، كربلاء، 2005، ص 27 .
17- د. فلاح مطرود العبودي، طبيعة السلطة العامة واثرها في المشاركة السياسية دراسة مقارنة، ط1، مكتبة زين الحقوقية والادبية، بيروت، 2015، ص 69.
18- د. علاء محمد مطر، مبادئ العلوم السياسية، ط 2 ، 2018، ص 106
18- مايكل روسكن واخرون ترجمة د. محمد صفوة حسن، مقدمة في العلوم السياسية، ط 1، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة 2015، ص 299 .
19- يختلف نظام الحزبين عن الاحزاب البرامجية في ان نظام الحزبين لا يعتمد على مجرد البرامج فنجد في الولايات المتحدة لا يوجد تباين كبير بين برامج ومبادئ الحزبين الرئيسين الديمقراطي والجمهوري. ينظر : د. علاء محمد مطر، مصدر سابق، ص 112 وما بعدها .
20- د. عبد الوهاب محمد خالد، العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ط 1 ، الجنادرية للنشر والتوزيع، عمان، ص 194
21- عبد الوهاب محمد خالد، العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ط 1 ، الجنادرية للنشر والتوزيع، عمان ص 194-195
22- د. فلاح مطرود العبودي، مصدر سابق ، ص 57 .
23- علي كنعان الرأي العام بين النظرية والتطبيق، دار الايام للنشر والتوزيع، عمان ،2015، ص 118 .
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)