

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
استكمال وحدة وادي النيل السياسية ودعمها
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 110 ــ 119
2026-03-30
22
واتبعت الخديوية في استكمال وحدة وادي النيل السياسية ودعم هذه الوحدة سُبلًا متعددة؛ منها: استصدار الفرمانات من الباب العالي بإلحاق الأقاليم التي كان لتركيا حقوق في السيادة عليها، ولم تكن قد أُلحقت بعد بالخديوية، ومنها: ضم الأقاليم التي ظلت خارجة عن نطاق هذه الوحدة، والتي كانت لا تدين أصلًا بالتبعية للعثمانيين، وليس لهؤلاء أية حقوق في السيادة عليها، ومنها: عقد اتفاقات مع الدول متصلة بشئون السودان. ولقد كانت هذه الاتفاقات مع بريطانيا، وتضمَّنت الاعتراف بحقوق السيادة التي للخديوية على الأقاليم التي دخلت حديثًا في نطاق الوحدة السياسية.
وقد بسطنا الحديث عن هذا الموضوع في كتابنا «مصر والسيادة على السودان – الوضع التاريخي للمسألة» (طبع القاهرة في 1947م).
ويمكن إيجاز الخطوات التي تم بفضلها هذا كله فيما يأتي:
أوَّلًا: دعم حقوق السيادة في السودان الشرقي وعلى طول ساحل البحر الأحمر الغربي حتى مضيق باب المندب، وعلى بلاد الصومال حتى مصب نهر جوبا.
ولقد بدأ النشاط لبلوغ هذه الغاية منذ أن ذهب في عام 1870م أسطول مصري بقيادة جمالي باشا إلى مياه بلهار وبربرة، المطلين على خليج عدن، وهما ميناءا سلطنة أو إمارة هرر، وكذلك بلاد الصومال، ومنذ أن تَعَيَّنَ في الوقت نفسه ممتاز باشا حاكمًا على جميع الشاطئ الأفريقي الشرقي من السويس إلى رأس غردافوي — بما في ذلك بلهار وبربرة — وقد تَعَيَّنَ السويسري «فرنر منزنجر» (Werner Munzinger) حاكمًا على مصوع، وفي عام 1872م استطاع «منزنجر» الاستيلاء على إقليم بوغوص (أو سنهيت) بين التاكة ومصوع، وقد تَعَيَّنَ في فبراير عام 1873م حاكمًا على السودان الشرقي من سواكن في الشمال إلى راحيتا أو رهيطة في الجنوب بما في ذلك إقليمَي بوغوص وتاكة.
ثانيًا: فتح دارفور في السودان الغربي، وقد اشترك في فتحها الزبير رحمت وإسماعيل أيوب باشا حكمدار السودان وقتئذٍ، وقد احتل عاصمتها الفاشر الزبير في 3 نوفمبر وإسماعيل أيوب في 6 نوفمبر 1874م، وكان فرمان 13 فبراير 1841م قد ذكرها ضمن الأقاليم السودانية التي صارت حكومتها لمحمد علي مدى الحياة، ولكن دارفور ظلت مستقلة حتى هذا الوقت ولم تكن تدين بأية تبعية للسلطان العثماني، فخضعت الآن لحكومة الخديوية، وصارت جزءًا من الخديوية، وانطبقت عليها ممارسة حقوق السيادة التي كان موئلها النهائي في حكومة القسطنطينية بحكم تبعية الخديوية ذاتها للسلطنة العثمانية.
ثالثًا: استصدار فرمان من الباب العالي في 18 يوليو 1875م حصلت الخديوية بمقتضاه على زيلع، وكان مرسى زيلع تابعًا لسنجق الحديدة، فتنازل عنه السلطان العثماني الآن لإلحاقه — كما جاء في الفرمان — «بمصر التي هي جزء مهم من ممالك» الدولة العثمانية، وذلك لقاء «خمسة عشر ألف ليرة عثمانية تُدفع للخزينة السلطانية» سنويًّا. ولقد جاء انضمام زيلع إلى الخديوية بعد أن ضمت سواكن ومصوع إليها. ولذلك فقد كتب القنصل الأمريكي في مصر «بيردسلي» (Beardsley) في 17 يوليو 1875م تعليقًا على هذه الخطوة الأخيرة، أن الاستيلاء على زيلع قد وضع ساحل البحر الأحمر الأفريقي برمته تحت السيادة المصرية.
رابعًا: فتح سلطنة هرر. وكانت هذه إمارة مستقلة، مهَّد لفتحها الاستيلاء على زيلع، حيث صارت هذه الأخيرة قاعدة للحملة التي قامت منها بقيادة محمد رءوف باشا في سبتمبر 1875م لفتح هرر، وعرض أميرها «محمد بن علي بن عبد الشكور» على رءوف باشا أن يُسلم إليه، فكتب في 5 أكتوبر 1875م إلى رءوف أنه يقبل ويقر «طائعًا ومختارًا» التسليم هو «وأهل طاعته ومملكته» إلى الخديوية، وأن «برغبته أن يكون تحت طاعة الحكومة الخديوية ليأمن على نفسه وماله وعياله»، ويرجو من الخديوية «مكافأة لصداقته لها أن يصدر له فرمان كريم أن الإمارة له ولذريته من بعده، هذا ما دام صادقًا هو وذريته» للحكومة الخديوية. وفي 11 أكتوبر دخل المصريون هرر العاصمة، وتآمر عبد الشكور مع القبائل المجاورة ضد الحكم الجديد، فهاجمت القبائل الجيش المصري في أعداد كبيرة (حوالي 60000). ولكنها رُدَّت. وفي 19 أكتوبر لقي عبد الشكور حتفه مخنوقًا على يد أحد الجنود غير النظاميين (الباشبزوق) في الجيش المصري.
خامسًا: فتح جهات النيل الأعلى، وإقليم بحر الغزال، وقد اقتضى ضم هذه الجهات إلى السودان تأسيس مديرية خط الاستواء، ومركزها غندكرو أوَّلًا ثم اللادو، وقد عُهد بهذه المهمة إلى «السير صمويل بيكر» من 1869م إلى 1873م، ثم خلفه «الكولونيل شارل جورج غوردون» من 1874م إلى 1876م، وذلك لإنشاء حكومة قوية في هذه الأقاليم، لمكافحة الرق والنخاسة وذلك بإقصاء النخاسين وتجار الرقيق من هذه المديرية، وفتح الملاحة النهرية إلى بحيرة ألبرت وفكتوريا-نيانزا، ووضع السفن التجارية المصرية في هاتين البحيرتين، وإدخال التجارة المشروعة؛ والوسيلة إلى ذلك كله إنشاء سلسلة من المراكز أو المحطات الحكومية المسلحة على طول الخط، بعد غندكرو، وفي إقليم البحيرات.
ولم ينجح «السير صمويل بيكر» في مهمته؛ لأنه لم يلبث أن دخل في «حروب» مع الأهالي السود من قبائل الشير والبلينيان والباري وغيرها مما أثار عداء هذه القبائل للحكومة المصرية، ولم يستطع سوى إنشاء ثلاث محطات مسلحة فحسب: في غندكرو، وفويرة، وفاتيكو، وهذا عدا مدينة التوفيقية التي أسسها على بعد أربعة أميال من ملتقى السوباط بالنيل الأبيض، وأما غوردون فقد أنشأ إحدى عشرة محطة على النيل الأعلى (بحر الجبل: في فويرة، وفاتيكو) من جديد (واللادو) العاصمة الجديدة شمال غربي غندكرو، والإبراهيمية أو الدفلاي أو دوفيلة، واللابورية، والرجاف، ومكركة، وشامبة (أو غابة شامبي) واللاتوكة، وبور، والناصر، وسُبت (السوباط) ثم أمكن الوصول إلى بحيرة ألبرت والملاحة حول شواطئها، قام بذلك الإيطالي «روملو جيسي» (Romolo Gessi) الذي رفع العلم المصري عند «ماجنجو» في مدخل البحيرة في 10 أبريل 1876م، وكذلك ضُمَّت أونيورو إلى الأملاك المصرية، وتأسست في أوغندة محطتان، في أوروندوجاني وكوسيتزا، ولم يلبث أن أخلاهما غوردون. وعندما غادر غوردون مديرية خط الاستواء في سبتمبر 1876م كانت مرولي المحطة المصرية، عند مدخل بحيرة كيوجا، التي كشفها «شاييه لونج» الأمريكي وسَمَّاها بحيرة إبراهيم في 1874م، هي حدود مديرية خط الاستواء الجنوبية.
سادسًا: العمل لبسط حقوق السيادة المصرية في ساحل أفريقيا الشرقي من غردافوي إلى مصب نهر جوبا. وكان غوردون قد اقترح في أثناء وجوده بمأمورية خط الاستواء فتح طريق للتجارة المشروعة من منطقة البحيرات إلى الساحل الشرقي كخطوة ضرورية للقضاء على الرق والنخاسة، وقد وافق الخديوي على هذا المشروع، على اعتبار أن حقوق السيادة المصرية لا تقف عند رأس غردافوي أو رأس حافون، جنوبه، ولكنها تشمل كل ساحل الصومال الشرقي حتى مصب نهر جوبا، بحسبان بلاد الصومال من ملحقات سواكن ومصوع. وعلى ذلك فقد أرسل الخديوي حملة بحرية من السويس بقيادة الضابط الأسكتلندي، الذي كان في خدمة الحكومة المصرية ماكيلوب باشا (McKillop)، وقد وصلت هذه الحملة إلى مصب نهر الجوبا في منتصف أكتوبر 1875م، ثم اضطرت إلى إنزال الجنود في بقعة تقع إلى الجنوب من المصب قليلًا بسبب شدة الأنواء بالمصب، فأنزل الجنود عند قسمايو، ولكنهم وجدوا بها حامية من زنجبار، ولم يلبث سلطان زنجبار (سيد برغش بن سعيد) من آل بو سعيد وأصلهم من عمان؛ أن احتج على ما سَمَّاه اعتداء من المصريين على حقوقه، وقد حرضه الإنجليز وخصوصًا قنصلهم «الدكتور كيرك» (Kirk) على هذا الاحتجاج. وعندئذٍ تدخل في القاهرة القنصل الإنجليزي «ستانتون» لدى السلطات المصرية؛ وإزاء هذا الضغط اضطر الخديوي إلى إصدار أمره إلى «ماكيلوب» في ديسمبر 1875م بالانسحاب من الجوبا.
على أنه كان لسياسة التوسع هذه في السودان الشرقي على طول ساحل البحر الأحمر الأفريقي وفي بلاد الصومال نتائج معينة؛ منها أن هذه السياسة التوسعية قد أفضت إلى قيام الحرب بين الحبشة ومصر؛ فقد أرادت الحبشة أن تحطم الحلقة التي وجدت أن مصر قد طوَّقتها بها، وادعى الأحباش حقوقًا لأنفسهم في ملكية إقليم بوغوص وساحل البحر الأحمر بأكمله، ثم أكثروا من الإغارة على السودان الشرقي؛ وفي سنة 1875م هددوا باجتياز الحدود المصرية-السودانية والزحف على بوغوص نفسها، فأعد الخديوي لتأديب ملك الحبشة يوحنا الرابع (أو يوحناس) حملتين؛ إحداهما بقيادة «الكولونيل السويدي أرندروب» (Arendrup) ومهمته مهاجمة يوحنا من الشمال، والأخرى بقيادة السويسري «فرنر منزنجر» ليزحف على إقليم العيسى الواقع بين الحبشة والأملاك المصرية عند تاجورا في الجنوب. ولكن «أرندروب» انهزم في واقعة «جُندت» في 18 نوفمبر 1875م في حين قُتل منزنجر غيلة في 16 نوفمبر وهو في طريقه إلى أراضي العيسى، فاضطر الخديوي إلى إرسال حملة جديدة في ديسمبر 1875م بقيادة راتب باشا، واشترك فيها كثيرون من الضباط الأمريكان وتحمل المصريون والأحباش خسائر جسيمة، وكان بعد واقعة «قُرع» (Gura) في 9 مارس 1876م أن طلب يوحنا الصلح في 13 مارس، فعُقدت الهدنة. وفي 18 مارس بدأ يوحنا انسحابه إلى «عدوة» وانسحب المصريون بدورهم إلى «مصوع»؛ وقامت المفاوضات لتسوية العلاقات بين الحبشة ومصر.
وكأثر مباشر للحرب الحبشية-المصرية خرجت مصر من هذا النضال محتفظة بجميع أقاليمها في السودان الشرقي وبلاد الصومال وعلى طول ساحل البحر الأحمر الأفريقي، وتَأَيَّدت حقوق السيادة التي كانت لها على هذه الأقاليم بأكملها، ولم يستطع يوحنا تحطيم الحلقة التي أحاطت بالأحباش، ولم يستطع هؤلاء أن ينفذوا ادعاءاتهم على بوغوص أو في السودان الشرقي عمومًا. ولقد أوفد يوحنا في يونيو 1876م مندوبًا إلى القاهرة للاتفاق على مسألة تخطيط الحدود بين الحبشة والخديوية المصرية-السودانية، وللحصول على امتيازات معينة للأحباش تمكنهم من استخدام ميناء مصوع. ولكن هذه المفاوضات لم تسفر عن نتيجة. وفي العام التالي (1877م) استؤنفت المفاوضة، وعلى يد غوردون في هذه المرة عندما وصل إلى مصوع في طريقه إلى الخرطوم. وكان غوردون قد تَعَيَّنَ حكمدارًا للسودان، ولكن دون نتيجة؛ بسبب إصرار يوحنا على أن يُخلي المصريون بوغوص وميناء «زولا» (Zulla) وكل ساحل الدانكل (أي الساحل الذي يشمل من الشمال إلى الجنوب موانئ: زولا، وأنفيلة، وإد (Idd)، وبيلول، وعصب، ثم رهيطة عند باب المندب)، وذلك عدا تعويضًا عن أضرار الحرب تدفعه مصر إلى يوحنا، وقد ظل الحال على ذلك (أي دون اتفاق بين الخديوية والحبشة) حتى قامت الثورة المهدية، وجاء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وتقرَّر إخلاء السودان، واستطاع المهديون محاصرة غوردون في الخرطوم، واضطرت الحاميات المصرية في السودان إلى الانسحاب. وعندئذٍ أمكن عقد معاهدة عدوة في 3 يونيو 1884م بين حكومة الخديوي محمد توفيق، وبريطانيا، والحبشة (الملك يوحنا) جاء فيها: أنه حتى يسهل على جنود الخديوي الانسحاب من كسلا وإميديب وسنهيت (بوغوص) عبر الأراضي الحبشية إلى مصوع، وفي نظير أن يقوم يوحنا من جانبه بتسهيل عملية الانسحاب هذه قد صار إعادة أو إرجاع بوغوص إلى الحبشة وسوف يأتي ذكر هذه المعاهدة في موضع آخر.
وأما النتيجة الثانية لسياسة التوسع في السودان الشرقي على طول ساحل البحر الأحمر وفي بلاد الصومال، فكانت اعتراف الإنجليز، من حيث المبدأ، بما كان للخديوية من حقوق في السيادة الشرعية — مع تبعيتها دائمًا لتركيا — على جميع الشاطئ الصومالي، ثم محاولتهم بعد حملة جوبا وحرب الحبشة أن يحددوا بوضوح سلطة الخديوية الشرعية على الساحل الصومالي بحيث تقف حقوق السيادة هذه عند رأس غردافوي-جردفون؛ وذلك في نظير أن يفتح الخديوي موانئ زيلع وبلهار وتاجورا للتجارة الحرَّة، ثمنًا لهذا الاعتراف.
وقد جرت بالفعل مفاوضات شاقة بين الإنجليز والخديوي، حاول الخديوي في أثنائها أن يشمل الاعتراف بحقوق السيادة المصرية كل بلاد الصومال إلى نهر جوبا جنوبًا. كما أنه رفض أن يعلن موانئ زيلع وبلهار وبربرة وتاجورا مفتوحة للتجارة الحرَّة (أي عدم تحصيل رسوم على المتاجر التي ترد إلى هذه الموانئ) لأن من شأن ذلك أن يحمله خسارة فادحة، في حين تدفع الخزينة المصرية لتركيا — كما قال — جزية سنوية في نظير أن تبقى هذه الموانئ في حوزة الخديوية.
وفي مارس 1877م وافقت إنجلترا على أن تشمل السيادة المصرية الإقليم الواقع بين رأس غردافوي (جردفون) ورأس حافون، ويقع هذا على الساحل الصومالي جنوب رأس غردافوي على طرف ساحل خليج عدن الجنوبي الشرقي، ووافقت إنجلترا على أن يحصل الخديوي رسومًا معتدلة في زيلع وتاجورا وسائر الموانئ على الساحل الصومالي، وتعهدت الحكومة المصرية من جانبها بأن تبذل قصارى جهدها لوقف تجارة الرقيق في الأقاليم الواقعة بين بربرة ورأس حافون، وبناءً على ذلك فقد أُبرم اتفاق في 7 سبتمبر 1877م بين مصر وإنجلترا «بشأن اعتراف حكومة صاحبة الجلالة «فكتوريا ملكة بريطانيا» بحقوق صاحب السمو «الخديوي إسماعيل» الشرعية تحت سيادة الباب العالي على الساحل الصومالي حتى رأس حافون (حفون).»
وعلى هذا النحو إذن أيَّد الإنجليز وجهة النظر المصرية التي اعتبرت بلاد الصومال جزءًا من الملحقات التي كانت لقائم مقامتَي سواكن ومصوع، ولم يكن اعتراف الإنجليز هذا في معاهدة 7 سبتمبر 1877م إلا تقريرًا لذلك الوضع الدولي الذي جعل للسيادة المصرية حقوقًا على جميع أقطار السودان الشرقي على طول ساحل البحر الأحمر ابتداء من رأس علبة في الشمال، إلى رأس حافون في الجنوب، وذلك بمقتضى الفرمانات التي صدرت بإعطاء إسماعيل سواكن ومصوع وزيلع في سنوات 1865م و1866م و1875م، وبحكم ما كان للباب العالي من حق السيادة على هذه البقاع جميعها. ولقد كانت معاهدة سبتمبر 1877م آخر الخطوات التي اتُّخذت لتأييد حقوق مصر الشرعية في السيادة على السودان، على أيام الخديوية.
•••
ولقد كان لسياسة التوسع في السودان نتائج بعيدة الأثر في تطور حوادث السودان في السنوات التالية؛ ويتضح هذا من ذكر بعض الحقائق المتصلة «بطبيعة» هذا التوسع، أو الأسس التي قام عليها، من جهة، وبما ارتبط به وترتب عليه في الوقت نفسه من جهة أخرى، من تدخل الحكومة الإنجليزية خصوصًا «للضغط» على الحكومة المصرية «الخديوية» لاتخاذ كل وسيلة من أجل إلغاء الرق والقضاء على تجارة الرقيق في الأقاليم التي هي جزء من الخديوية وتدخل في نطاق «سيادتها»، وهو «الضغط» الذي أدى في آخر الأمر إلى إشعال الثورة في السودان.
وأول هذه الحقائق، أن سياسة التوسع التي جرت عليها الخديوية في السودان لم يكن مبعثها الرغبة في الفتح للفتح في حد ذاته وامتلاك أقطار جديدة فحسب. بل كان من بواعثها العزم الأكيد على مكافحة تجارة الرقيق، وذلك بالقضاء على الرق والنخاسة في مواطنهما الأصلية في السودان؛ أي في بحر الغزال ودارفور وأقاليم النيل الأعلى (أو نيورو وأوغندة) وفي سواكن ومصوع وبوغوص وهرر والصومال؛ ثم بإغلاق منافذ تصدير تجارة الرقيق وهي موانئ البحر الأحمر: سواكن، ورهيطة، وتاجورا، وموانئ الصومال على خليج عدن: زيلع، وبلهار، وبربرة.
فقامت من ثَمَّ على أسس إنسانية إمبراطورية مصرية كبيرة في أفريقيا. ومما يجب ذكره أن هذه الإمبراطورية الإنسانية قد خدم قيامها العلم كذلك؛ لأن توغل المصريين في النيل الأبيض وجهات النيل الأعلى منذ حملات سليم قبودان، وانتشار الأمن والسلام في ربوع السودان نتيجة لإنشاء الحكومة المركزية القوية في الخرطوم في صدر عهد المصرية، ثم في عهد الخديوية، ثم التوسع الذي حدث في عهد الخديوية لاستكمال وحدة وادي النيل السياسية؛ قد أعان ذلك كله على فتح قلب القارة المجهولة، للاستكشافات العلمية والجغرافية؛ فشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر نشاطًا عظيمًا قام به الرُّوَّاد والرَّحَّالون والمستكشفون من ناحية، ورجال الحكومة المصرية سواء من المصريين أم من الأمريكان الذين كانوا في خدمة الجيش المصري من ناحيةٍ أخرى، لاستكشاف منابع النيل وارتياد الأقاليم السودانية ورسم المصورات الجغرافية والطبوغرافية وجمع المعلومات عن أجناس أهل السودان، وعاداتهم ولغاتهم، وعن الحيوان والنبات والآثار وغير ذلك، وقد تحدثنا عن هذا النشاط بإسهاب في الفصل السادس من كتابنا «الحكم المصري في السودان 1820–1882م» تحت عنوان «المصريون والكشوف الجغرافية».
ولقد سبق أن ذكرنا أن فتح النيل الأبيض للملاحة والوصول إلى غندكرو قد أديا إلى ازدهار تجارة الرقيق، وأن أقاليم بأسرها (نتيجة لذلك) كانت عند نهاية عهد محمد سعيد (يناير 1863م) قد خرجت من نفوذ حكومة الخرطوم وخضعت لسلطان تجار الرقيق، مما اقتضى الخديوية أن تبذل كل ما ملكت من جهد لمحاربة تجار الرقيق والقضاء على تجارتهم الشائنة.
ولذلك فقد كان لتنفيذ هذه السياسة أن أعدت الحكومة المصرية منذ مارس 1865م برنامجًا مُفَصَّلًا يفرض رقابة صارمة على نشاط النخاسين في النيل الأبيض، ويجعل من الممكن الإشراف على تصدير الأسلحة والبارود إلى السودان (ويستخدم تجار الرقيق الأسلحة والبارود) ويطلب معاونة قناصل الدول في الخرطوم بأن يرفع هؤلاء «حمايتهم» عن تجار الرقيق من العرب والأوروبيين والليفانتيين، وأصرت الحكومة المصرية على وجوب رفع هذه «الحماية» إذا أُريد النجاح لأية محاولة للقضاء على تجارة الرقيق في الأقاليم السودانية، وقد لازم تنفيذ هذا البرنامج افتتاح الأقاليم التي ذكرناها والتي ضُمَّت إلى «الخديوية» في السودان الشرقي والجنوبي والغربي على السواء.
وأما الحقيقة الثانية المتصلة بسياسة التوسع في السودان، فهي أن إنجلترا كانت أسبق الدول الأجنبية التي اهتمت أشد الاهتمام بضرورة إلغاء الرق والقضاء على تجارة الرقيق في مصر والسودان. ولقد بدأ هذا الاهتمام أيام محمد علي، ثم عظم اهتمامها بضرورة الإلغاء عندما اتسع نطاق تجارة الرقيق وزاد نشاط النخاسين في السودان للأسباب التي عرفناها بين عامَي 1848م و1863م. ومنذ وصول إسماعيل إلى الحكم بادرت إنجلترا بإظهار هذا الاهتمام بوضوح. وعلى ذلك فقد انتهز «اللورد رسيل» (Russell) وزير خارجيتها فرصة زيارة السفير الإنجليزي لدى تركيا، «السير هنري بلور» (Bulwer)، لمصر، فأرسل إليه في 22 فبراير 1865م بتعليمات طَلَبَ منه فيها «ألَّا يدع مناسبة تمر دون أن يُوَضِّح للباشا (أي إسماعيل) مبلغ اهتمام الحكومة الإنجليزية بضرورة القضاء على تجارة الرقيق في أفريقيا، وترحيبها العظيم بالتعاون مع سموه ما وسعها ذلك، في اتخاذ أية وسيلة من شأنها إنهاء هذه التجارة غير الإنسانية»، وقد أكد السفير لحكومته أن إسماعيل صادق الرغبة في هذا التعاون من أجل إنهاء تجارة الرقيق، وكان من أثر ذلك أن وضع ذلك البرنامج المُفَصَّل لمكافحة الرق والنخاسة في السودان، وهو البرنامج الذي ذكرنا أن الحكومة المصرية قد أقرَّته في مارس 1865م. وزيادة على ذلك فإن استخدام «السير صمويل بيكر» في 1869م، ثم «الكولونيل غوردون» في 1873م، في مأمورية خط الاستواء كان الدليل على أن الخديوي يرغب حقيقة في القضاء على الرق والنخاسة.
وكان من أجل القضاء على تجارة الرقيق في جهات النيل العليا، وهي من مواطن الرقيق الأصلية الكبيرة، أن أصدر غوردون في أثناء وجوده بالخرطوم، وهو في طريقه إلى غندكرو مقر مأموريته، قرارًا في 17 مارس 1874م باحتكار تجارة العاج لحساب الحكومة — وتجارة العاج كانت الستار الذي يخفي وراءه تجار الرقيق نشاطهم — كما منع قرار 17 مارس أي فرد من الذهاب إلى مديرية خط الاستواء دون أن يكون لديه مقدمًا «تذكرة» تعطيه هذا الحق، يحصل عليها من حكمدار السودان، وموقعًا عليها من سلطات «المأمورية» في غندكرو أو في غيرها، وكذلك امتنع بفضل هذا القرار إنشاء الجماعات المسلحة في مديرية خط الاستواء، وإدخال الأسلحة النارية والبارود إليها، وصار كل مخالف لهذه الأوامر مهدَّدًا بتوقيع أشد العقوبات التي تجيزها القوانين العسكرية عليه.
ولا جدال في أن اتخاذ هذا القرار (قرار 17 مارس 1874م باحتكار تجارة العاج لحساب الحكومة) كان إجراءً ضروريًّا وقتئذٍ؛ إذ أُريد به إصابة تجارة الرقيق بضربة قاتلة، ولكن من ناحيةٍ أخرى، كان هذا القرار، من العوامل التي ساعدت في النهاية على قيام الثورة المهدية بعد ذلك. والسبب في هذا أنه لما صار محتمًا أن يحصل جميع التجار سواء من تجار الرقيق أم من غيرهم على تصريح، «تذكرة»، خاص يُمَكِّنهم من إرسال مراكبهم في النيل الأبيض إلى مديرية خط الاستواء، فقد ترتب على التَّشَدُّد في تنفيذ هذا الإجراء أن تعطلت الملاحة في النهر الذي أُغلق الآن في وجه التجارة الحرَّة «المشروعة» مما ألحق الأذى بتجارة السودان عمومًا، زد على ذلك أن تعطيل نشاط التجار سواء كانوا من تجار الرقيق أم من أصحاب التجارة المشروعة لم يلبث أن سَبَّب زيادة تذمرهم من الحكومة التي صاروا ينتهزون كل فرصة لمقاومتها، ويعملون لتقويض أركانها، وكان تجار الرقيق على وجه الخصوص هم الذين آزروا محمد أحمد المهدي، وأشعلوا الثورة في السودان.
وأما الحقيقة التالية فهي أن اهتمام الإنجليز بإغلاق المنافذ التي يجري منها تصدير تجارة الرقيق هو الذي جعلهم يُقِرُّون حقوق السيادة التي لمصر على ساحل البحر الأحمر الغربي وشاطئ خليج عدن الجنوبي ويعترفون بها، ومنذ 13 نوفمبر 1873م ذكر سفيرهم في الآستانة «السير هنري إليوت» (Elliot) عند حديثه في رسالته إلى حكومته عن الوسائل المجدية في القضاء على تجارة الرقيق، أن الاعتراف بحقوق مصر (ذات التبعية لتركيا) في هذه الجهات من شأنه المساعدة على مكافحة الرق والنخاسة، كما أيَّد قنصلهم في مصر «الكولونيل ستانتون» للغرض نفسه احتلال بربرة بالقوات المصرية، وكان بسبب ذلك أن أبرمت إنجلترا مع مصر معاهدة 7 سبتمبر 1877م السالفة الذكر.
وآخر هذه الحقائق، أن اهتمام الإنجليز بمكافحة الرق والنخاسة جعلهم يضغطون على الخديوي إسماعيل منذ سنة 1873م حتى يعقد معهم معاهدة لتحديد مدة معينة يتم في أثنائها إبطال تجارة الرقيق نهائيًّا من مصر والسودان، فأسفر هذا الضغط عن إبرام «معاهدة الرقيق» مع بريطانيا في 4 أغسطس 1877م.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)