ولكن هذه التسوية التي وضعتها الدول للمسألة المصرية كانت شاذة وضعيفة، فالدول التي أرادت بها خدمة مآربها المتمثلة وقتئذٍ في المحافظة على كيان الإمبراطورية العثمانية تهربًا من مواجهة مشكلة ملء الفراغ الذي ينجم عن تقلص ظلها في أوروبا، ثم حرصًا على التوازن الدولي في هذه القارة، لم تدخل في اعتبارها ضرورة تنظيم العلاقات بين مصر وتركيا على قواعد ثابتة قوية، فكانت هذه التسوية مصدر كل ما طرأ بعد ذلك من اضطراب وقلاقل على العلاقات المصرية العثمانية.
وكان الشذوذ الظاهر في «الوضع» الذي نالته مصر هو بقاؤها مقاطعة كسائر مقاطعات الدولة العثمانية مع قيام الحكم الوراثي بها. ويتضح هذا الشذوذ في منع مصر من المفاوضة مباشرة مع الدول، ومن عقد المعاهدات مستقلة عن الباب العالي صاحب السيادة الشرعية عليها، ثم مطالبتها بقبول المعاهدات والاتفاقات المبرمة بين تركيا والدول، وتنفيذ القوانين العثمانية في حين كفلت هذه التسوية لمصر في الوقت نفسه شطرًا من الاستقلال الداخلي في الإدارة وفرض الضرائب الداخلية والرسوم الجمركية والقيام بالإصلاحات، وممارسة شئون الحكم الداخلي، أو الذاتي عمومًا، ثم مراعاة ظروف البلاد الخاصة وحاجاتها عند تطبيق القوانين العثمانية.
وعلى ذلك فقد قيدت «الشروط» التي تضمَّنتها أصول التسوية سلطة الولاة من ناحية. ثم إنها مهدت السبيل من ناحيةٍ أخرى لتدخل الباب العالي من وقت لآخر في الشئون المصرية. وكان هذا التدخل مصدر أضرار كثيرة؛ لأن تركيا التي أعطت الفرمانات السالفة الذكر في أثناء أزمتها الكبرى وتحت ضغط الدول صارت بعد «التسوية» تتحين الفرص للتدخل، رائدها في ذلك تعطيل تقدم البلاد وسحب أو إلغاء «المنح السخية» التي تضمَّنتها الفرمانات، وإرجاع البلاد إلى حظيرة الدولة العثمانية كإحدى المقاطعات البسيطة العادية الأخرى؛ ثم إلغاء هذه الفرمانات ذاتها في آخر الأمر.
وقد ترتب على هذا أن انحصر نشاط الولاة في المدة التالية في ثلاثة أمور: أولها؛ درء الخطر: خطر سحب أو إلغاء الامتيازات التي جاءت بها الفرمانات، متعلقة بمبدأي الحكم الوراثي، والحكم الذاتي في مصر، ثانيها: الحصول على ضمانات أوفى لاستقرار الأمور في مصر على أساس تعديل نظام الحكم الوراثي بحيث تصبح الوراثة المباشرة أو الصُّلبية هي النظام المعمول به، ثم توسيع الحكم الذاتي بحيث تصبح مصر — في ممارسة شئونها الداخلية مع ما يستلزمه هذا من عقد اتفاقات مع الدول — مستقلة عن الباب العالي داخليًّا، فلا يربطها بفضل هذا كله غير تبعية السيادة الشرعية. وأما الحافز إلى هذا المسعى فهو إغلاق باب التدخل الضار في وجه الباب العالي، وثالثها: محاولة الظفر بالاستقلال والانفصال عن الدولة العثمانية نهائيًّا، كخير ضمان — للأسباب التي ذكرناها — لاستقرار الأوضاع في مصر.
على أنه لما كان متعذرًا من الناحية القانونية الدولية إجراء أي تعديل في «الوضع» القائم إلا بموافقة الدول التي اشتركت في وضع تسوية 1840-1841م، فقد وجدت مصر في العهود التالية ألَّا مَعْدَى لها عن الاستعانة بالدول الأجنبية؛ الأمر الذي مَكَّن من تغلغل النفوذ الأجنبي في شئون مصر.
ومن أهم ما يُؤخذ على تسوية 1840-1841م: أنها قد فتحت باب التدخل الأجنبي وتغلغل النفوذ الأجنبي في مصر؛ وذلك أن هذه التسوية قد وضعت — في الحقيقة — مصر تحت الإشراف أو الوصاية الأوروبية، حيث كان في مقدور الدول — كما أسلفنا — تغيير أو إلغاء «الوضع» الذي صار لمصر بموجب تسوية 1840-1841م. أضف إلى هذا أن من بين المعاهدات والاتفاقات المبرمة بين الباب العالي والدول، والتي طلب تطبيقها في مصر معاهدات «الامتيازات الأجنبية» السائدة في الإمبراطورية العثمانية، والتي قال عنها اللورد «ملنر» (Milner): «إنها قيدت سيادة السلطان العثماني في داخل ممتلكاته بشكل لا نظير له.»
حقيقة إن محمد علي قد شجع وفود الأجانب إلى مصر، وأمن لهم إقامتهم بها، ولكن سلطة الباشا وسيادته الداخلية حيال هؤلاء استمرتا كاملتين طوال حكمه إلى أن وُضعت هذه التسوية؛ غير أن الحال لم يلبث أن تبدل بعد عام 1841م لسبب جوهري: هو أن أوروبا التي تأثرت بحدوث الانقلاب الصناعي بها في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ أخذت تشعر تدريجيًّا بحاجتها إلى مواطن جديدة للخامات وإلى أسواق خارجية لتصريف مصنوعاتها، ووجدت في مصر مجالًا واسعًا للاستغلال يجذبها إليه اعتدال المناخ وخصوبة الأرض وتوقع الغنى السريع. وعندما بدأ سيل الأوروبيين والليفانتيين يتدفق على هذه البلاد، كانت مصر قد خرجت من نضالها العنيف الطويل مع تركيا، وصار لها ذلك «الوضع» الشاذ الذي ساعد الأجانب على الوفود إليها واستغلال مواردها في كنف معاهدات «الامتيازات الأجنبية» التي سرت في هذه البلاد سريانها في الدولة العثمانية بموجب «التسوية»، يحميهم في استغلالهم إياها ونشر نفوذهم بها ورعاية مصالحهم ذلك «الإشراف الأوروبي» الذي تحدثنا عنه. ولم تكن مصالح هؤلاء الوافدين دائمًا شريفة؛ لأن أكثرية الأجانب الذين انقضوا على مصر آنئذٍ كانوا كما وصفهم «سدني لو» (Sidney Low) من المغامرين الذين لا أخلاق لهم ولا مبادئ؛ فكانوا لا يعنون إلا باستغلال البلاد استغلالًا مزريًا مشينًا، ويساعدهم في ذلك قناصل الدول طمعًا في اقتسام الربح والغنيمة معهم.
ولم يكن هذا كل الأذى الذي نجم عن تسوية 1840-1841م؛ فقد قاسى السودان من أذاها ما قاسته مصر نفسها، فقد ترتب على تخويل السلطان العثماني لمحمد علي ضم السودان، ثم صدور فرمان 13 فبراير 1841م، الخاص بالسودان، أن ظل شطر الوادي الجنوبي كشطره الشمالي مقاطعة من مقاطعات الدولة العثمانية. ولقد اعتُبِرَ السودان في الفرمانات الصادرة للولاة والخديويين من الملحقات المصرية؛ فلم يصدر فرمان خاص بالسودان لخلفاء محمد علي، على خلاف ما حدث معه، بل نصَّت الفرمانات الصادرة إلى إبراهيم (أغسطس 1848م)، وإلى عباس الأول (نوفمبر 1848م)، ومحمد سعيد (يوليو 1854م)، وإسماعيل (يناير 1863م)؛ على تقليد هؤلاء ولاية أو باشوية مصر وتوابعها أو ملحقاتها (dependances)؛ ثم إنها نصَّت على أن يكون هذا التقليد بالشروط نفسها التي تضمنها فرمان 23 مايو 1841م وأول يونيو 1841م الصادر إلى محمد علي، ومن معنى هذا سريان المعاهدات التي أبرمتها الدولة العثمانية أو تبرمها مع الدول، وسريان القوانين التي سنَّتها أو تسنها في السودان كذلك، ومن هذه المعاهدات كما ذكرنا «الامتيازات الأجنبية».
وشجع الأجانب على الذهاب إلى السودان والإقامة به، عدا الانتفاع بالمزايا التي كفلتها لهم تسوية 1840-1841م؛ عاملان هامان: استتباب الأمن في ربوع السودان نتيجة لتأسيس الحكومة الموطدة في الخرطوم، ثم فتح النيل الأبيض للملاحة بفضل الرحلات التي قام بها سليم قبودان بين عامَي 1838م و1841م على نحو ما ذكرنا.
فقد جاء إلى السودان في مبدأ الأمر الرحالة والمستكشفون، بعضهم مع جيش إسماعيل كامل بن محمد علي، والبعض الآخر في أعقابه، ثم تبعهم التجار الأوروبيون والليفانتيون لجمع العاج والاتِّجار فيه أوَّلًا، ثم لاقتناص الرقيق عندما نضبت موارد العاج وقَلَّ الربح من تجارته أخيرًا، ولم يكن التجار الذين جاسوا في السودان بين 1840م و1860م خصوصًا من خيار القوم كذلك. بل كانوا كما وصفهم في عام 1860م القنصل الإنجليزي في مصر «كوهون» (Colquhoun) من المغامرين الذين وقفوا كل جهودهم على اقتناص الرقيق والاتِّجار به. ولقد تسبب عن اتساع نفوذ تجار الرقيق، هؤلاء الذين حمتهم «الامتيازات» الأجنبية، وأولاهم القناصل رعايتهم؛ أن ضعفت سلطة الحكومة، فصارت لا تتعدى الخرطوم، ثم زالت تمامًا في الأنحاء البعيدة، في حين ظهرت الجماعات المسلحة، وانتشرت «الزرائب» أو المحطات التي كانت مخازن للمؤن والأسلحة والبارود ومستودعات للرقيق والعاج، وأقفرت أقاليم واسعة من سكانها، وعمت الفوضى من جديد في ربوع السودان.