0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

رفاعة الطهطاوي (1801–1873م)

المؤلف:  رؤوف عباس

المصدر:  التنوير بين مصر واليابان

الجزء والصفحة:  ص 39 ــ 46

2026-08-03

14

+

-

20

وعلى نقيض فوكوزاوا، لم يترك الطهطاوي لنا مذكِّراتٍ أو سيرةً ذاتية، مثل تلك التفاصيل التي ذكَرها فوكوزاوا عن طفولته وأسرته، وطوالَ حياته العلمية لم يتحدَّث الطهطاوي عن المرحلة السابقة على ذهابه إلى باريس واعظًا للبعثة التعليمية الأولى التي أرسلها محمد علي إلى هناك. وكان عمر الطهطاوي عندئذٍ ستةً وعشرين عامًا، واعتمد كلُّ من كتبوا سيرته اعتمادًا تامًّا على المعلومات الخاصة بطفولته، التي أوردها تلميذه صالح مجدي في ترجمته للطهطاوي، التي كتبها في مطلع الثمانينيات من القرنِ التاسعَ عشر، وظلت محفوظةً حتى تم نشرُها عام 1958م.1

وقد وُلد الطهطاوي عام 1801م، بمدينة طهطا في صعيد مصر، لعائلةٍ بارزة من علماء الأزهر كانت تمتلك مساحةً صغيرة من الأراضي الزراعية تعيش على ريعها، وتُرجع تلك العائلة نسبها إلى الدوحة النبوية الشريفة، وتنتمي إلى أصولٍ حجازية هاجرَت إلى مصر في أوائل العصر الإسلامي. تُوفي والده بدوي الطهطاوي بعد مولد رفاعة بقليل، وكان فلاحًا متعلمًا نال حظًّا محدودًا من الثقافة الإسلامية، ولكن أخواله كانوا من علماء المدينة البارزين، تولَّوا كفالته بعد وفاة والده، وأشرفوا على تعليمه في الكُتَّاب؛ حيث تعلَّم القراءة والكتابة والحساب، وحفظ القرآن الكريم، كما تولَّى أخواله تعليمه بعضَ النصوصِ الدينية الإسلامية الأخرى أثناء دراسته بالكُتَّاب ليُعدُّوه لدخول الأزهر. وفي عام 1817م، انتقل رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة، والتحق بالأزهر.2 وكان الأزهر في ذلك الوقت يعكس حال الثقافة في العالم الإسلامي، ويقتصر التدريس فيه على النحو واللغة والتفسير والحديث وبعض كتب الفقه، أما العلوم الطبيعية والفلسفة وغيرها من المعارف التي كانت تُدرس بالأزهر في سالف الزمان، فقد انقطع تدريسها عندئذٍ، ووصف الشيخ حسن العطار (1766–1835م) أحد كبار علماء الأزهر في ذلك العصر أحوال التعليم في الأزهر عندئذٍ فقال: «إن مَن تأمل في علمائنا السابقين يجد أنهم كانوا، مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية، لهم إطلاعٌ عظيم على غيرها من العلوم والكتب التي أُلفت فيها، حتى كُتب المخالفين في العقائد والفروع، أعجبُ من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير أهل الإسلام من التوراة وغيرها من الكتب السماوية واليهودية والنصرانية، ثم هم مع ذلك ما أخلوا تثقيف ألسنتهم برقائق الأشعار ولطائف المحاضرات.»3 ويرسم لنا العطار صورةً قاتمةً عن انطباعه حول مستوى التعليم في الأزهر عندئذٍ فيقول: «ومن نظر في ذلك، وفيما انتهى إليه الحال في زمانٍ وقعنا فيه، علم أننا منهم بمنزلة عامة أهل زمانهم؛ فإن قُصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئًا من عندنا، وقد اقتصرنا على النظر في كتبٍ محصورة ألَّفها المتأخرون المستمدون من كلامهم، نكرِّرها طول العمر، ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم فيها.»4

فلا عجب أن نجد رفاعة الطهطاوي الشاب لا يُبدي ارتياحًا لأسلوب علماء الأزهر في التدريس، فالتحق بحلقة الشيخ حسن العطار، الذي كان له تأثيرٌ كبير عليه فكان يلتقي به في غير أوقات الدروس ليأخذ عنه علومًا أخرى، لم تكن تدخُل آنذاك ضمن مواد الدراسة في الأزهر، وهي التاريخ والجغرافيا والأدب والهندسة والرياضيات.5

وفي عام 1822م، أتم الطهطاوي دراسته في الأزهر، وتولى التدريس فيه مدة عامَين، ولكن ما كان يحصل عليه من أجرٍ لم يكن كافيًّا لتغطية نفقات إقامته بالقاهرة، ونفقات والدته التي كانت بطهطا، وتولَّى أستاذه الشيخ حسن العطار أمر تعيينه إمامًا بإحدى فِرَق الجيش المصري الحديث، وما لبث أن رشَّحه عام 1826م للعمل كإمام للبعثة التعليمية الأولى، التي أرسلها محمد علي للدراسة في باريس.6

وقد تركَت هاتان التجربتان أثرهما على الطهطاوي؛ فقد كان الجيش الحديث محور بناء الدولة المصرية الحديثة، وظل الطهطاوي طوال حياته مُقدِّرًا للجيش المصري وللمنجَزات العسكرية التي حقَّقها جنودُه في عهد محمد علي، ولكن باريس كان لها الأثر الأكبر فيه؛ فقد ظل هناك خمسَ سنواتٍ (1826–1831م) كانت من أهم سنوات عمره، ورغم أنه أُرسل إلى هناك كإمام وليس كطالب فقد انغمَس في الدراسة بحماس ونجاح كبيرَين.7 وتقديرًا لكفاءته كتب المسيو جومار — العالم الفرنسي الذي تولى الإشراف على البعثة المصرية في باريس — إلى محمد علي يطلب منه الموافقة على أن يصبح الطهطاوي طالبًا إلى جانب عمله كإمام. وبعد دراسةٍ مكثَّفة للغة الفرنسية ملَك الطهطاوي ناصيةَ اللغة والنحو ومشكلات الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وانكبَّ على قراءة كتبٍ في التاريخ القديم والفلسفة اليونانية والأساطير والجغرافيا والرياضيات والمنطق، كما قرأ ترجمةً لنابليون وبعض الأشعار الفرنسية، وخاصة شعر راسين وخطابات اللورد تشستر فيلد Chester Field لابنه، وأهم من ذلك كله ما قرأه من الفكر الفرنسي في القرنِ الثامنَ عشر، مثل فولتير، وكوندياك، وروسو، والأعمال الرئيسية لمونتسكيو.8 وقد ترك هذا الفكر أثرًا باقيًا على الطهطاوي، ومن خلاله على الفكر العربي عامة.

وعندما عاد الطهطاوي إلى مصر عام 1831م، عُيِّن مترجمًا ومدرِّسًا للغة الفرنسية في مدرسة الطب، ثم نُقل بعد ذلك بعامَين إلى نفس وظيفته بمدرسة المدفعية، وعلى مدى أربعة أعوام ترجَم بعضَ الكتب الفرنسية في الهندسة والجيولوجيا وعلم الفلزات والجغرافيا، بالإضافة إلى مراجعته لترجمةِ كتابَين في الطب.9 ونشَر عام 1834م كتابه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، الذي قدَّم فيه وصفًا للمجتمع الفرنسي، كما شاهده أثناء إقامته هناك، وقد قُرئ هذا الكتاب على نطاقٍ واسع في البلاد العربية والإسلامية، فقد أُعيد نشره في أعوام 1848م، 1905م، 1958م، 1974م، وطُبعَت ترجمتُه التركية عام 1839م، تحت عنوان «سفرنامه رفاعة بك».10

ولمَّا كان الطهطاوي من بين أوائل العرب الذين زاروا أوروبا في القرنِ التاسعَ عشر وأول مَن نَشر كتابًا عن تلك البلاد الغربية، فقد وقع على عاتقه مهمة تقديم صورة للمجتمع الأوروبي لقُراء العربية، وقد نجح في تلك المهمة وقدَّم لقُرائه برشاقةٍ وحرصٍ جوهرَ الحضارة الغربية. وعندما كان يَعْرض لمصطلحاتٍ أوروبية ليس لها نظيرٌ في العربية، قدَّم صياغةً عربية للمصطلح، وفي بعض الحالات صاغ مصطلحاتٍ عربيةً لأول مرة كترجمة لأشياء أوروبية غير معروفة للثقافة العربية. ويمكن أن يُقال نفس الشيء عن التفاصيل الخاصة بالمواقع الجغرافية والتكوين الطبيعي المميز لتلك المواقع، ويضُم «تخليص الإبريز» وصفًا كاملًا للمؤسَّسات السياسية الرئيسية في فرنسا، والأحداث السياسية الكبرى التي شاهدَها خلال إقامته، وألقى الضوء على طبيعة وأوضاع العلوم في أوروبا، وقدَّم لقُرائه أعمال كبار المؤلفين الأوروبيين، كما أبرز الثقافة السياسية في فرنسا.11

وفي تخليص الإبريز أيضًا قدَّم الطهطاوي لقُرائه العناصرَ الجديدةَ للمجتمع الأوروبي، مثل وضع النساء ودورهن في المجتمع، والطبقات الاجتماعية المختلفة، والأحوال الدينية والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الفرنسي الحديث، ولكن وصفه لتلك الظواهر لم يخلُ من نظراتٍ نقدية.12

وفي مقدِّمة الكتاب أبرز الطهطاوي الطابع التثقيفي والتنويري لعمله، فقال: "فلما رُسم اسمي في جملة المسافرين، وعزمتُ على التوجه، أشار عليَّ بعض الأقارب والمحبين، لا سيما شيخنا العطار؛ فإنه مولَع بسماع عجائب الأخبار والاطلاع على غرائب الآثار، أن أنبِّه على ما يقع في هذه السفرة، وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغربية والأشياء العجيبة، وأن أقيِّده ليكون نافعًا في كشف القناع عن مُحيَّا هذه البقاع التي يُقال فيها إنها عرائس الأقطار، وليبقى دليلًا يهتدي به إلى السفر إليها طلاب الأسفار … فما قصَّرتُ في أن قيَّدتُ في سفري رحلةً صغيرة نزَّهتُها عن خلَل التساهل والتحامل، وبرَّأتُها من زلَل التكاسل والتفاضل، ووشَّحتُها ببعض استطراداتٍ نافعة، واستظهاراتٍ ساطعة، وأنطقتُها بحثِّ ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع؛ فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمرٌ ثابتٌ شائع.»13 فهو يشير هنا إلى ما للتقدم العلمي في الغرب من أثرٍ كبيرٍ في النهضة الحضارية، ويعبِّر عن حاجة البلاد الإسلامية إلى التزوُّد به لتحقيق التقدم الحضاري المنشود.

وفي عام 1835م، أصبح رفاعة الطهطاوي ناظرًا لمدرسة الترجمة، التي أُنشئَت حديثًا تلبيةً لاقتراحٍ تقدَّم به الطهطاوي نفسه إلى محمد علي باشا، وتطوَّرَت المدرسة على مدى ست سنوات، واتسع مجال الدراسة فيها ليشمل الأدب، والقانون الفرنسي، والشريعة الإسلامية، والفلسفة والآداب واللغات الأوروبية، مع اهتمامٍ خاصٍّ باللغة الفرنسية.14 وشهد عام 1841م تطورَين مهمَّين؛ فقد تغيَّر اسم مدرسة الترجمة ليصبح «مدرسة الألسن والمحاسبة»، وأُنشئ «قلم الترجمة» ملحقًا بالمدرسة التي استمرَّت تحت إدارة وتوجيه رفاعة الطهطاوي، وتحدَّدَت مهمة قلم الترجمة «بمراجعة كل أعمال الترجمة»، وعُيِّن الخرِّيجون الأوائل من مدرسة الألسن مترجمين بقلم الترجمة، الذي ضم أربعة أقسام، هي: الرياضيات، والفيزياء، والطب، والآداب والعلوم الإنسانية، وقسم الترجمة التركية. وقد قام الطلاب بالترجمة كجزء من مهمة تدريبهم، كما شارك أساتذتُهم في أعمال الترجمة والمراجعة، كما التحق بقلم الترجمة عددٌ من المترجمين المحترفين، وكان حجم الأعمال التي تمَّت ترجمتُها كبيرًا؛ فقد كانت تربو على ألفَي كتاب، تمَّت ترجمتها في الفترة 1835–1848م، وتحسَّن مستوى الترجمة نتيجة الخبرة التي توفَّرت للمترجمين. ولعب رفاعة الطهطاوي دورًا رئيسيًّا في اختيار الكتب التي يتم ترجمتها وإسناد مهمة الترجمة إلى المترجمين الأكْفاء، كما راجع بنفسه بعضَ تلك الأعمال المترجَمة.15

وإلى جانب عمله، كناظر لمدرسة الألسن والمحاسبة، وقلم الترجمة، أُسنِدَت إلى الطهطاوي مهمة التفتيش على المدارس، وكان عضوًا باللجان الخاصة بالتعليم ولجان الامتحانات، ومحررًا لجريدة «الوقائع المصرية» التي كانت تُصدِرها الحكومة باللغتَين العربية والتركية، وكانت أول صحيفة تصدُر في مصر، وتتولى نشر كل ما تريد الحكومة إبلاغَه للناسِ من تعليمات وقرارات، إلى جانب بعض المقالات، وقد لعب الطهطاوي دورًا هامًّا في تحويل الصحيفة من مجرد نشرةٍ رسمية إلى صحيفةٍ أسبوعية تُحاكي الصحف الأوروبية، فأصبحَت تتضمن ركنًا للأخبار الدولية، وآخر للشئون الاقتصادية، وثالثًا للعلوم والآداب، ورابعًا للتحليل والتعليقات … فكان للطهطاوي فضل ابتكار المقالات العربية في تلك المجالات، بأسلوبٍ سهل يستطيع أن يفهمه كلُّ مَن يعرف القراءة.»16

لقد كانت أعمالُ رفاعة الطهطاوي تلبِّي رغبة الحاكم في النهوض بالبلاد عن طريق التزوُّد بمعارف الغرب وأسباب القوة والمنَعة عنده، وتعتمد على الظروف السياسية التي تمُر بها الدولة؛ ومن ثَم كان تحجيم قدرات محمد علي العسكرية، وانحسار دولته داخل حدود مصر، دافعًا لتحجيم التعليم الذي كان يستهدفُ – كما رأينا من قبلُ – إعداد الكوادر الذين تحتاج إليهم الدولة للخدمة العسكرية والمدنية، ولمَّا كانت حاجةُ الدولة إلى الكوادر قد تناقصَت تناقصًا كبيرًا، فقد انعكس ذلك سلبيًّا على التعليم، ولعل ذلك يفسِّر اتجاه خليفتَي محمد علي، عباس الأول (1848–1854م) ومحمد سعيد (1854–1863م) إلى تصفية المدارس التي أقامها محمد علي باشا نتيجة كَفِّ يد الدولة عن إدارة الاقتصاد؛ ومن ثَم تناقُص مواردها المالية تناقصًا ملحوظًا.17

ففي العامَين الأولَين من حكم عباس الأول تُركَت مدرسة الألسن لتمضي على طريق التدهور، بسبب نقص المخصصات المالية، حتى أغلقت رسميًّا عام 1851م، وأُغلق معها قلم الترجمة، وكان رفاعة الطهطاوي قد أُبعد إلى السودان عام 1850م؛ حيث عُين ناظرًا لمدرسةٍ ابتدائية أُنشئَت بالخرطوم، فكان هذا النقل في حقيقة أمره نفيًا وإبعادًا لرفاعة الطهطاوي؛ فقد كره عباس الغرب، واعتبره مسئولًا عما أصاب مشروع جدِّه (محمد علي) من انتكاس؛ ومن ثم سخطَ على أقطاب التعليم الغربي وعلوم الغرب، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي؛ فلم تكن المدرسة الابتدائية بالخرطوم ذات وجودٍ حقيقي بسبب قلة الموارد المالية عندئذٍ. وشَغَل الطهطاوي نفسَه خلال السنوات الأربع التي قضاها هناك بترجمة كتاب فينيلون «مغامرات تليماك»، فكان بذلك أول روايةٍ أوروبية تُرجمَت إلى العربية.18 كانت الرواية قد صيغت في إطار نصائحَ خُلقية كتبَها مؤلِّفها لتثقيف وتوجيه تلميذه الدوق بورجون، وتضمنَت نقدًا ضمنيًّا لاستبداد لويس الرابع عشر، وبذلك جاءت ترجمتها تنفيسًا عما في صدر الطهطاوي من ضيقٍ باستبداد عباس الأول.19

وما لبث تغيُّر الحاكم أن غيَّر الأقدار بالنسبة لرفاعة الطهطاوي؛ فعندما تولَّى محمد سعيد باشا الحكم خلفًا لعباس الأول عام 1854م، استدعى الطهطاوي إلى القاهرة ليصبح وكيلًا للمدرسة الحربية ثم ناظرًا لها، فأعاد إنشاء «قلم الترجمة» بتلك المدرسة، وأدخل في برامج الدراسة بها الأدب والرياضيات واللغات الأجنبية، ولكن المدرسة أُغلقَت عام 1861م — نتيجة اضطراب سياسات سعيد — وتم الاستغناء عن جميع معلِّميها بمن فيهم رفاعة الطهطاوي.20

ولكن ما لبث رفاعة الطهطاوي أن استعاد مكانتَه بعد عامَين؛ فقد تُوفي سعيد ليخلُفه إسماعيل باشا عام 1863م، الذي كان شديدَ الحماس للثقافة الغربية، وخاصةً الثقافة الفرنسية، فأعاد افتتاح مدرسة الألسن وقلم الترجمة، وعيَّن رفاعة الطهطاوي ناظرًا لهما، وكان من السهل عليه أن يجمع شتات تلاميذه وزملائه لتعودَ المدرسة إلى نشاطها، وتستأنف معها حركة ترجمة جديدة.

ولم يزِدْ كَمُّ الترجماتِ نتيجةً لهذه الحركة فحسب، بل اتخذَت اتجاهات، وعبَّرت عن اهتماماتٍ جديدة؛ فبالإضافة إلى الترجمات العلمية المتنوعة ترجمَت العديد من الأعمال في العلوم العسكرية، كما ترجمَت التشريعات الفرنسية؛ فقد أدى توسُّع الاستثمارات الأجنبية في مصر، وما صَحِب ذلك من ضغوطٍ لتوفير الغطاء القانوني الأوروبي لتلك المصالح المتنامية، إلى زيادة الاهتمام بالتعرُّف على القوانين الأوروبية بصورةٍ أدقَّ للاستفادة بها عند صياغة التشريع المصري الحديث. بل أوعز إسماعيل إلى الطهطاوي بتكليفِ بعضِ تلاميذه بإجراء مقارناتٍ بين الشريعة الإسلامية والقانون الفرنسي. وفي إطار ذلك تُرجمَت تشريعاتُ نابليون إلى العربية (1866م)، كما تُرجم القانون التجاري الفرنسي (1868م) واستُخدم في تلك الترجمة المصطلحات الفقهية المستمدة من الشريعة الإسلامية، فكان لتلك الترجمات القانونية أثرها على الفكر القانوني العربي الذي استوحت صياغتُه الحديثة تلك الترجمةَ الرائدة التي وضَعها الطهطاوي وتلاميذه.21

وإلى جانب إدارته لمدرسة الألسن وقلم الترجمة، كان رفاعة الطهطاوي عضوًا باللجنة التي وضعَت نظام التعليم وغيرها من اللجان المتصلة بالنهضة العلمية والنشاط الثقافي في عصر إسماعيل. ورغم ذلك اتسع وقتُ رفاعة الطهطاوي ليقدِّم المزيدَ من الإنجازات الثقافية والعلمية؛ ففي عام 1870م أُسندَت إليه مهمة تحرير مجلة «روضة المدارس» التي أصدرها ديوان المدارس، وظل رئيسًا لتحريرها حتى وفاته عام 1873م. وقد استخدم مقالاته الافتتاحية كأداةٍ لنشر أفكاره عن الحضارة ونقده لبعض العادات والتقاليد السائدة. كما نشر على صفحاتها ثلاثةً من كتبه منجَّمة أولها: «القول السديد في الاجتهاد والتجديد»، وثانيها: «رسالة البدع المتقرِّرة في الشِّيَع المُتبَربِرة» التي كانت دراسة في الحضارة، وثالثها: «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» التي كانت أول دراسةٍ حديثةٍ للسيرة النبوية وتاريخ صدر الإسلام.22

وفي نفس السنة التي تولَّى فيها مهمة تحرير «روضة المدارس» صدر للطهطاوي (1870م) عملٌ هام هو «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، الذي أعدَّه ليكون كتاب قراءة في المدارس، ولكنه كان فتحًا جديدًا في الفكر العربي الحديث، حدَّد معالم الطريق الذي يرشِّحه لمصر لتسلكه في نهضتها، وبيَّن كيفية الاستفادة بعلوم وثقافة الغرب، مع الحفاظ على ما هو إيجابي من الموروث الثقافي العربي الإسلامي، وصاغ المفاهيم الأساسية للوطن والوطنية. وفي عام 1872م نشر كتابه الثاني الهام «المرشد الأمين للبنات والبنين»، الذي أودَعه خُلاصة فكره الاجتماعي والثقافي وكان — أيضًا — كتاب قراءة في المدارس؛ ومن ثَم نستطيع أن نُدرِك مدى تأثير فكر الطهطاوي في الجيل الذي تلقَّى تعليمه في عصر إسماعيل، وتفتَّح وعيه السياسي والثقافي في عهد الاحتلال البريطاني، ولعب دورًا هامًّا في صياغة المشروع الوطني السياسي-الثقافي، في إطار التطوُّرات التي شهدتها مصر عام 1919م.

وكان كتاب «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» هو العمل الثاني الذي ساهم به رفاعة الطهطاوي في دراسة التاريخ، أما الكتاب الأول في التاريخ الذي ألَّفه الطهطاوي فكان «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل» الذي نُشر عام 1868م، وهو كتابٌ في التربية الوطنية يضع بين يدَي الشباب المصري ما يجبُ عليه أن يعرفَه عن بلاده، يتناول تاريخ مصر القديم اعتمادًا على مصادرَ أوروبية، ويتخذ من ظهور الإسلام مَعْلمًا هامًّا في تطوُّر التاريخ.23 ويُعَد هذا الكتاب أول محاولة لاستخدام مناهج البحث الحديثة في التاريخ في دراسة تاريخ مصر.

•••

ويتضح مما تقدَّم كيف كان للرائدَين العملاقَين فوكوزاوا والطهطاوي دورٌ مميز في حياة مجتمعهما السياسية والثقافية، من خلال هذه الصورة القلمية التي رسمناها لهما، وكلاهما كان مُعلِّمًا وكاتبًا ومترجمًا ورائدًا في مختلف المجالات الثقافية والتعليمية والعلمية، مبدعًا في مجال الفكر، وله باعٌ طويل في الصحافة، ولكن ذلك لا يعني تماثُل الشخصيتَين تماثُلًا تامًّا؛ فنستطيع أن نلاحظ — للوهلة الأولى — أن فوكوزاوا اعتمد في ثقافته على جهده الفردي، وكان في اتصاله بالثقافة الصينية التقليدية أو بالعلوم الهولندية أو حتى باللغة الإنجليزية اتصالًا سطحيًّا، على حين كان حظُّ صاحبه رفاعة الطهطاوي أَوفَر في الغَوص في الثقافتَين الإسلامية التقليدية من خلال دراسته في الأزهر، وكذلك الغوص في الثقافة الأوروبية من خلال أعمال مفكِّري عصر التنوير، ومن خلال تجربة المعايشة الطويلة أيام البعثة، وليس مجرد الزيارات الخاطفة على نحو ما فعل فوكوزاوا، وكان تقديمُه للمجتمع الغربي في «تخليص الإبريز» بالغ العمق مقارنةً بالعمل الذي صنع شهرة فوكوزاوا «أمور غربية».

وعلى حين كان الطهطاوي وما حقَّقه من إنجازات من نتاج مشروع النهضة الذي تبنَّاه الحاكم الفرد سواء كان هذا الحاكم محمد علي أو حفيده إسماعيل؛ ومن ثَم تأثَّر دوره امتدادًا وانحسارًا حسب تقلُّب الأحوال السياسية واختلاف مشارب الحكام، نجد فوكوزاوا يحتفظ لنفسه بالاستقلال التام عن السلطة، ويصرف جهوده لإقامة مشروعه التعليمي الخاص، وصحيفته الخاصة، ويعيش من عائد مؤلَّفاته التي درَّت عليه الكثير بسبب ارتفاع نسبة القُراء في اليابان ومحدودية نسبة الأمية التي تلاشت تمامًا عند نهاية القرنِ التاسعَ عشر، وبذلك أُتيحَت لفوكوزاوا فرصة الحركة الحرة والاختيار الحر التي لم تُتَح للطهطاوي.

............................................................

(1) انظر: حلية الزمن بمناقب خادم الوطن رفاعة بك رافع الطهطاوي، القاهرة، 1958م. التراجم الأخرى لرفاعة الطهطاوي يمكن مراجعتها في: إبراهيم عبده، تاريخ الوقائع المصرية، ط3، القاهرة، 1942م؛ عبد اللطيف حمزة، أدب المقالة الصحفية في مصر، ج1، ط3، القاهرة 1958م؛ جمال الدين الشيال: التاريخ والمؤرخون في مصر في القرن التاسع عشر، القاهرة، 1958م؛ ولنفس المؤلف: تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي، القاهرة، 1951م؛ وكذلك رفاعة الطهطاوي زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي، القاهرة، 1946م؛ أحمد بدوي، رفاعة الطهطاوي بك، القاهرة، 1946م؛ حسين فوزي النجار، رفاعة الطهطاوي، رائد فكرة وإمام نهضة، أعلام العرب 53، القاهرة، د.ت.

(2) صالح مجدي، ص23، و220.

(3) حسن العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، القاهرة، د.ت، ج2، ص225-226.

(4) حسن العطار، حاشية على شرح الخبيصي، القاهرة، د.ت، ص258.

(5) صالح مجدي، ص25.

(6) نفس المرجع، ص29، و39.

(7) Hourani, Albert, Arabic Thought in the Liberal Age 1798–1939, Oxford Univ. Press, 1962, p. 25.

(8) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص189، 319، 336.

(9) صالح مجدي، ص36؛ جمال الدين الشيال، تاريخ الترجمة، ص32.

(10) Abu-Lughod, Ibrahim, Arab Rediscovery of Europe, Princeton Press, 1963, pp. 50-51.

(11) Ibid., pp. 77-78.

(12) Hourani, Albert, p. 71.

(13) الطهطاوي: تخليص الإبريز، ص2.

(14) للمزيد من التفاصيل حول مدرسة الألسن راجع: أحمد عزت عبد الكريم، تاريخ التعليم في عصر محمد علي، ص319–344.

(15) المرجع السابق، ص339؛ الشيال، المرجع السابق، ص147.

(16) إبراهيم عبده، المرجع السابق، ص34، 48-49.

(17) أحمد عزت عبد الكريم، ص58؛ Abu-Lughod, pp. 42-3.

(18) الشيال، المرجع السابق، 142–144.

(19) Hourani, Albert, op. cit., pp. 73-4.

(20) محمود فهمي حجازي، أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، القاهرة، 1974م، ص30.

(21) Abu-Lughod, pp. 42–44.

(22) محمود فهمي حجازي، المرجع السابق، ص31-32.

(23) Hourani, Albert, op. cit., p. 80.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد