الحقيقة الادراكية للمكونات الدلالية The 'cognitive reality' of semantic components لقد جاءت اهم الابحاث المنشورة لحد الان في حقل علم الدلالة المكوناتي ليس من الفلاسفة واللغويين بل من الانثروبولوجين فقد اولى هؤلاء في الآونة الاخيرة عناية ملحوظة لما اطلقوا عليه الرجاحة الادراكية cognitive validity او الحقيقة للمكونات الدلالية لقد كانت هذه المسالة بالذات في ذهننا حينما قلنا سابقا ان علينا ان نفحص ما قصد بـ صحيح في سياق التحليل المكوناتي (2-5-1).
وتشير الكثير من المناقشة الانثرولوجية الى تحليل مفردات القرابة في لغات متعددة فلقد تبين على سبيل المثال ان بالا مكان أن تحليل مفردات القرابة الاكثر شيوعا " في اللغة الانكليزية وبصورة خاصة يمكن اعتبار أخ وأخت على انهما تمتلكان نفس1 المكون خط مباشر للتحدر ، مثل آب وأم ، أو ابن وبنت ، كمقابل لـ ابن عم ( او ابنة العم ) التي تتقاسم الكون غير مباشر مع عم وعمة ، ومع ابن أخ وبنت أخ ، وبالمثل يمكن تحليل أخ وأخت على انهما تمتلكان نفس المكون الانحدار المشترك co-lineal مثل عم وعمة ، وابن اخ وبنت اخ ، مقارنة بـ ابن عم التي تمتلك المكون متقاطع الانحدار ab-lineal . والسؤال هو اي من التحليلات الممكنة المنددة صائب ان كان هناك تحليل صائب ان كل واحد من هذه التحليلات متساوق الاجزاء self-consistent (1) وكل واحد منها يميز كل عضو في النظام المعجمي عن كل عضو آخر في النظام كما ان كل واحد منها تنبئ بمعنى انه يزود الا نثروبولوجي بوسيلة يقرر فيها بخصوص أي عضو في العائلة نوع علاقته بالأعضاء الآخرين في العائلة بلغة النظام المعجمي ولكن كل واحد من التحليلات المقترحة يرتكز على مجموعة مختلفة. من المعادلات التناسبية
فأما أب أم = ابن – بنت = أخ = أخت
أو عم ـ عمة = ابن اخ ـ بنت اخ = آخ- أخت
لذلك فالرجاحة الادراكية لمجموعة واحدة من التناسبات دون الاخرى هي التي يجبان تقرر مسألة الصحة (ان كانت هذه المسألة قابلة للتقرير حقا وبقدر ما يتعلق الامر بالتحليل الانثروبولوجي للقرابة فان الرجاحة الادراكية لتناسب معین تقرر على ما يبدو بواسطة المنزلة الاجتماعية والادوار المخصصة لفئات مختلفة من اقرباء العائلة في المجتمع وقد ينعكس ذلك ايضا على السليقة اللغوية لا فراد المجتمع غير انا نستطيع ايضا ان ننظر في مسألة الصحة من وجهة نظر لغوية اكثر تشددا لترجع لهذه الغاية الى المثال المبسط للتحليل المكوناتي الذي بدأنا به هذا الجزء لقد افترضنا رجاحة التناسبات التالية
رجل ـ امرأة ــ طفل = ثور ـ بقرة ـــ عجل
ثور – بقرة ـ عجل - ديك ـ دجاجة ـ فروج
فعلى أساس هذه التناسبات استخلصنا المكونات (ذكر) مقابل (انثى)، ( بالغ ) مقابل ( غير بالغ ) ( بشري مقابل ( بقري ) و( فرسي) و000 (خروف). وقد نسأل الآن عن المنزلة اللغوية لهذه المكونات. سيبدو للوهلة الاولى أن التضاد بين المكونات المتضاربة (ذكر) و (انثى) مقنع بما فيه الكفاية فاذا عرفنا أن شخصا ما مخلوق بشري بالغ ذكر فأننا نعرف ان كلمة رجل وليس امرأة أو طفل تنطبق عليه بصورة مناسبة واذا عرفنا أن طيرا د اجنا معينا هو انثى بالغة من فصيلة معينة فسنعرف ان دجاجة وليس ديك أو فروج هي اللفظة الملائمة للإشارة اليه وهكذا وقد يقول المرء ان التفريق بين رجل وامرأة وديك ودجاجة الخ بالاعتماد على جنس مشا راتها يعطي الافضلية لواحدة فقط من المميزات العديدة المهمة لغويا فأن سأل امرؤ ما طفلا يافعا (تكون معظم تفوهاته مقبولة تماما وتظهر أي التفوهات - نفس العلاقات الدلالية على قدر الامكان التي تظهرها تفوهات من يكبرونه سنا) عن الفرق بين الرجال والنساء فان الطفل قد يجيب بدرج مجموعة كاملة من الخصائص النموذجية ــ نوع الملابس التي يرتدونها كيف يطلقون شعرهم وما اذا كانوا يذهبون الى العمل أو يلزمون البيت ويرعون الاطفال الخ وقد يقترح هذا الطفل مجموعة من المعايير ليست لها اية صلة للتمييز بين الديك والدجاجة أو الثور و البقرة وهلم جرا والسؤال الان لماذا يفترض المرء ان الجنب هو المعيار الوحيد حتى في كلام الراشدین والی اي مدی يصح القول ان امرأة طفل تعادل بقرة - عجل وتعادل دجاجة - فرج ..الخ من الواضح أن هناك صنفا معينا من الجمل يمكن تفسير امكانية تقبلها او عدم تقبلها دلاليا بموجب هذه المعادلة التناسبية : تلك المرأة هي هذا الطفل تلك الدجاجة ام هذا الفروج وهكذا مقابل ذلك الرجل هو ام هذا الطفل تلك المرأة هي اب هذا الطفل تلك المرأة هي ام هذا العجل الخ وتتحدد الظاهرة القواعدية لصنف الاسماء في الانكليزية الى حد ما بجنس المشار (2) ولكن هذا لا يعني ان ( ذكر ) و ( انثى) هما السمتان الدلالي الوحيدتان اللتان تيزان بين المصطلحات المتباينة رجل مقابل امرأة ثور مقابل بقرة الخ وتكون حالة بعض المكونات مثل (بالغ) مقابل (غير بالغ) أکثر غموضا فمرة اخرى هناك مجموعات مثل التراكيب المقبولة أو غير المقبولة دلاليا التي يمكن تفسيرها بموجب هذا التقابل الا ان هناك تركيبات اخرى لا يمكن تفسيرها بموجبه.
ان المشكلة دون شك تتعلق بمشكلة الحقيقة الادراكية لدى الا نثرو بولوجي لننظر على سبيل المثال في مجتمع يكون فيه دور الرجال والنساء مختلف جدا الى درجة ان هناك القليل جدا من النشاطات التي يشارك كلاهما فيما لنفرض الان ان هناك مفردتين معجميتين مفردات تلك اللغة يمكن ترجمتها الى الانكليزية بـ man, women على اساس اشاراتهما الى مخلوقات بشرية بالغة مذكرة ومخلوقات بشرية بالغة مؤنثة على التوالي ويستطيع اللغوي عند معرفة هذه الحقيقة بشأن إشارة هاتين المفردتين المعجمتين ان يطبق هذين المصطلحات على الرجال والنساء بصورة صحيحة وسيكون واثقا ان ترجمة جعل انكليزية مثل The man gave birth to a child ولد الرجل طفلا (على افتراض ان في تلك اللغة ما يمكن ترجمته بدقة الـ gave birth to أي ولد أو انجب) ستكون غير مقبولة دلاليا الا انه يمكن ان تكون هناك سلسلة ضخمة من جعل اخرى بضمنها طبخ الرجل وجبة غذاء واشعلت المرأة نارا وما شابه قد لا تكون مقبولة على حد سواء ان خصوصياتنا الحضارية وتصنيفنا الخاص بنا للعالم المادي يجب ان لا يؤخذا كأساس لتحليل حضارات أو لغات المجتمعات الاخرى او لتحليل أي نظام مفهومي مزعوم على انه جزء من التركيب الادراكي للعقل البشرى بشكل عام وهناك نقطة أخرى مهمة ان من المحاذير المصاحبة للتحليل المكوناتي أنه يميل الى اهمال الاختلاف في مدى تردد العناصر المعجمية ( وبالتالي مدى مركزيتها في المفردات ) والاختلاف بين العناصر المعجمية والمكونات الدلالية فغالبا ما نسمع مثلا آن اخ واخت يمكن استبد الهما بالمراد فين female sibling ,male sibling (3) الا ان هذا صحيح فقط في سياق المناقشة الانثروبولوجية فالكلمتان brother اخ و sister آخت شائعتان جدا ويعرفهما على الأرجح كل الناطقين بالانكليزية في حين أن كلمة sibling هي مصطلح فني صيغ خصيصا للانثروبولوجيين ويحتمل أن يكون غير معروف لدى معظم الناطقين بالا نكليزية وحقيقة ان ليس هناك اساس مجموعي مشترك للمتباينتين brother, sister هي دليل قاطع على ان التضاد بين اللفظتين دلاليا أهم مما هو مشترك بينهما وبالمثل هو فحقيقة أن هنالك مصطلح حصان الذى له متواصلان هما المتباينتان جواد (للذكر ) وفرس (للأنثى) هي ذات صلة بتحليل تركيب المفردات ان اية نظرية دلالية تدعونا للاعتقاد بأن عبارة فيل ذكر بالغ تترابط مع فيل بنفس العلاقة الدلالية التي تترابط بها كلمة جواد مع حصان لن تكون نظرية مرضية .
ان النظريات المكوناتية لعلم الدلالة لن تقع بالضرورة ضحية لنواقص من هذا النوع إلا أنه كان هناك اهتمام قليل جدا بمناقشة العلاقة بين المفردات المعجمية مثل ذكر أو بالغ وبين مكونات دلالية مل ( ذكر ) أو ( بالغ ) كما لا يستطيع المرء ان يتفادى التشكك في ان المكونات الدلالية تفسر على اساس الفهم الحدسي للغوي للعناصر المعجمية التي يستخدمها لوصف هذه المكونات .
________________
(1) أي له نظامه الخاص به
(2) من المعروف ان صنف الاسم في الانكليزية هو مذكر ومؤنث ومحايد والمقصود هنا ان جنس المشار (رجل، امرأة) يلعب دوره في تحديد الصنف.
(3) إن كلمة.brother, في الانكليزية تجمع بين sister sibling .