

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
شرح الأبيات (639 ــ 641)
المؤلف:
شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي
المصدر:
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي
الجزء والصفحة:
ج3، ص 158 ــ 166
2026-02-07
385
[التَّسْمِيعُ بِقِرَاءَةِ اللَّحَّانِ وَالْمُصَحِّفِ]
(639) وَلْيَحْذَرِ اللَّحَّانَ وَالْمُصَحِّفَا ... عَلَى حَدِيثِهِ بِأَنْ يُحَرَّفَا
(640) فَيُدْخِلَا فِي قَوْلِهِ مَنْ كَذَبَا ... فَحَقٌّ النَّحْوُ عَلَى مَنْ طَلَبَا
(641) وَالْأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لَا الْكُتُبِ ... أُدْفَعُ لِلتَّصْحِيفِ فَاسْمَعْ وَادْأَبِ
[حُكْمُ اجْتِنَابِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ]:
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: (التَّسْمِيعُ) مِنَ الشَّيْخِ (بِقِرَاءَةِ اللَّحَّانِ وَالْمُصَحِّفِ)، وَالْحَثُّ عَلَى الْأَخْذِ مِنْ أَفْوَاهِ الشُّيُوخِ: (وَلْيَحْذَرِ) الشَّيْخُ الطَّالِبَ (اللَّحَّانَ) بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، أَيِ: الْكَثِيرَ اللَّحْنِ فِي أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا لِيَحْذَرِ (الْمُصَحِّفَا) فِيهَا وَفِي أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ، وَلَوْ كَانَ لَا يَلْحِنُ (عَلَى حَدِيثِهِ بِأَنْ يُحَرِّفَا) أَيْ: خَوْفَ التَّحْرِيفِ فِي حَرَكَاتِهِ أَوْ ضَبْطِهِ (مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا) فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ (فَيُدْخِلَا) أَيِ: الشَّيْخُ، وَكَذَا الطَّالِبُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (فِي) جُمْلَةِ (قَوْلِهِ) صلى الله عليه [وآله] وسلم (مَنْ كَذَبَا) أَيْ: (كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ.
قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الْأَصْلِ مُعْرَبَةً، يَتَأَكَّدُ الْوَعِيدُ مَعَ اخْتِلَالِ الْمَعْنَى فِي اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ. وَإِلَى الدُّخُولِ أَشَارَ الْأَصْمَعِيُّ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ فَقَدْ كَذَبْتَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سَالِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ هُبَيْرَةَ الْأَكْبَرِ، فَجَرَى ذِكْرُ الْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا اسْتَوَى رَجُلَانِ دِينُهُمَا وَاحِدٌ وَحَسَبُهُمَا وَاحِدٌ وَمُرُوءَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، أَحَدُهُمَا يَلْحَنُ، وَالْآخَرُ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّ أَفْضَلَهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الَّذِي لَا يَلْحِنُ.
فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، هَذَا أَفْضَلُ فِي الدُّنْيَا لِفَضْلِ فَصَاحَتِهِ وَعَرَبِيَّتِهِ، أَرَأَيْتَ الْآخِرَةَ مَا بَالُهُ أَفْضَلُ فِيهَا؟ قَالَ: إِنَّهُ يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَإِنَّ الَّذِي يَلْحِنُ يَحْمِلُهُ لَحْنُهُ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيُخْرِجَ مَا هُوَ فِيهِ. فَقُلْتُ: صَدَقَ الْأَمِيرُ وَبَرَّ. وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ لِإِنْسَانٍ: إِنْ لَحَنْتَ فِي حَدِيثِي فَقَدْ كَذَبْتَ عَلَيَّ. فَإِنِّي لَا أَلْحَنُ. وَصَدَقَ، فَإِنَّهُ كَانَ مُقَدَّمًا فِي ذَلِكَ، بِحَيْثُ إِنَّ سِيبَوَيْهِ شَكَى إِلَى الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ فِي رَجُلٍ رَعُفَ، - يَعْنِي بِضَمِ الْعَيْنِ عَلَى لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ - فَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَخْطَأْتَ، إِنَّمَا هُوَ رَعَفَ - يَعْنِي بِفَتْحِهَا - فَقَالَ لَهُ الْخَلِيلُ: صَدَقَ، أَتَلْقَى بِهَذَا الْكَلَامِ أَبَا أُسَامَةَ؟ وَهُوَ مِمَّا ذُكِرَ فِي سَبَبِ تَعَلُّمِ سِيبَوَيْهِ الْعَرَبِيَّةَ، وَيُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَيْضًا كَانَتْ سَبَبًا لِتَعَلُّمِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ شُيُوخِ حَمَّادٍ هَذَا لَهَا.
كَمَا رُوِّينَا فِي (الْعِلْمِ) لِلْمَوْهِبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَأَلَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَقُولُ فِي " رَعُفَ "؟ فَقَالَ: وَمَا " رَعُفَ "؟ أَتَعْجِزُ أَنْ تَقُولَ: رَعَفَ؟ فَاسْتَحَى ثَابِتٌ وَطَلَبَ الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى قِيلَ لَهُ مِنَ انْهِمَاكِهِ فِيهَا: ثَابِتٌ الْعَرَبِيُّ.
وَكَذَا كَانَ سَبَبُ اشْتِغَالِ أَبِي زَيْدٍ النَّحْوِيِّ بِهِ لَفْظَةً، فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهُ: ادْنُهْ. فَقَالَ: أَنَا دَنِيٌّ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تَقُلْ: أَنَا دَنِيٌّ. وَلَكِنْ قُلْ: أَنَا دَانٍ.
وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الدُّخُولِ فِي الْوَعِيدِ مَنْ قَرَأَ الْحَدِيثَ بِالْأَلْحَانِ وَالتَّرْجِيعِ الْبَاعِثِ عَلَى إِشْبَاعِ الْحَرْفِ الْمُكْسِبِ لِلَّفْظِ سَمَاجَةً وَرَكَاكَةً، فَسَيِّدُ الْفُصَحَاءِ صلى الله عليه [وآله] وسلم بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ... .
[وُجُوبُ تَعَلُّمِ عِلْمِ النَّحْوِ]:
وَلِلْخَوْفِ مِنَ الْوَعِيدِ (فَحَقٌّ النَّحْوُ) يَعْنِي: الَّذِي حَقِيقَتُهُ عِلْمٌ بِأُصُولٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنَ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وُضِعَتْ حِينَ اخْتِلَاطِ الْعَجَمِ وَنَحْوِهِمْ بِالْعَرَبِ، وَاضْطِرَابِ الْعَرَبِيَّةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، يُعْرَفُ بِهَا أَحْوَالُ الْكَلِمَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا، وَكَذَا اللُّغَةُ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمَعَانِي لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَيْهَا تَكَلُّمًا، (عَلَى مَنْ طَلَبَا) الْحَدِيثَ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ عَنْ شَيْنِ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَاخِرِ (الْقَوَاعِدِ): الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ، فَالْوَاجِبَةُ كَالِاشْتِغَالِ بِالنَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِذَلِكَ، فَيَكُونُ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ. وَلِذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: (النَّحْوُ فِي الْعِلْمِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَسْتَغْنِي شَيْءٌ عَنْهُ).
ثُمَّ قَالَ الْعِزُّ: وَكَذَا مِنَ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ شَرْحُ الْغَرِيبِ، وَتَدْوِينُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ. يَعْنِي بِذَلِكَ عِلْمَ الْحَدِيثِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُحَرَّمَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ وَالْمُبَاحَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ - يَعْنِي مَا ذَكَرَ فِي الْمُبَاحَةِ - مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى. وَكَذَا صَرَّحَ غَيْرُهُ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا.
لَكِنْ لَا يَجِبُ التَّوَغُّلُ فِيهِ، بَلْ يَكْفِيهِ تَحْصِيلُ مُقَدِّمَةٍ مُشِيرَةٍ لِمَقَاصِدِهِ بِحَيْثُ يَفْهَمُهَا وَيُمَيِّزُ بِهَا حَرَكَاتِ الْأَلْفَاظِ وَإِعْرَابِهَا، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ فَاعِلٌ بِمَفْعُولٍ، أَوْ خَبَرٌ بِأَمْرٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْخَطِيبُ قَالَ فِي (جَامِعِهِ): (إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّحْنَ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ دُرْبَةِ النَّحْوِ، وَمُطَالَعَتِهِ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ)، ثُمَّ سَاقَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ يَتَّقِي مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي).
وَمِمَّنْ أَشَارَ لِذَلِكَ شَيْخُنَا فَقَالَ: وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي مَنْ يُرِيدُ قِرَاءَةَ الْحَدِيثَ أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ أَلَّا يَلْحِنَ.
وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمَا رُوِّينَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمَرُونَ، أَوْ قَالَ الْقَائِلُ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ الْفَرَائِضَ، ثُمَّ الْعَرَبِيَّةَ الْحُرُوفَ الثَّلَاثَةَ. وَفَسَّرَهَا بِالْجَرِّ وَالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوَغُّلَ فِيهِ قَدْ يُعَطِّلُ عَلَيْهِ إِدْرَاكَ هَذَا الْفَنِّ الَّذِي صَرَّحَ أَئِمَّتُهُ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَقُ إِلَّا بِمَنْ قَصَرَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَضُمَّ غَيْرَهُ إِلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ فَارِسٍ فِي جُزْءِ "ذَمِّ الْغِيبَةِ": إِنَّ غَايَةَ عِلْمِ النَّحْوِ وَعِلْمِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهُ أَنْ يَقْرَأَ فَلَا يَلْحَنَ، وَيَكْتُبَ فَلَا يَلْحَنَ، فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ، فَمَشْغَلَةٌ عَنِ الْعِلْمِ وَعَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا مِنْ مِثْلِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيِّ: (النَّحْوُ فِي الْعُلُومِ كَالْمِلْحِ فِي الْقِدْرِ، إِذَا أَكْثَرْتَ مِنْهُ صَارَ الْقِدْرُ زُعَاقًا).
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ لِلدِّينِ، وَعِلْمٌ لِلدُّنْيَا، فَالَّذِي لِلدِّينِ الْفِقْهُ، وَالْآخَرُ الطِّبُّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ وَالنَّحْوِ فَهُوَ عَنَاءٌ وَتَعَبٌ. رَوِّينَاهُ فِي "جُزْءِ ابْنِ حَكَمَانَ"، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَالُ مَنْ وُصِفَ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِاللَّحْنِ، كَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَسِيِّ، وَعَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَهُشَيْمٍ، وَوَكِيعٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيِّ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَبْدَانُ حَالَ تَحْدِيثِهِ وَابْنُ سُرَيْجٍ يَسْمَعُ: "مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يَجِبْ". بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَرَأَيْتَ أَنْ تَقُولَ: يُجِبُ. يَعْنِي: بِضَمِّهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ، وَعَجِبَ مِنْ صَوَابِ ابْنِ سُرَيْجٍ، كَمَا عَجِبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ خَطَئِهِ فِي آخَرِينَ مِمَّنْ لَا أُطِيلُ بِإِيرَادِ أَخْبَارِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جُزْءٍ فِي ذَلِكَ، وَإِلَيْهِمْ أَشَارَ السِّلَفِيُّ لَمَّا اجْتَمَعَ بِأَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَذَّاءِ الْقَيْسِيِّ الصَّقَلِّيِّ بِالثَّغْرِ، وَالْتَمَسَ مِنْهُ السَّمَاعَ وَتَعَلَّلَ بِأُمُورٍ عُمْدَتُهُ فِيهَا التَّحَرُّزُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ قِرَاءَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ كَانَ فِي الرُّوَاةِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ قَوْمٌ، وَاحْتُجَّ بِرِوَايَاتِهِمْ فِي الصِّحَاحِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْطِئَتُهُمْ وَتَخْطِئَةُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ) . وَسَبَقَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي (الْكِفَايَةِ) مِنْ طَرِيقِهِ: إِنَّهُ لَا يُعَابُ اللَّحْنُ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ، وَقَدْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ يَلْحَنُ وَسُفْيَانُ. وَذَكَرَ ثَالِثًا. ثُمَّ قَالَ: وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ.
وَقَالَ السِّلَفِيُّ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَادِشٍ الْحَنْبَلِيِّ: إِنَّهُ كَانَ قَارِئَ بَغْدَادَ، وَالْمُسْتَمْلَى بِهَا عَلَى الشُّيُوخِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ كَثِيرُ السَّمَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أُنْسٌ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يَلْحَنُ لَحْنَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّدَفِيُّ: أَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ الْحَافِظُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْقَاضِي أَبِي الطَّاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ الذُّهْلِيِّ كِتَابَ (الْعِلْمِ) لِيُوسُفَ الْقَاضِي، فَلَمْا فَرَغْتُ قُلْتُ لَهُ: قَرَأْتُهُ عَلَيْكَ كَمَا قَرَأْتَهُ أَنْتَ. قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا اللَّحْنَةَ بَعْدَ اللَّحْنَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْقَاضِي، أَفَسَمِعْتَهُ أَنْتَ مُعْرَبًا؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: هَذِهِ بِهَذِهِ، وَقُمْتُ مِنْ لَيْلَتِي فَجَلَسْتُ عِنْدَ ابْنِ الْيَتِيمِ النَّحْوِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَدَّادِ الْفَقِيهُ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ حَرْبَوَيْهِ جُزْءًا مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، فَلَمْا قَرَأْتُ قُلْتُ: قَرَأْتُ كَمَا قُرِئَتْ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا الْإِعْرَابَ، فَإِنَّكَ تُعْرِبُ، وَمَا كَانَ يُوسُفَ يُعْرِبُ.
وَفِي (اللُّقَطِ) لِلْبَرْقَانِيِّ، وَعَنْهُ رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي (الْكِفَايَةِ) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ اللَّحْنِ فِي الْحَدِيثِ - يَعْنِي إِذَا لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى - فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ الذَّمِّ الشَّدِيدِ لِمَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُبْصِرِ الْعَرَبِيَّةَ، كَقَوْلِ شُعْبَةَ: إِنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ وَلَيْسَ لَهُ رَأْسٌ. وَقَوْلِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: إِنَّهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ لَا شَعِيرَ فِيهَا. الَّذِي نَظَمَهُ جَعْفَرٌ السَّرَّاجُ شَيْخُ السِّلَفِيِّ فِي قَوْلِهِ:
مَثَلُ الطَّالِبِ الْحَدِيثَ وَلَا ... يُحْسِنُ نَحْوًا وَلَا لَهُ آلَاتُ
كَحِمَارٍ قَدْ عُلِّقَتْ لَيْسَ فِيهَا ... مِنْ شَعِيرٍ بِرَأْسِهِ مِخْلَاتُ
فَذَاكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهَا عَمَلٌ أَصْلًا، عَلَى أَنَّ رُبَّ شَخْصٍ يَزْعُمُ مَعْرِفَتَهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ إِنْ قَرَأَ لَحَّنَهُ النُّحَاةُ، وَخَطَّأَهُ لِتَصْحِيفِهِ الرُّوَاةُ، فَهُوَ كَمَا قِيلَ:
هُوَ فِي الْفِقْهِ فَاضِلٌ لَا يُجَارَى ... وَأَدِيبٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأُدَبَاءِ
لَا إِلَى هَؤُلَاءِ إِنْ طَالَبُوهُ ... وَجَدُوهُ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
وَقَدْ كَانَ لِعَمْرِو بْنِ عَوْنٍ الْوَاسِطِيِّ مُسْتَمْلٍ يَلْحَنُ كَثِيرًا فَقَالَ: أَخِّرُوهُ. وَتَقَدَّمَ إِلَى وَرَّاقٍ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْأَدَبِ وَالشِّعْرِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ يُصَحِّفُ فِي الرُّوَاةِ كَثِيرًا، فَقَالَ عَمْرٌو: رُدُّونَا إِلَى الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَلْحَنُ فَلَيْسَ يَمْسَخُ. وَنَحْوُ هَذَا الصَّنِيعِ تَرْجِيحُ شَيْخِنَا مَنْ عَرَفَ مُشْكِلَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُتُونِ دُونَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ فَقَطْ.
[سَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنَ اللَّحْنِ]:
(وَالْأَخْذُ) لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَلْفَاظِ (مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)؛ أَيِ: الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ الضَّابِطِينَ لَهُ مِمَّنْ أَخَذَهُ أَيْضًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ شُيُوخِهِ، وَهَلُمَّ جَرًّا، (لَا) مِنْ بُطُونِ (الْكُتُبِ) أَوِ الصُّحُفِ مِنْ غَيْرِ تَدْرِيبِ الْمَشَايِخِ.
(أَدْفَعُ لِلتَّصْحِيفِ) وَأَسْلَمُ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، (فَاسْمَعْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ مَا أَقُولُهُ لَكَ، (وَادْأَبِ) أَيْ: جِدَّ فِي تَلَقِّيهِ عَنِ الْمُتْقِنِينَ الْمُتَّقِينَ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا تَأْخُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ، وَلَا الْعِلْمَ مِنْ صُحُفِيٍّ. وَقَالَ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ: لَا يُفْتِي النَّاسَ صُحُفِيٌّ، وَلَا يُقْرِئُهُمْ مُصْحَفِيٌّ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
وَمِنْ بُطُونِ كَرَارِيسَ رِوَايَتُهُمْ ... لَوْ نَاظَرُوا بَاقِلًا يَوْمًا لَمَا غَلَبُوا
وَالْعِلْمُ إِنْ فَاتَهُ إِسْنَادُ مُسْنِدِهِ ... كَالْبَيْتِ لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَلَا طُنُبُ
فِي أَهَاجِي كَثِيرَةٍ لِلْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ أَوْرَدَ مِنْهَا الْعَسْكَرِيُّ فِي (التَّصْحِيفِ) نُبْذَةً، وَكَذَا أَوْرَدَ فِيهِ مِمَّا مُدِحَ بِهِ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ: لَا يَهِمُ الْحَاءَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْخَاءِ وَلَا يَأْخُذُ إِسْنَادَهُ مِنَ الصُّحُفِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَمَّا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه [وآله] وسلم.
وَقَالَ لَهُ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: (إِنَّ فِي الْحِكْمَةِ كَذَا -: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه [وآله] وسلم وَتُحَدِّثُنِي عَنِ الصُّحُفِ).
لِذَلِكَ، وَرُوِّينَا فِي (مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ) عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا زَالَ هَذَا الْعِلْمُ عَزِيزًا يَتَلَقَّاهُ الرِّجَالُ حَتَّى وَقَعَ فِي الصُّحُفِ، فَحَمَلَهُ أَوْ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ.
إِذَا عُلِمَ هَذَا فَاللَّحْنُ - كَمَا قَالَ صَاحِبُ (الْمَقَايِيسِ): - بِسُكُونِ الْحَاءِ، إِمَالَةُ الْكَلَامِ عَنْ جِهَتِهِ الصَّحِيحَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، يُقَالُ: لَحَنَ لَحْنًا. قَالَ: وَهُوَ عِنْدَنَا مِنَ الْكَلَامِ الْمُوَلَّدِ؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ، وَاللَّحَنُ بِالتَّحْرِيكِ الْفِطْنَةُ، يُقَالُ: لَحَنَ لَحْنًا فَهُوَ لَحِنٌ وَلَاحِنٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ».
وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ مِثْلَهُ وَقَالَ: يُقَالُ فِي الْفِطْنَةِ: لَحِنَ بِكَسْرِ الْحَاءِ يَلْحَنُ بِفَتْحِهَا، وَفِي (الزَّيْغِ عَنِ الْإِعْرَابِ): لَحَنَ بِفَتْحِ الْحَاءِ.
الاكثر قراءة في علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)