الإذاعة المسموعة والمرئية والقضايا اللغوية:
العوامل التي أدت إلى تطور اللغة في وسائل الإعلام:
تشكل الإذاعة والتليفزيون واقعاً جديداً في الحياة، حيث لهما تأثيراً واسعاً بفضل ثلاثة عوامل تتابع ظهورها وانتشارها في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي:
- ثورة الترانستور اعتباراً من 1960 على نحو جعل جهاز الراديو رخيصاً ودقيقاً في الالتقاط وخفيفاً وواسع الانتشار عند الأفراد في كل أنحاء العالم وفي مواقع نائية في القرى والجبال والجزر الصغيرة.
- انتشار التليفزيون في أكثر دول العالم، وبذلك حدث ما لم يكن متخيلاً من قبل.
- النقل عن طريق الأقمار الصناعية، وبذلك تم تجاوز الحدود المكانية، وأصبحت المتطلبات اللغوية غير محلية.
إن وسائل الإعلام والتقنيات الجديدة كلها تمثل في الحياة اللغوية المعاصرة العامل الجديد الذي أضيف إلى المؤثرات المعروفة في التاريخ، فأهمية وسائل الإعلام متزايدة وأخذت بعض الدراسات الميدانية تقارن ساعات وجود التلميذ في المدرسة على مدى عام كامل بساعات تعرضه للمؤثرات الإعلامية، ولاحظت أنها في بعض الدول تصل إلى ضعف ساعات التعليم النظامي، وفوق هذا فإن أسرة الوسائل Media Family تضم:
- التصوير (اعتباراً من سنة 1826).
- السينما الصامتة (اعتباراً من سنة 1896).
- السينما الناطقة (اعتباراً من سنة 1928).
- التسجيلات الصوتية (اعتباراً من سنة 1877).
- الحاسبات.
لقد زادت أهمية السينما في الاستخدام اللغوي من خلال الحوار في أفلام الحركة ومن خلال صياغة المعلومات في الأفلام الوثائقية، فقد كانت جريدة مصر الناطقة مثالاً حياً لاستخدام العربية الإذاعية الراقية مع الصور الحية في تقديم أهم أحداث الأسبوع وقد وصل التقدم في الحاسبات وظهور أنماط جديدة من الوسائل، مثل: الصحيفة الإلكترونية والخدمات المختلفة من خلال شبكات المعلومات، ودخول تعليم الحاسب الآلي في مناهج التعليم إلى درجة عالية من التكامل في شكل ما يعرف بالتقنيات المتعددة Multimedia، وتتضمن في الوقت نفسه الصور والرسوم واللغة المكتوبة واللغة المنطوقة والموسيقا.
وقد اتضح من تاريخ وسائل الإعلام أن لها تأثيراً لغويّاً متزايداً يرتبط بزيادة عدد المتلقين، فقد ازداد انتشار أجهزة الراديو في كل دول العالم، وكانت هذه الأجهزة مقصورة في الربع الأول من القرن العشرين على بعض الأفراد في الدول المتقدمة ولأغراض تتصل بالدولة، فأصبحت متاحة لآلاف الملايين في كل القارات، وبذلك أصبحت الإذاعة تمثل واقعاً لغويّاً جديداً.
إن الإضافة المهمة التي قدّمتها الإذاعة تتصل بالأداء اللغوي المنطوق، فقد أفادت الخبرات الأوربية من تقاليد المسرح الراقي في العناية بالنطق ومن التوجه المجتمعي عند المثقفين على وجه الخصوص، إلى أن يكون النطق الإذاعي ممثلاً للنطق الصحيح وأن تكون اللغة منتقاة وراقية.
وهكذا أصبح الأداء اللغوي للإنجليزية في الإذاعة البريطانية مثالاً للدقة في الأداء، وظلت العناية بالأداء اللغوي المنطوق للألمانية سمة مشتركة في كل الإذاعات الألمانية، ولكن تنوع المواد المقدّمة بين أخبار وأحاديث وتعليقات من جانب ومسلسلات وحوار من جانب آخر جعل قدراً من التنوع مسموحاً به، وأخذت أكثر الإذاعات العربية بهذا التوجه، وبدأت في إعداد لغوي للمذيعين ومقدمي البرامج، ولكنه اقتصر عليهم، ولم يصل بعد إلى موقف عام يتمثل في سياسة لغوية معلنة.
لقد بدأ عهد التليفزيون في العالم العربي منذ نحو أربعين عاماً، وأخذ من الإذاعة تقاليدها اللغوية السليمة في الأخبار والتعليقات وما يتصل بهما ، ولكن اعتماد التليفزيون على الأفلام وعلى الإعلانات وعلى المسلسلات واهتمامه بالإبهار البصري جعل القضية اللغوية تتعقد، وأتاح تكوّن تصورات تكاد تقصر دور التليفزيون على المهام السياسية والترفيهية، وتجعل للثقافة دوراً تابعاً، ولا تضع في الاعتبار أن دور التليفزيون في تشكيل الواقع اللغوي يعد حاسماً بالنسبة للمستقبل، ومن هنا نجد ضرورة إيجاد سياسة لغوية للإذاعة والتليفزيون والتخطيط للتنفيذ بالوسائل المناسبة، ومنها الإعداد اللغوي والاهتمام بالتنشئة اللغوية.
فالتخطيط اللغوي ضروري على المستوى العربي من أجل وصول الرسالة الإعلامية بدقة عبر الحدود، ومن هنا تأتي أهمية الوعي بدور التليفزيون المتزايد في التنمية اللغوية، ولا يقتصر الأمر على التليفزيونات الحكومية، فالواقع يشهد دخول مؤسسات خاصة في مجال التليفزيون تتجاوز حدود الدولة الواحدة، فتكوين اتجاه عام يتمثل في سياسة لغوية واضحة الملامح تشارك في تنفيذها كل القنوات يعد من أهم ما يمكن أن يقوم به التليفزيون للتنمية اللغوية في داخل الدول العربية.
لقد كانت بدايات التليفزيون في عصر ازدهار الإذاعة والأفلام السينمائية، ولكن التطورات وتقدم تقنيات الرادار ثم إدخال التليفزيون الملوّن، ثم انتشار التليفزيون في أكثر دول العالم في إطار الاستقلال الوطني، ثم النقل عن طريق الأقمار الصناعية تعد مراحل مهمة متسارعة جعلت للتليفزيون أثراً لغويّاً يتجاوز الإذاعة المسموعة.
ومن هنا تأتي أهمية طرح قضايا الاستخدام اللغوي في التلفزيون ومستويات اللغة في برامجه المختلفة، ومدى الصلة بين مستويات اللغة في الإذاعة المسموعة وفي الإذاعة المرئية.
كان الاعتماد في المنطقة العربية على أفلام الحركة، سواء أكانت من الإنتاج السينمائي القديم أم من الإنتاج البرامجي التليفزيوني الجديد مؤثراً في جعل التليفزيون يقترب بشكل كبير من العامية، ولما كانت بدايات السينما بالعامية المصرية القاهرية فقد استقر هذا المستوى اللغوي في مسلسلات التليفزيون وأصبح نمطاً مألوفاً.