المعيّة والإتّحاد المعنويّ بين أرواح المؤمنين والأئمّة المعصومين عليهم السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج3/ص78-79
2025-11-30
21
قال اللهُ الحَكيم في كتابه الكريم: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً}[1].
يستفاد من هذه الآية أنَّ إطاعَة الله والرسول تستلزم نوعاً من الاتّحاد المعنويّ والروحيّ الذي يتحقّق مع الخواصّ المقرّبين من جلاله المقدّس ومحارم حريم انسه وحرم أمانه. ولمّا كانت روحُ الإطاعة التسليم في مقابل المطاع، وكلّما كانت الإطاعة أقوى، كان اندكاك المطيع في حقيقة المطاع أكثر، إلى المستوى الذي لو ارتفعت فيه الاطاعة إلى أعلى درجة بحيث أن يصبح بلا رأي من عنده وبلا إرادة أبداً بل إنَّ إرادة المطاع ورأيه يستحوذ ان عليه حقّاً، في مثل هذه الحالة، وبسبب الفناء في ذات المطاع، لا يساور الإنسان الريب، أنَّه ستكون له المعية والاتّحاد الروحيّ مع الأشخاص الذين كانوا أترابه في هذا الخطّ، وفازوا بهذه الدرجة؛ لأنَّه إذا صرفنا النظر عن التأخّر والتقدّم الزمنيّين في عالم المادّة اللذين هما من لوازم المادّة، فلا تقدّم ولا تأخّر في السير الروحيّ والمعنويّ بين السابقين واللاحقين. فالجميع سيشتركون فيما بينهم في عالم ما وراء الزمن، وهو عالم العبور من ملكات الطبع والغرائز، وأخيراً العبور من شوائب الربوبيّة إلى المقام الرفيع للعبوديّة المطلقة، وسيترافقون ويتلازمون، ولذلك فإنَّهم مشتركون في الهدف أيضاً وهو مقام لقاء الله الواحد الأحد، وسيظهر بين أرواحهم نوع من المعيّة الروحيّة والخلوص والحميميّة الفطريّة، ونوع من الاتّحاد الحقيقيّ، وبالتالي فإنَّ تلك الصفات والخصوصيّات والأخلاق والآداب المشهودة عند البعض، مشهودة وواضحة أيضاً عند البعض الآخر.
قال إبراهيم عليه السلام: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ومَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[2]. هذا الاتّحاد والوحدة المستحقّان على أثر الإطاعة التي تجعل أتباع إبراهيم- وفقاً لكلامه- من جنس إبراهيم نفسه، منبعث عن التسليم الروحيّ والمعنويّ؛ على الرغم من عدم وجود رابطة القربى بينهم وبينه من منظار مادّيّ وخارجيّ، وبالعكس لو لم يكن ذلك الاتّحاد والمعيّة الروحيّة، وساد الاختلاف الروحيّ بين الجسمين، فإنَّ صلة الرحم والقربى سوف لن تؤتي اكُلَها.
{وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ، قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ}[3]. فقد قال نوح هذا الكلام عند ما طغى الماء فبلغ أعلى الجبال وكاد ابنه يغرق بعد ما تمرّد على أبيه فلم يركب معه في السفينة.
ولمّا كان ابن نوح غير منسجم مع أبيه روحيّاً رغم علاقة النبوَّة والابوّة التي تربطهما، فقد اعتبرته الآيات خارجاً عن أهله غريباً عنهم.
جاء في كثير من الروايات بمضامين مختلفة أنَّ شيعة الأئمّة عليهم السلام هم من الأئمّة أنفسهم، وقد خلقوا من فاضل طينتهم. وورد في كثير منها أيضاً أنَّ الشيعة جلساء الأئمّة وفي درجتهم في الجنّة.
وجاء في «جامع الأخبار»[4] عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قوله: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يَقُولُ: «إنَّ الله تعالى خَلَقَنِي وخَلَقَ عَلِيّاً وفَاطِمَةَ والْحَسَنَ والْحُسَيْنَ والأئِمَّةَ عَلَيْهمُ السَّلامُ مِنْ نُورٍ، فَعَصَرَ ذَلِكَ النُّورَ عَصْرَةً فَخَرَجَ مِنْهُ شِيعَتُنَا فَسَبَّحْنَا وسَبَّحُوا، وقَدَّسَنَا وقَدَّسُوا، وهَلَّلْنَا فَهَلَّلُوا، ومَجَّدْنَا فَمَجَّدوا، ووَحَّدْنَا فَوَحَّدُوا»[5] (الحديث).
يبيّن هذا الحديث جيّداً وجودَ انسجام ووِئام في أرواح الشيعة والأئمَّة ورسول الله إلى الحدّ الذي يصرّح فيه أنَّ طينة الشيعة من طينة رسول الله والأئمّة وفي ضَوء ما تقدّم ينبغي أن نلاحظ من هم هؤلاء الشيعة الذين بلغوا ذلك المستوى من طهارة الروح؟ وما هي ميزاتهم الخُلقيّة والروحيّة؟
[1] الآية 69، من السورة 4: النساء.
[2] الآية 36، من السورة 14: إبراهيم.
[3] الآيتان 45 و46، من السورة 11: هود
[4] كتاب «جامع الأخبار» المنسوب إلى الشيخ الصدوق. وهناك شكّ كبير في هذه النسبة. ويبدو أنَّه يرجع إلى واحدٍ من علماء خمسة كلّهم من الإماميّة الثقات. وتطرّقت مقدّمة كتاب «بحار الأنوار» إلى هذا التشكيك في النسبة.
[5] «بحار الأنوار» طبع كمباني، ج 7، ص 355.
الاكثر قراءة في فرق واديان ومذاهب
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة