أحوال المستضعفين من أهل السنّة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج3/ص69-78
2025-11-30
17
يلاحظ هنا فريق آخر لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. لا كأصحاب أمير المؤمنين قلوبهم طاهرة وأعمالهم محمودة نزيهة، ولا كأولئك من ذوي الأعمال القبيحة. قد ينفقون أموالهم، ويصلّون ويصومون ويطيعون تعاليم الدين، ولا يشاقّون الرسول وأهل بيته، ولا يميلون مع أعدائهم. فهؤلاء يقضون دهرهم على هذه الحالة بسبب قصورهم وعدم انكشاف الحقيقة لهم. وهذه المجموعة تؤلّف الغالبيّة بين الامم والشعوب دائماً، ولو اتّضح لهم الحقّ- على سبيل الفرض- فلا يصدّون عنه، بَيدَ أنَّه ظنّوا الخطأ صواباً والصواب خطأ وعملوا بذلك نتيجة ما تلقّوه من تربية سقيمة غير صحيحة، وما عاشوه من وسط متضارب بعيد عن الحقّ، إنَّهم مجموعة من المستضعفين لا يدخلون الجنّة دفعة واحدة، ولا يدخلون النار دفعة واحدة، بل يحاسبون على عقيدتهم وعملهم الذي قاموا به في الحياة الدنيا. ونجد أمثال هؤلاء في أغلب جنود الإمام عليّ يوم صفّين الذين صاروا بعد ذلك في عداد الخوارج. ولمّا نصحهم الإمام، وأقام لهم الدليل والبرهان، تابوا ورجعوا عن مخالفتهم. كما نجد أمثالهم في أكثر أهل السنّة الذين يجتمعون في عرفات، والمشعر، ومنى، وبيت الله، لا يكنّون العداء لأهل البيت، ولا يقرّون بولايتهم وإمامتهم وخلافتهم الحقّة أيضاً. أمّا علماؤهم والبعض من كبارهم المطّلعين على الكتب والتواريخ والتفاسير، والمستوعبين لجميع الأحاديث والروايات، فحسابهم عسير للغاية، إذا لم يذعنوا للحقّ. بَيدَ أنَّ الأغلبيّة الذين هم من العوامّ، وليس لهم اطّلاع على كتب السيرة، ومعلوماتهم وعقائدهم مقصورة على إرشاد علمائهم، فلعلّ الله يعفو عنهم ويصفح في حالة عدم تقصيرهم. وتنطبق عليهم آية المستضعفين. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيراً، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفوا غفورا[1] ينقل سُلَيم بن قيس الهلالي الكوفيّ رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام يرى الإمام فيها أنَّ أكثر المخالفين هم من المستضعفين، يقول: سمعتُ عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول: «إنَّ الامّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنّة». ثمّ يسترسل الإمام في كلامه فيبيّن بالتفصيل أنَّ الفرقة الناجية الوحيدة هي التي عرفت إمامها حقّ المعرفة، وأفرادها يدخلون الجنّة بغير كتاب ولا حساب (و أما أصحاب الموازين والأعراف، وأهل جهنّم الذين تنالهم شفاعة الأنبياء، والملائكة، والمؤمنين، فينقذون من جهنّم آخر الأمر، وإنَّهم في عداد الفرق الاثنتين والسبعين، إلى أن يقول: «فَأمَّا مَنْ وَحَّدَ اللهَ وآمَنَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَعْرِفْ ولَمْ يَتَناوَلُ ضَلالَةَ عَدُوَّنَا ولَمْ يَنْصِبْ شَيْئاً ولَمْ يُحِلَّ ولَمْ يُحَرِّمْ وأخَذَ بِجَمِيعِ مَا لَيْسَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الامَّةِ فِيهِ خِلَافٌ في أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِهِ، وكَفَّ عَمَّا بَيْنَ الْمُخْتَلِفينَ مِنَ الامَّةِ خِلافٌ في أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِهِ أو نَهى عَنْهُ فَلَمْ يَنْصِبْ شَيْئاً ولَمْ يُحَلِّلْ ولَمْ يُحَرِّمْ ولَا يَعْلَمُ ورَدَّ عِلْمَ مَا أشْكَلَ عَلَيْهِ إلى اللهِ فَهَذَا نَاجٍ. وهَذِهِ الطَبَقَةُ بَيْنَ الْمُؤمِنِينَ والْمُشْرِكِينَ هُمْ أعْظَمُ النَّاسِ وأجَلُّهُمْ وهُمْ أصْحَابُ الْحِسَابِ»[2] (الحديث).
ويبيّن كذلك جواب الإمام للأشعث بن قيس الذي قال له معترضاً: واللهِ لإن كان الأمر كما تقول لقد هلكت الامّة غيرك وغير شيعتك. فقال له الإمام: «إنَّ الْحَقَّ واللهِ مَعِي يَا بنَ قَيْسٍ كَمَا أقُولُ ومَا هَلَكَ مِنَ الامَّةِ إلّا النّاصِبينَ والْمُكابِرينَ والْجَاحِدينَ والمُعَانِدِينَ، فَأمّا مَن تَمَسَّكَ بِالتَّوحِيدِ والإقرارِ بِمُحَمَّدٍ والإسلامِ ولَمْ يَخْرُج مِنَ الْمِلَّةِ ولَمْ يُظَاهِرُ عَلَيْنَا الظَّلَمَةَ، ولَمْ يَنْصِبْ لَنَا الْعَداوَةَ وشَكَّ في الْخِلَافَةِ ولَمْ يَعْرِفْ أهْلَهَا ووُلَاتَها ولَمْ يَعْرِف لَنا وِلَاية، ولَمْ يَنْصِبْ لَنا عَداوَةً فَإنَّ ذَلِكَ مُسْلِمٌ مُسْتَضْعَفٌ يُرجَى لَهُ رَحْمَةُ اللهِ، ويُتَخَوَّفُ عَلَيهِ ذُنُوبُهُ».[3]
و جاء فيه أيضاً ضمن رسالة كتبها الإمام إلى معاوية يذكر فيها سبب عدم قيامه بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيها أوصاني رسول الله قائلًا: «وَ اعْلَمْ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُفَّ يَدَكَ وتَحْقُنْ دَمَكَ إذَا لَمْ تَجِدْ أعْواناً، تَخَوَّفتُ عَلَيكَ أن يَرْجِعَ النَّاسُ إلى عِبادَةِ الأصْنَامِ والْجُحودِ بِأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَاسْتظْهِرْ عَلَيهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودَعْهُمْ لِيَهْلِكَ النَّاصِبُونَ لَكَ والبَاغُونَ عَلَيكَ ويَسْلُمَ العَامّةُ والْخَاصَّةُ، فَإذَا وَجَدتَ يَوْماً أعْوَاناً على إقَامَةِ كِتَابِ اللهِ والسُّنَّةِ فَقَاتِلْ على تَأويلِ القُرآنِ كَما قَاتَلتُ على تَنْزِيلِهِ. فَإنَّما يَهْلِكُ مِنَ الامَّةِ مَنْ نَصَبَ لَكَ ولأحَدٍ مِن أوصِيائِكَ وعَادَى وجَحَدَ ودَانَ بِخِلافِ مَا أنْتُم عَلَيهِ».[4]
يقول سليم بن قيس: لمّا جمعتُ الأحاديث في كتابي، ذهبت إلى المدينة فتشرّفت بلقاء الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام وقرأتُ عليه تلك الأحاديث ثلاثة أيام حسوماً، فصدّقها الإمام كلها. فقلتُ: جعلتُ فداك، إنَّه يضيق صدري ببعض ما فيه؛ لأنَّ فيه هلاك جميع امّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم من المهاجرين والأنصار والتابعين غيركم أهل البيت وشيعتكم، فقال: يَا أخا عَبدِ الْقيسِ؛ أمَا بَلَغَكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم: قال: «إنَّ مَثَلَ أهْلِ بَيتي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ في قَومِهِ مَنْ رَكِبَهَا نَجى ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرَقَ، وكَمَثَلِ بَابِ حِطَّةٍ في بَنِي إسْرَائِيلَ؟» فَقُلتُ: نَعَمْ- إلى أن قَالَ عَلَيهِ السَّلام: «أ ولَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ وَحْدَهُ يَنْظَمُ جَمِيعُ مَا أفْظَعَكَ وعَظُمَ في صَدْرِكَ مِنْ تِلكَ الأحادِيثِ»[5] (الحديث). كناية عن أنَّ كلّ من كان من محبّي أهل البيت فهو كالراكب في سفينة نوح، وهو ناجٍ لا محالة. وأمّا من كان من المعاندين المعادين فهو من الغارقين. وكلام الإمام هنا هو ككلام جدّة أمير المؤمنين عليه السلام حول عامّة الناس، إذ اعتبرهم من المستضعفين.
روى السيّد هاشم البحرانيّ من طريق الخاصّة، عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في مرضه الذي قبض فيه لفاطمة عليها السلام: «يا بُنَيّةَ؛ بأبي أنتِ واميّ أرسلي إلى بعلِكِ فادعيه لي، فقالت فاطمة للحسن عليه السلام: انطلق إلى أبيك فقل له: إنَّ جدّي يدعوك، فانطلق إليه الحسن فدعاه. فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفاطمةُ عنده، وهي تقول: وَا كربَاهُ لِكَربِكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فقال رسول الله: لَا كربَ على أبيكِ بعد هذا إلىوم يا فاطمة! إنَّ النبيّ لا يُشقُّ عليه الجيب، ولا يُخمش عليه الوجه، ولا يدعي عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوكِ على إبراهيم: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وقَدْ يُوجَعُ الْقَلْبُ ولَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّا بِكَ يَا إبراهيمُ لَمَحْزُونُونَ، ولَوْ عَاشَ إبراهيمُ لَكانَ نِبيّاً.
ثمّ قال: يا عليّ؛ ادنُ مِنّي، فدنا منه، فقال: أ دخل اذُنك في فمي ففعل، فقال: يا أخي، أ لم تسمع قول الله عزّ وجلّ في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}؟ قال: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: هم أنتَ وشيعتك تجيئون غراً محجّلين شباعاً مرويّين. أ لم تسمع قول الله عزّ وجلّ في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}؟[6] قال: بلى يا رسول الله؛ قال: هم أعداؤك وأتباعهم، يجيئون يوم القيامَة مسودّة وجوههم، ظماء مظمئين، أشقياء معذّبين، كفّاراً منافقين، ذلك لك ولشيعتك وهذا لعدوّك وشيعتهم»[7].
[1] الآيات 98 إلى 99، من السورة 4: النساء.
[2] «كتاب سليم» ص 96، وص 97.
[4] «المصدر السابق» ص 194.
[5] «كتاب سليم» ص 66، ص 67.
[6] الآية 6، من السورة 98: البيّنة.
[7] «غاية المرام» ص 327، الحديث الثالث.
الاكثر قراءة في فرق واديان ومذاهب
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة