لم يخل الشعر من المدح في عصر من العصور، لكنه كان في الجاهلية أقرب الى الواقع وابعد عن المبالغة، ثم اخذ يزداد مبالغة بازدياد الحضارة والركون الى الرخاء واضطرار الشعراء الى التزلف والتملق، ولا سيما بعد الاختلاط بالفرس. فبعد ان كان زهير بن أبي سلمى يقول في مدح كريم حازم:
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
صار منصور النمري يقول في الرشيد:
ان المكارم والمعروف أودية أحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت امرءا فالله رافعه ومن وضعت من الاقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتصما فليس بالصلوات الخمس ينتفع
ان أخلف الغيث لم تخلف انامله او ضاق امر ذكرناه فيتسع
وقول رجل من ولد زهير بن أبي سلمى في مدحه: (فكأنه بعد الرسول رسول). وقول العكوك في مدح أبي دلف:
أنت الذي تنزل الايام منزلها وتنقل الدهر من حال الى حال
وما مددت مدى طرف الى أحد الا قضيت بأرزاق وآجال
على ان المبالغة زادت بعد هذا العصر من كل وجه بزيادة أسباب الزلفى والانغماس في الرخاء كما ستراه.