-في أفياء المدينة، حيث تمتزج أنسام الوحي بعبق النبوّة، كان بيت صغير يضجّ بالنور، ويضوع منه عطر الرحمة والمحبّة، بيت فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي ورثت عن أبيها الحنان كلّه، فكانت له بردًا وسلامًا، وسكينةً بعد عناء، وبلسمًا لجراحٍ أدمت قلبه الشريف في طريق الرسالة.
كانت إذا دخلت على أبيها، تهشّ له بوجهٍ كالقمر، وتفرش له قلبها قبل يديها، تسكب الماء ليغتسل، وتعدّ له الطعام وإن قلّ، وتغسل ثيابه بدموع المحبّة قبل قطرات الماء. لم تكن تخدمه خدمة ابنةٍ لأبيها، بل كانت تفيض عليه حبّ أمٍّ فقدها صغيرًا، فوهبته روحها ليجد في ظلّها دفء الحنان المفقود.
وذات يومٍ في أُحد، حين سال الدم من جبين النبيّ الطاهر، هرعت فاطمة كحمامةٍ فزعة، تمسح دمه بيديها المرتجفتين، وحين لم ينقطع النزف، جمعت حصيرًا فأحرقته، وذرّت رماده على الجرح، فانقطع الدم كأنّ الرحمة نزلت على يديها. نظر إليها رسول الله (ص) بعينٍ تغمرها الدموع، وقال في سره: ما أعظمكِ يا فاطمة، أنتِ ابنتي... وأمّي أيضًا.
وفي يومٍ آخر، جاءت إليه بكسرة خبزٍ يابسة، قد خبزتها لابنيها الحسن والحسين (عليهما السلام)، فاقتطعت منها لقمةً يسيرة وقدّمتها لأبيها. نظر إليها وسألها برقةٍ تشوبها رهبة:
ـ ما هذه يا فاطمة
قالت بخجلٍ وابتسامةٍ تضيء وجهها:
ـ يا أبتاه، هي من قرصٍ اختبزته لابنيّ، أحببت أن أقدّم لك منه كسرة.
فأخذها رسول الله (ص) بين يديه وقال:
ـ يا بُنيّة، إنّها لأول طعامٍ يدخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام...
كانت تلك الكسرة في عين النبيّ أعظم من موائد الدنيا، لأنّها عجنت بالحبّ الخالص، وسُقيت بدمع البرّ والوفاء.
ومنذ ذلك الحين، كلّما عاد النبيّ من سفرٍ أو غزوة، كانت فاطمة أول من يستقبله، يبتسم لرؤيتها كما يبتسم الظمآن للغيث. يقبّل يدها، ويجلس عند قدميها كأنّما يستريح في حضن أمّه، فيجد في دفء أنفاسها ما يعينه على حمل الرسالة الثقيلة.
وهكذا كانت الزهراء...
لم تكن ابنة أبيها فحسب، بل كانت قلبه النابض، وأمه الثانية، وسرّ سكينته في دنيا تملؤها الجراح.
ومن هنا نطق النبيّ بالحقيقة الخالدة، وهو يشير إلى فلذة كبده قائلاً:
"فاطمة أمّ أبيها."







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN