المسؤولية بمفهومها العام هي التزام الشخص بما تعهد القيام به أو الامتناع عنه فاذا ما اخل بتعهده تحمل المسؤولية عن نكوثه وعليه أصبح واجب تحمل تبعة نكوثه هذا، أما المسؤولية الجزائية بمفهومها الجزائي فهي التزام الشخص بتحمل نتائج أفعاله أو فعله المجرم ولكي يعد الشخص مسؤولا جزائيا يجب أن يكون أهلاً لتحمل نتائج أفعاله متمتعاً بالإدراك والإرادة ، إن الشخص الطبيعي هو من يتحمل المسؤولية الجزائية في الأصل وتتفق جميع التشريعات على ان الشخص المسؤول جزائيا هو الانسان لحي فهو الذي يقترف الجريمة وهو من يتحمل تبعات ارتكابه لها عكس ما كان سائداً في المجتمعات القديمة التي كانت تحمل الجماد والحيوان المسؤولية الجزائية ، وفي ضوء ما تقدم تقوم مسؤولية الشخص الطبيعي اذا ما توافر عنصر الأهلية إذ أنّ المسؤولية الجزائية تقوم على أساس حرية الاختيار باتجاه الإرادة نحو الفعل المجرم ولكي تكون هذه الإرادة محلاً للاعتداد القانوني يجب ان تكون صادرة من شخص يتمتع بالأهلية الجزائية وهي العوامل النفسية اللازم توافرها في الشخص كي يمكن اسناد الواقعة الجرمية اليه بوصفه فاعلها عن إدراك وإرادة ولإثبات هذه الأهلية لابد من تحقق شرطين أولهما أن يكون الانسان مرتكب الفعل المجرم قانونا على قيد الحياه كون الجاني المتوفى لا تقوم عليه المسؤولية الجزائية وذلك انطلاقا من مسوغات أن العقوبة شخصية ولا يجوز فرضها على الآخر أو على المتوفى لانعدام الغاية التي ترمي لها العقوبة أو لانعدام محل العقوبة .
ثانيهما أن يتمتع هذا الانسان بالوعي والحرية والإرادة في إتيان تصرفه فالإدراك وحرية الاختيار هما عناصر الأهلية الجزائية فالإدراك هو شعور الشخص بقيمة أفعاله وفهم ما سيؤول اليه فعله من نتائجى أي معرفة الشخص ما سيؤول اليه فعله من ضرر أو خطر يصيب المجتمع ولا يعني فهم ما يرتب عليه القانون من تحمل المسؤولية اذا ما قام بالفعل إذ استقر الفقه الجنائي على مسألة الشخص عن فعله وان كان يجهل ان القانون يعاقب على ذلك إذ إن العلم بالقانون علم مفترض وقدرة الفهم عند الشخص تكون على صورتين الأولى أن يكون الشخص له القدرة على فهم أن فعله هو تحريض ذو أثر سواء تحقق أم لم يتحقق والصورة الثانية تتجسد في الخبرة الإنسانية العامة بالتمييز بين الخير والشر وبالتالي فهو يفهم عند اتيانه النشاط التحريضي أنه يرتكب الشر بحق المجتمع وبهذا يكون ليقام المسؤولية الجزائية بحق مرتكب جريمة من جرائم التحريض غير المتبوع بأثر أن تتوافر لديه قدرة تجعله يميز ماهية فعله ويقدر خطورته .
أما الإرادة الحرة فهي مقدرة الشخص على تحديد اتجاه إرادته إذ يستطيع إن يمسك عن الفعل امتثالا لأوامر القانون أو بالنهي عنه أو يطلق الفعل امتثالاً لأوامره فاذا تمتع الشخص بحرية اختياره بإتيان فعل التحريض غير المتبوع بأثر قام هذا الشرط لديه وتحقق أساس المسؤولية حسب مذهب حرية الاختيار الذي اخذ به التشريع العراقي إلا أن هذه الحرية قد تكون متأثره بعوامل ليست للشخص سيطرة عليها وبالتالي أدت الى انعدام حريته أو إدراكه فأنها تؤدي لانعدام المسؤولية الجزائية وهي ما تعرف بموانع المسؤولية فقد يشوب هذه الأهلية عوارض تعدم هذه الأهلية أو تنقصها وبالتالي يمتد أثر هذه العوارض الى المسؤولية الجزائية للشخص الطبيعي فيجعلها غير صالحة لقيام المسؤولية فاذا ما جاء الشخص بالنشاط التحريضي المجرم وجب تحمله المسؤولية الجزائية إلا اذا توافر مانع من موانع المسؤولية وهذه الموانع أوردها المشرع العراقي في حالات : فقد الادراك والإرادة بسبب الإكراه وحاله الضرورة وصغر السن ، أو بسبب الجنون أو العاهة في العقل ، أو بسبب السكر أو التخدير بتناول مواد مسكرة او مخدرة بشكل غير عمدي ، إن الحالات أعلاه والتي تؤدي لمنع المسؤولية الجزائية عن المحرض وإن كان يمكن تطبيقها جميعاً في جريمة معينة : (( مثالا على ذلك جريمة القتل )) إلا أننا نرى أنه لا يمكن تصورها جميعا في جريمة التحريض غير المتبوع بأثر ، وبمعنى أوضح يمكن تصور وقوع جريمة التحريض غير المتبوع بأثر تحت وطأة إكراه مادي أو معنوي واقع على الفاعل كمن يهدد المحرض بقتله فوراً اذا لم يأت بالسلوك التحريضي دون أن يستطيع المحرض اللجوء الى السلطات ولم يكن امامه وسيلة لإنقاذ نفسه الا القيام بالنشاط التحريضي المجرم ، كما قد ترتكب جريمة التحريض غير المتبوع بأثر تحت وطأة السكر أو التخدير غير العمديين على حد سواء فاذا ما جاء بالنشاط التحريضي وهو تحت مؤثر السكر أو التخدير وكان فاقداً لأدراكه في توجيه إرادته سواء كليا أم جزئياً وهنا ميز المشرع العراقي بين السكر الاختياري وبين السكر الاجباري فاذا ما ثبت ان الجاني قد جاء بالنشاط التحريضي وأنه مكره على تناول المواد المسكرة ولم يتناوله لأجل ارتكاب الجريمة فيعد السكر هنا مانعاً من موانع المسؤولية الجزائية ، ولكن وجوب أن يكون فاقد الادراك والإرادة وأن يرتكب الجريمة في اثناء الشعور بحرية الاختيار فاذا افتقد شرطاً واحداً لم يكن تناوله للمشروب مانع من موانع المسؤولية بل يمكن عد ذلك ظرفاً مخففاً للعقوبة واذا ما حصل العكس بتناول الجاني للمشروبات المسكرة باختياره وإرادته وأقدم على إتيان النشاط التحريضي المجرم كنا أمام ظرف مشدد للعقوبة ، ومع إمكانية تصور وقوع هذه الجريمة من صغار السن إذ إن الطفولة هي المرحلة الأولى من حياة الانسان والتي تبدأ من لحظة الولادة حتى بلوغه السابعة من عمرة ويكون حكمه حكم المجنون عديم الأهلية أي غير مسؤول عن تصرفاته وبعد هذه المرحلة تبدأ مرحلة المسؤولية المخففة في معاملة الأحداث الجانحين وتقضي اتخاذ نوع من التدابير الخاصة والتي ليس لها وظيفة العقوبة التي توقع على البالغين من الجناة إذ جعل القانون من صغر السن أحد موانع المسؤولية الجزائية في الطور الأول من عمره، وحمله مسؤولية مخففة في الطور الثاني من بعد بلوغه السنة التاسعة من العمر دون إتمامه سن البلوغ وأن الأخذ بالمسؤولية الجزائية المخففة ليس بسبب انعدام الإرادة فالإرادة متوفرة وانما بسبب الإدراك إذ إن الإدراك لدى الشخص غير البالغ لم يستقر بعد استقراراً يسمح له أن يميز بشكل جيد بين الصواب والخطأ عليه تذهب التشريعات العقابية على تخفيف المسؤولية عنه عند ارتكابه جريمة وتتخذ بدل العقوبة أنواعاً من التدابير التقويمية المنصوص عليها في قانون العقوبات ، ولا نتصور وقوع النشاط التحريضي من مجنون وعليه لم يتم التطرق لمانع المسؤولية الجزائية (الجنون) كونه غير متصور أن يأتي شخص بالنشاط التحريضي وهو خلق فكرة الجريمة أو التشجيع على ارتكاب الجريمة من شخص مجنون ، كذلك نرى أن من غير المتصور وقوع جريمة التحريض غير المتبوع بأثر تحت وطأة الضرورة وذلك لعدم انعدام حرية الاختيار وإرادة المحرض.
ومن الجدير بالذكر أن جانباً من الفقه الجنائي يرى إضافة لما تقدم لأن يكون الشخص محلاً للمسؤولية الجزائية متحملاً آثار فعله المجرم لابد من أن تثبت نسبة الجريمة اليه بحكم قضائي بات وفق الإجراءات الجزائية التي ينص عليها القانون فعلى الرغم من وقوع الجريمة أياً كان نوعها أو اسمها في القانون وأياً كانت المصلحة التي تنالها سواء خاصة أم عامة لابد من اتباع مجموعة من الإجراءات المعنية المنصوص عليها في القانون الإجرائي وبصدور حكم قضائي بات يكون بذلك الشخص اهلا لتحمل المسؤولية الجزائية وهذه من المبادئ القانونية الراسخة بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وهذه الإدانة لا تتأكد إلا بعد صدور الحكم القضائي فالدور الأساسي للقانون الإجرائي انه الوسيلة لتطبيق القانون الموضوعي فما تضمنه هذا القانون من تجريم وعقاب لا يمكن تصور تطبيقه بغير إجراءات تكشف الحقيقة بشأن الجريمة وتحدد المسؤولين عنها وتنزل عليهم العقاب كما أن اسناد المسؤولية لشخص ما وإيقاع العقاب عليه دون اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي ينظمها القانون الإجرائي ففي ذلك خطورة من استبداد الدولة بحريات المواطنين وعدم ترك الحق لهم بالدفاع عن أنفسهم ، ونحن نرى إعادة العمل بالمحاكم المتخصصة التي انشأها مجلس القضاء الأعلى والتي تختص بالنظر بجرائم النشر والإعلام لا سيما أن اغلب جرائم التحريض ترتكب عن طريق المؤسسات الإعلامية ولا سيما أن جرائم التحريض من الجرائم التي يصعب إثباتها كونها لا تترك أثراً مادياً ملموساً لوقوعها مما تحتاج لقضاء متخصص ضليع بهذا المجال لضمان حقوق الأفراد بحرية الرأي وضمان تطبيق القانون تطبيقا سليماً.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN