هو القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن قاسم بن عبد الملك بن نجيح، أصل أهله من برابرة نفزة أحد فروع كزنة، انتقلوا إلى الأندلس و سكنوا في فحص البلّوط (قرب قرطبة) .
ولد منذر بن سعيد، سنة 265(ياقوت 19:174) في محلّة النشّارين بالربض (الضاحية) الشرقي من قرطبة، و قيل كان مولده سنة ٢٧٣.
درس منذر بن سعيد في قرطبة على عبيد اللّه بن يحيى (ت ٢٩٧ ه) أحد أئمّة الفقه و على ابن يحيى بن يحيى الليثي (ت 234) .
و في سنة ٣٠٨(٩٢٠ م) رحل منذر بن سعيد إلى المشرق فمرّ بمصر فسمع من أبي جعفر أحمد بن محمّد المصري المعروف بابن النحاس (ت ٣٣٨) و من أبي العبّاس أحمد بن محمد المعروف بابن ولاّد (ت ٣٣٢) . ثمّ إنّه حجّ و سمع في مكّة من محمّد بن المنذر النيسابوري. و طالت رحلته في المشرق أربعين شهرا.
عاد منذر بن سعيد من المشرق و مكث في الأندلس عشرين سنة أو تزيد لا نعلم شيئا من أخباره في أثنائها. و نفهم أنه زار طرطوشة (نفح 2:511) و في سنة 334 (945-946 م) جاء من القسطنطينية إلى قرطبة رسل ملك الروم قسطنطين السابع (٩١٢-959 م) يحملون منه رسالة؛ كما وصل إليها في ذلك الحين وفود ملوك الفرنجة. فاحتفل عبد الرحمن الناصر بهذه الوفود في قصر قرطبة وسط أبّهة عظيمة و أراد من الشعراء و الخطباء أن يقوموا بين يديه أمام الوفود و يذكروا ما قام به في توطيد الخلافة و ما كان له من جلائل الفتوح و الأعمال. فنهض الفقيه محمّد بن عبد البرّ الكسنيانيّ ليتكلّم فأخذته هيبة الموقف و أرتج عليه ثمّ سقط أرضا مغشيّا عليه. فقيل لأبي عليّ القالي (ت 356 ه) -ضيف عبد الرحمن الناصر-: «قم فارقع هذا الوهي» . فقام فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيّه؛ ثمّ انقطع به القول فوقف ساكتا.
فلمّا رأى منذر بن سعيد ذلك «قام من ذاته فوصل افتتاح أبي عليّ لأوّل خطبته بكلام عجيب و فصل مصيب يسحّه سحّا كأنّما يحفظه قبل ذلك بمدّة، و بدأ من المكان الذي (كان قد) وصل إليه أبو علي البغدادي «القالي» (النباهي 66) . فكانت تلك الخطبة سبيل حظوته عند عبد الرحمن الناصر.
بعيد تلك الحادثة، فيما يبدو، عيّنه الناصر قاضيا في مدينة ماردة ثمّ جعله على قضاء الثغور الشرقية. و في ربيع الآخر من سنة ٣٣٩(مطلع خريف 950 م) أصبح منذر بن سعيد قاضي الجماعة في قرطبة. و مع أنّ منذر بن سعيد كان من أتباع المذهب الظاهريّ، فإنّه كان يقضي على مذهب الإمام مالك. و كان عادلا بين الخصوم شديدا في الحقّ لا تأخذه في اللّه لومة لائم. و قد بقي في القضاء ستّ عشرة سنة إلى حين وفاته في ٢٨ من ذي القعدة من سنة 355(15/١١/966 م) . و دفن في الربض الغربي من قرطبة قريبا من داره.
كان منذر بن سعيد البلّوطيّ فقيها متفنّنا في ضروب العلم يعرف المذهب الظاهريّ و مذهب الإمام مالك قادرا في الجدل. و كان أديبا شاعرا مترسّلا له أشعار مطبوعة و خطب عجيبة و رسائل بليغة، كما كان مؤلّفا. و مع متانة خلقه فقد كانت فيه دعابة حسنة. و شعره القليل الباقي في الزهد و الشكوى من الدهر و من الناس حينا و في الفخر بالنفس حينا آخر. و شعره صحيح متين. أما خطبه فبارعة جدّا تغلب عليها السهولة و تتّسم بالتبسّط في القول و الإتيان بالمعاني القليلة اليسيرة القريبة المتناول ممّا يسهّل على السامعين استيعابها فيكون ذلك أدعى إلى تأثيرها فيهم. و يزيد في تأثيرها في السامعين بروز العنصر الدينيّ فيها من الوعظ بالترغيب و الترهيب و إخراج ذلك كلّه مخرج الخطاب للحاضرين مع كثرة الاستشهاد بالآيات.
و لقد كان منذر بن سعيد عظيم الاستيلاء بخطبه على السامعين.
مختارات من آثاره:
- قال منذر بن سعيد البلّوطيّ يذكر الموت:
الموت حوض و كلّنا يردُ... لم ينج ممّا نخافه أحدُ (1)
فلا تكن مغرما برزق غدٍ... فلست تدري بما يجيء غد
و خذ من الدهر ما أتاك به... و يسلم الروح منك و الجسد
و الخير و الشرّ لا تدعه، فما... في الناس إلاّ التشنيع و الحسد
-و قال يشكو من الدهر و الناس (قبل إقبال الدنيا عليه) :
هذا المقال الذي ما عابه فندٌ... لكنّ صاحبه أزرى به البلد (2)
لو كنت فيهم غريبا كنت مطّرفا... لكنّني منهم فاغتالني النكد (3)
لو لا الخلافة-أبقى اللّه بهجتها-... ما كنت أبقى بأرض ما بها أحد
- نتف من خطبته يوم دخلت الوفود على عبد الرحمن الناصر:
أمّا بعد حمد اللّه و الثناء عليه و التعداد لآلائه (4). . . فإنّ لكلّ حادثة مقاما- و لكلّ مقام مقال. و ليس بعد الحقّ إلاّ الضلال. و إنّي قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم. فأصغوا إليّ-معشر الملإ-بأسماعكم و أيقنوا عنّي بأفئدتكم (5). . . و إنّي أذكّركم بأيام اللّه عندكم و تلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمّت شعثكم و أمّنت
سربكم و رفعت (6) قوّتكم: كنتم قليلا فكثّركم. . . و مستذلّين فنصركم. ولاّه اللّه رعايتكم و أسند إليه إمامتكم أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق و أحاطت بكم شعل النفاق (7). . .
أنشدكم اللّه-معاشر الملإ-أ لم تكن الدماء مسفوكة فحقنها، و السبل مخوفة فأمّنها (8) و الأموال منتهبة فأحرزها و حصّنها (9) ؟ أ لم تكن البلاد خرابا فعمّرها و ثغور المسلمين مهتضمة فحماها و نصرها (10) ؟ فاذكروا آلاء اللّه عليكم بخلافته و تلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته حتّى أذهب عنكم غيظكم و شفى صدوركم و صرتم يدا على عدوّكم بعد أن كان بأسكم بينكم (11). . . فأصبحتم بنعمته إخوانا و بلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعوانا حتّى تواترت (12) لديكم الفتوحات، و فتح اللّه عليكم بخلافته أبواب الخيرات و البركات، و صارت وفود الروم (13) وافدة عليه و عليكم، و آمال الأقصين و الأدنين متّجهة إليه و إليكم: يأتون من كلّ فجّ عميق و بلد سحيق ليأخذوا بحبل (14) بينكم و بينه جملة و تفصيلا ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا. و لن يخلف اللّه وعده؛ و لهذا الأمر ما بعده. . .
_____________________
١) يرد: يذهب إلى الماء (ليستقي أو ليشرب) . جميع الناس سيموتون.
٢) الفند: ضعف الرأي من الهرم (التقدّم في السنّ) . الكذب. أزرى به (عابه، خفض منزلته) . البلد (أنه من أهل البلد-أهل البلد لا يحبون النابه منهم، بل يحبّون الغريب عن بلدهم) .
٣) مطرفا: طريفا: جديدا، بهيجا. غاله و اغتاله: قتله، اهلكه. النكد: صعوبة العيش و ضيقه، الشؤم.
4) الآلاء جمع إلى (بكسر الهمزة أو فتحها) : النعمة.
5) الملأ: أشراف القوم. الفؤاد: القلب. أيقنوا عنّي بأفئدتكم: كونوا واثقين ممّا أقول.
6) التلافي: تجنّب الأمور (المؤذية) . لمّ الشعث: جمع القوم و وحّد أمورهم. أمّن السرب (جماعة الغنم أو الابل السارحة) : نشر الأمن في بلدكم.
7) السرادق: الخيمة الكبيرة. ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق: انتشرت في كلّ مكان.
8) حقن الدماء: حمى الناس من القتل. مخوفة: يخاف السائرون فيها (من الاعتداء عليهم) .
9) أحرزها: وضعها في حرز (مكان أمين) و حصّنها (أحاطها بما يحفظها) .
10) الثغور جمع ثغر: المكان الذي يخشى منه مجيء العدوّ برّا أو بحرا. مهتضمة: مغتصبة، منقوصة (معتدى عليها) .
11) البأس الشّدة، الحرب. -بأسكم بينكم: كنتم في شقاق و قتال (فيما بينكم) .
12) التواتر: التوالي، التتابع (أن تأتي الأشياء متّفقة من كل مكان و بلا انقطاع) .
13) الروم: النصارى عموما من أي جنس كانوا.
14) الفجّ: الطريق في الجبل. عميق و سحيق (هنا) بمعنى بعيد. ليأخذوا بحبل منكم: ليعقدوا معكم معاهدة، ميثاقا (في سبيل حماية أنفسهم) .