هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيّوب بن وارث المالكيّ الأندلسيّ التجيبيّ الباجيّ، أصل أهله من بطليوس ثمّ انتقل جدّه إلى باجة التي هي قرب إشبيلية، و فيها ولد أبو الوليد، في النصف من ذي القعدة من سنة 4٠٣ هـ (٢٨/٣/١٠١٣ م) .
نشأ أبو الوليد الباجيّ في باجة في أسرة معدمة ثمّ انتقل إلى قرطبة فبدأ تلقّي العلوم فيها و هو يعيش عيشة مجهدة. و في سنة 4٢6 ه (1035 م) رحل إلى المشرق للأخذ عن علمائه و ليتثقّف في الحديث و الفقه و الأدب. و قد مكث في المشرق ثلاث عشرة سنة: ثلاثا منها في مكّة ثمّ ثلاثا في بغداد و سنة في الموصل. و مكث حينا في الشام. و في أثناء رحلته هذه مال إلى المذهب الأشعريّ. و كذلك كانت حياة أبي الوليد الباجيّ في المشرق مضنية فقد اضطرّ إلى العمل في حراسة الدروب حتّى يكسب عيشه.
و في سنة 4٣٩ هـ (1047 م) عاد أبو الوليد الباجيّ إلى الأندلس فأراد نشر المذهب الأشعريّ فيها. و اتّفق بعد عودته بمدّة يسيرة أن دعاه ابن رشيق والي جزيرة ميورقة فلقي هنالك ابن حزم الظاهريّ فتناظرا في مجلس محمّد بن سعيد المالكيّ مناظرة عنيفة و لكن لا نعرف شيئا من آثارها العملية.
و بعد ذلك بدأت الدنيا تقبل على أبي الوليد الباجي فتولّى القضاء في عدد من المدن في شرقيّ الأندلس، و لكنّ كلّ تلك المدن كانت تصغر عن قدره. غير أنه نال حظوة كبيرة عند المقتدر بن هود صاحب سرقسطة (4٣٨-4٧4 ه) .
و كانت وفاة أبي الوليد الباجيّ في المريّة، في ١٩ رجب من سنة 4٧4 (٢٣/١٢/١٠٨١ م) .
كان أبو الوليد الباجيّ أحد الأئمّة في الفقه، كما كان محدّثا متكلّما و أديبا شاعرا. على أن شهرته تقوم على مصنّفاته التي يدور معظمها على علوم القرآن و علوم الفقه. فمن كتبه: تفسير القرآن-الناسخ و المنسوخ-المعاني (في شرح الموطّأ، في عشرين جزءا) -الاستيفاء (شرح الموطّأ) -المنتقى (مختصر من الاستيفاء) -الإيماء (مختصر من المنتقى) -اختلاف الموطّآت-التعديل و التجريح لمن خرج عن البخاريّ في الصحيح-التسديد إلى معرفة التوحيد-إحكام الفصول في أحكام الأصول-حدود؟ ؟ ؟ في الأصول-الإشارة في الأصول-المقتبس في علم مالك بن أنس-المهذّب (في اختصار المدوّنة) -مختصر المختصر (في مسائل المدوّنة) -فرق الفقهاء-التبيين لمسائل المهتدين (اختصار فرق الفقهاء) -السراج في ترتيب الحجاج (في المناظرة و الجدال) -سنن المنهاج و ترتيب الحجاج-السنن في الدقائق و الزهد (في النصيحة لولديه) .
مختارات من شعره :
- قال في حال الناس:
مضى زمن المكارم و الكرام ... سقاه اللّه من صوب الغمام!
و كان البرّ فعلا دون قول ... فصار البرّ نطقا بالكلام
و زال النطق حتى لست تلقى ... فتى يسخو بردّ للسلام
و زاد الأمر حتى ليس إلاّ... سخيّ بالأذى أو بالملام!
- قال أبو الوليد الباجي في الدنيا و العمل فيها:
إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأنّ جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها ... فأجعلها في صلاح و طاعه!
- و قال في لذّة الوداع:
ليس عندي شخص النّوى بعظيم ... فيه غمّ و فيه كشف غموم
إنّ فيه اعتناقة لوداع ... و انتظار اعتناقة لقدوم
- و مات له ولدان فأكثر من رثائهما؛ من ذلك قوله في رثاء ابنه محمّد:
أ محمّد، إن كنت بعدك صابرا... صبر السليم لما به لا يسلم (1)
و رزئت قبلك بالنبيّ محمّد ... و لرزؤه أدهى لديّ و أعظم (2)
فلقد علمت بأنّني بك لاحق ... من بعد ظنّي أنّني متقدّم (3)
للّه ذكر، لا يزال بخاطري ... متصرّف في صبره متحكّم
فإذا نظرت فشخصه متخيّل ... و إذا أصخت فصوته متوهّم (4)
و بكلّ أرض لي من أجلك لوعة ... و بكلّ قبر وقفة و تلوّم (5)
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ... و دعاه باسمك، مقول بك مغرم (6)
_____________________
١) السليم كناية عن الذي لدغته الحيّة (سمّي سليما تفاؤلا بأن يسلم) - و إن كان المعروف أنه لا يسلم.
٢) الرزء: المصيبة الكبيرة. أدهى (أشدّ) .
٣) كنت ظننت، و أنا أبوك، أن أموت (كما جرت العادة) قبلك.
4) أصاخ: استمع.
5) التلوّم: الانتظار (الوقوف في مكان من غير أن يدرى ما ذا يريد- إنّ الذي يطيل الوقوف على قبر لا ينتفع بوقوفه و لا ينفع الميت) .
6) المقول: اللسان. -إذا أردت أن أنادي أحدا سبق لساني إلى اسمك فناديته باسمك أنت.