هو أبو عبد اللّه محمّد بن عبد السلام بن ثعلبة بن زيد (بغية الوعاة 67) بن الحسن بن كليب (أو كلب) الخشنيّ من أهل كورة جيّان، ولد سنة217 (832-833 م) .
انتقل ابن عبد السلام الخشنيّ إلى قرطبة و سكنها و أخذ عن ابن أبي مطحنة (أبي محمّد عبد اللّه بن محمّد) الصريحيّ المرسيّ. و قد رحل، قبل 240(854-855 م) ، إلى المشرق و تطوّف فيه خمسا و عشرين سنة و أخذ عن نفر كثيرين من العلماء، في مصر و الحجاز و في العراق خاصّة. ثمّ إنّه رجع إلى الأندلس فأخذ عنه كثيرون. و أرادوه أن يتولّى القضاء فلم يقبل. و كانت وفاته في 26 من رمضان 286(5/١٠/899 م) في قرطبة.
كان ابن عبد السلام الخشنيّ عالما و حافظا للحديث فصيح اللسان بصيرا بكلام العرب. و قد أدخل إلى الأندلس علما كثيرا من الحديث و اللغة و من أشعار الجاهليّين. و له عدد من التآليف في شرح الحديث.
مختارات من شعره:
- لمّا عاد ابن عبد السلام الخشنيّ إلى الأندلس-بعد غياب خمس و عشرين سنة- بدا له كأنّه لم يغب عن الأندلس قطّ، فقال:
كأن لم يكن بينٌ و لم تك فرقةٌ... إذا كان من بعد الفراق تلاقِ (1)
كأن لم تؤرّق بالعراقين مقلتي... و لم تمر كفّ الشوق ماء مآقي (2)
و لم أزر الأعراب في خبت أرضهم... بذات اللّوى من رامة و براق (3)
و لم أصطبح بالبيد من قهوة النوى... بكأس سقانيها الفراق دهاق (4)
بلى، و كأنّ الموت قد زار مضجعي... فحوّل منّي النفس بين تراق (5)
أخي، إنّما الدنيا محلّة فرقة... و دار غرور آذنت بفراق
تزوّد، أخي، من قبل أن تسكن الثرى... و تلتفّ ساق للنشور بساقِ (6)
______________________
1) البين: الفراق، البعاد.
2) مرى يمري: مسح و عصر (و حاول استخراج اللبن من الضرع) . لم تجعلني أبكي المأق و المؤق: طرف العين.
3) الخبت: الأرض الواسعة أو المنخفضة. ذات اللوى و رامة و براق أسماء لأماكن.
4) اصطبح: شرب الخمر صباحا. القهوة: الخمر. النوى: البعاد. (قضيت في البادية وقتا طويلا بعيدا عن أهلي) . الدهاق: المترع: الملآن.
5) التراقي جمع ترقوة (في أعلى الصدر ترقوتان مشرفتان) . بلغت الروح التراقي: أشرف صاحبها على الموت.
6) الثرى: التراب. سكن الثرى: مات و دفن. التفّت الساق بالساق: (كناية عن الازدحام حتى تشتبك أرجل نفر من الناس بأرجل نفر آخرين)