هو مجد الدين أبو الطاهر محمّد بن شيخ الإسلام سراج الدين يعقوب بن محمّد بن ابراهيم بن عمر الشيرازيّ الفيروزاباديّ، ولد في بلدة كازرون قرب شيراز، في جمادى الأولى 729 ه (1329 م) .
بدأ الفيروزاباديّ تعلّمه في شيراز سنة 737 ه ثم ذهب الى واسط. و في سنة 745 ه (1344 م) جاء الى بغداد. و في 750 ه كان في دمشق يسمع من تقيّ الدين السبكيّ ثمّ ذهب معه الى القدس. و بقي الفيروزاباديّ في القدس عشر سنين. بعدئذ ذهب الى بلاد الروم (آسية الصغرى) ثم الى القاهرة. و في 770 ه (1368 م) ذهب الى مكّة و مكث فيها مدّة زار في أثنائها دهلي و ما جاورها من بلاد الهند. و في سنة 794 ه)1392 م) دعاه والي بغداد السلطان بهادور أحمد بن أويس بن حسن بزرك (1) الجلائري فلقي عنده حظوة. ثم زار تيمورلنك في شيراز. و في 796 ه ذهب الى اليمن فنال حظوة عند الملك الأشرف سلطان تعزّ فأصبح هنالك قاضي القضاة.
و كانت وفاة الفيروزاباديّ في زبيد باليمن في 20 شوّال من سنة 817 ه (3/1/1415 م) .
الفيروزاباديّ من أشهر علماء اللغة، كان سريع الحفظ فبرع في علوم كثيرة و خصوصا في التفسير و الحديث و الفقه و اللغة؛ و كان له نظم و نثر. و للفيروز آبادي نحو أربعين كتابا أشهرها القاموس المحيط الذي اختصره من تآليف له في هذا الفن أوسع نطاقا. و القاموس المحيط كتاب لغة، و لكنّ فيها فوائد جغرافية و تاريخية و استطرادات أدبية أحيانا. و من كتبه أيضا: اللامع المعلم (قاموس) -الجليس الأنيس في أسماء الخندريس (الخمر) -تحبير الموشّين فيما يقال بالسين و الشين-البلغة في تأريخ أئمّة اللغة - الغرر المثلّثة و الدرر المبثّثة (2) - تحفة الأبيه (3) في من نسب الى غير أبيه، الخ.
- من مقدمة «القاموس المحيط» :
الحمد للّه منطق البلغاء باللغى في البوادي و مودع اللسان ألسن اللّسن الهوادي. . . و بعد فإن للعلم رياضا و حياضا و خمائل و غياضا و طرائق و شعابا و شواهق و هضابا، يتفرّع عن كلّ أصل منه أفنان و فنون، و ينشقّ عن كلّ دوحة منه خيطان و غصون (4). . . . .
هذا و اني قد نبغت في هذا الفن قديما و صبغت به أديما و لم أزل في خدمته مستديما. و كنت برهة من الدهر ألتمس كتابا جامعا بسيطا و مصنّفا على الفصح و الشوارد محيطا. و لمّا أعياني الطلاب شرعت في كتابي الموسوم باللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم و العباب (5) فهما غرّتا الكتب المصنّفة في هذا الباب و نيّرا براقع الفضل و الآداب، و ضممت إليهما زيادات امتلأ بها الوطاب و اعتلى منها الخطاب ففاق كلّ مؤلّف في هذا الفن هذا الكتاب. غير أني خمّنته في ستّين سفرا يعجز تحصيله الطلاّب. و سئلت تقديم كتاب وجيز على ذلك النظام و عمل مفرغ في قالب الإيجاز و الإحكام مع التزام إتمام المعاني و إبرام المباني، فصرفت صوب هذا القصد عناني و ألّفت هذا الكتاب محذوف الشواهد مطروح الزوائد معربا عن الفصح و الشوارد، و جعلت بتوفيق اللّه تعالى زفرا في زفر و لخّصت كلّ ثلاثين سفرا في سفر و ضمّنته خلاصة ما في العباب و المحكم و أضفت اليه زيادات منّ اللّه تعالى بها و أنعم و رزقنيها عند غوصي عليها من بطون الكتب الفاخرة الدأماء الغطمطم و أسميته القاموس المحيط لأنه البحر الاعظم (6). . . . .
______________________
1) حسن بزرك (منعوت و نعت) . بزرك (فارسية) كبير.
2) المبثثة: المنثورة، المتفرقة.
3) الأبيه: الفطن، المتذكر بعد نسيان.
4) اللغى: اللغات. ألسن اللسن: أفصح أنواع اللغات. الخيطان جمع خوط (بضم الخاء) : الغصن الصغير الناعم.
5) صبغت به أديما: أصبح البحث في اللغة فيّ كأنه الدباغ في الجلد لا ننفصل. المحكم كتاب في اللغة لأبي الحسن علي بن اسماعيل بن سيده الاندلسي (ت 458 ه) . العباب كتاب في اللغة لأبي الفضائل رضي الدين الحسن ابن فهد الصغاني (ت 650 ه) .
6) الوطاب: الظرف، الوعاء. الخطاب: التخاطب، توجيه الكلام الى الآخرين. زفر (بضم الزاي و فتح الفاء) : البحر. الزفر (بكسر الزاي و سكون الفاء) : القربة (وعاء من جلد للماء-أي اختصرته كثيرا حتى لكأني أجعل البحر في قربة للماء) . السفر: الكتاب. الدأماء: البحر. الغطمطم: العظيم الواسع المنبسط (الدأماء هنا مفعول أول به من «غوصي)» كذا في الأصل و في شرح مقدمة القاموس المحيط.