هو كمال الدين أبو الفضل جعفر بن تغلب (أو ثعلب) بن جعفر الأدفويّ، ولد في شعبان من سنة 685 ه (1286 م) في أدفو بصعيد مصر. سمع الحديث في قوص و في القاهرة، و كان تلميذا لابن دقيق العيد و أبي حيّان الغرناطيّ. و قد أقام في بستان له بجوار القاهرة. و كانت وفاة الأدفويّ في القاهرة، في عاشر صفر من سنة 748 ه (23/5/1347 م) ، و دفن في مقابر الصوفية.
كان الأدفويّ فقيها و لغويّا، و كانت له خبرة في النظم و النثر، كما كان مؤلّفا مشهورا، له الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد-البدر السافر و تحفة المسافر (تراجم لرجال من القرون الخامس و السادس و السابع، و أكثرهم الشعراء) -الإمتاع بأحكام السماع-فرائد الفوائد و مقاصد القواعد (في فروع الفقه) -المفتي في معرفة التصوّف و الصوفي.
مختارات من آثاره:
- للأدفويّ أبيات يشكو فيها من حال العلم و حال رجال العلم في أيامه:
إنّ الدروس بمصرنا في عصرنا... طبعت على غلط و فرط عياط
و مباحث لا تنتهي لنهاية... جدلا، و نقل ظاهر الأغلاط
و مدرّس يبدي مباحث كلّها... نشأت عن التخليط و الأخلاط
و فلانة تروي حديثا غالبا... و فلان يروي ذاك عن أسباط
و الفاضل النحرير فيهم دأبه... قول أرسطوطاليس أو بقراط
و علوم دين اللّه نادت جهرة... هذا زمان فيه طيّ بساطي (1)
- و قال الأدفوي في مقدّمة «الطالع السعيد» :
. . . و لمّا كان صعيد «قوص» الموضع الذي فيه نشأتي و المكان الذي إليه نسبتي و المحلّة التي فيها عشّي الذي منه درجت و خشّي الذي منه خرجت (2)، و أرضه الأرض التي هي أول أرض مسّ جلدي ترابها و لذّ لطرفي آكامها و ظرابها و حلا لقلبي أرجاؤها و رحابها (3)، و التي أمطر الرزق عليّ سحابها و وضعت عنّي بها التمائم و أقمت بها الى أن طار من رأسي غرابها (4)، و هي التي فيها أقول:
أحنّ إلى أرض الصعيد و أهلها... و يزداد شوقي حين تبدو قبابها (5)
و تذكرها في ظلمة الليل مهجتي... فتجري دموعي إذ يزيد التهابها
و ما صعبت يوما عليّ ملمّة... و شاهدتها إلاّ و هانت صعابها (6)
بلاد بها كان الشباب مساعدي... على نيل آمال عزيز طلابها (7)
و قضّيت صفو العيش في عرصاتها... لذلك يحلو للفؤاد رحابها (8)
مواطن أهلي ثمّ صحبي و جيرتي... و أوّل أرض مسّ جلدي ترابها
فأحببت أن أحيي ما مات من علم علمائها و أنشر ما انطوى من فضل فضلائها، و أظهر ما خفي من نثر بلغائها و درس من نظم شعرائها، و أذكر ما نسي من مكارم كرمائها و كرامة صلحائها؛ فالمرء يكرم بكرامة أهله كما يعظم بنبله و فضله.
و كان شيخي. . . . أثير الدين أبو حيّان محمّد بن يوسف الأندلسيّ الغرناطيّ (9). . . أشار عليّ أن أعمل تاريخا للصعيد مرّة و مرّة و راجعني في ذلك كرّة بعد كرّة، فرأيت امتثال اشارته عليّ متعيّنا حتما و الإعراض عن إجابته غرما لا غنما (10). فشرعت في هذا التأليف مرتّبا على الأسماء (11)، و لم أجد من تقدّمني فيه فأكون تابعا: و لا من أسأله فأكون لما يورده جامعا. فأنا مبتكر لهذا العمل ملجأ الى الفتور و الكسل متحر الى حصول الخلل (12) متصد لما أنا منه على وجل. لكنّي أبذل فيه جهدي (13) و أورد منه ما عندي. و أخصّ به «قوص» و ما يضاف إليها من القرى و البلاد، و أقصره على أهلها و من ولد بها و من أقام بها سنين حتّى دفن بها و نسب إليها من العباد، أو تأهّل بها و له بها نسل أو من له منها أصل (14). و لا أذكر إلاّ من له علم أو أدب، أو صلاح بلغت رتبته فيه غاية الرتب، أو من سمع حديثا فأصيّر ما قدم من ذكره حديثا (15). و لا أذكر الأحياء إلاّ في النادر لغرض أو لأمر عرض: إمّا لقلّة الأسماء في الحرف أو من احتوى على مكارم أو حوى كمال الظرف (16)، أو من كان له إحسان عليّ و برّ ساقه إليّ، فشكر المحسن متعيّن و الاعتراف به من الحقّ البيّن. . . . . و سمّيته «الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد. . . . .»
_____________________
1) طوي بساطه: بطل الاهتمام به.
2) الصعيد: مصر العليا )جنوبي مصر) . العش )بضم العين) بيت العصفور المبني في الشجر. الخش: الشق )في الجدار و نحوه) . درج الصبي )الصغير) : مشى )بدأ مشيه) . «ليس هذا بعشك فادرجي» مثل معناه: ليس لك في هذا الأمر حق )يضرب هذا المثل لمن يرفع نفسه فوق قدرته و لمن يتعرض لما هو ليس منه أو لا يتصل به أو لا يقدر عليه) . و خشي الذي منه خرجت: البلد الصغير الذي جئت منه.
3) الطرف: العين، البصر. الظراب )بالكسر) : الظرب )بفتح فكسر) : ما نتأ من الحجارة )كناية عن الارض الضيقة القاحلة) . الارجاء جمع رجا )المثنى رجوان) : النواحي. الرحاب )جمع رحبة بفتح الراء) : البقعة الواسعة من الارض.
4) وضعت عني التمائم )جمع تميمة: حرز، شيء يعلق على الاطفال لدفع العين و الأذى) : نشأت، جاوزت حد الطفولة. طار عن رأسي غرابها: أصبح شعري الاسود أبيض.
5) حين تبدو )لي) قبابها: حينما أكون قادما من سفر فأرى رءوس بيوتها من بعيد.
6) الملمة: النازلة الشديدة )المصيبة العظيمة) .
7) عزيز: صعب. الطلاب: الطلب، محاولة الوصول الى المراد.
8) قضيت صفو العيش )يقصد: عاش أحسن أيام حياته) . العرصة )بفتح العين و سكون الراء) : قطعة من الارض لا بناء فيها، و الباحة المكشوفة أمام البيوت.
9) أبو حيان الغرناطي (ت 745 ه) من علماء النحو.
10) متعينا علي حتما: واجبا علي أنا و ملزما. الغرم: الخسارة.
11) شرعت: بدأت. على الاسما-على الأسماء: على ترتيب الأحرف الأولى من الاسماء )أحمد، بدر، جعفر، حاتم، الخ) .
12) ملجأ. . . الخلل )المعنى غامض) .
13) متصد له: أحاول القيام به. وجل: خوف. الجهد )بضم الجيم) : أقصى طاقة الانسان.
14) أقصره على أهلها: أجعله قاصرا (مخصوصا بهم لا يتعداهم الى غيرهم) . تأهل و ائتهل: تزوج. من له منها أصل: من يرجع أصل (آبائه) اليها.
15) من سمع حديثا (درس فيها أحاديث رسول اللّه) . حديث «الثانية» : جديد، أو موضوع حديث بين الناس.
16) لقلة الاسماء في الحرف (اذا لم يكن هنالك أحد مشهور في حرف الضاد أو الظاء مثلا أو لقلة الاسماء في ذلك الحرف)