الحديث المئة:
ما رويناه بالأسانيد السابقة عن الصدوق في (العيون) بإسناده عن الوشّاء، عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال أبي (عليه السلام): قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): «إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) قال لنوح: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]؛ لأنّه كان مخالفاً له، وجعل مَن اتّبعه من أهله». قال: وسألني: «كيف يقرؤون هذه الآية في ابن نوح؟» قلت: يقرأها الناس على وجهين: (إِنَّهُ عَمَلٌ غير صالح) و(إِنَّهُ عَمِلَ غير صالِحٍ) فقال (عليه السلام): «كذبوا، هو ابنه، ولكنّ اللَّه عزَّ وجلَّ) نفاه عنه حين خالفه في دينه» (1).
بيان:
قوله: «على وجهين» يعني على وزن المصدر وعلى وزن الفعل، وقراءة المصدر توهم أنّه تولّد من الزنا، وأنّ الخيانة وقعت من أمّه كما حكي (2) عن أكثر الجمهور وجعلوه المراد من قوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾.
فإن قيل: الذي قرأ على وزن الفعل الكسائيّ ويعقوب وسهيل، والباقون على صيغة المصدر، فما معنى نفيه (عليه السلام) لها مع أنّها من القراءة المتواترة قرأ بها أكثر السبعة وأكثر العلماء على أنّ القراءات السبع، كلّها متواترة نزل بها الروح الأمين، وعلى ذلك بنوا ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف» (3) أنّ المراد بها القراءات؟ قيل: الجواب من وجهين:
الأوّل: أنّا لا نسلّم أنّ تواتر القراءات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل عن أربابها من القرّاء، وهم آحاد من المخالفين استبدّوا بآرائهم وجعلوا قراءتهم قسيمة لقراءة أهل البيت (عليهم السلام) العالِمين بالتنزيل والتأويل، فيكون هذا الخبر قدحاً في تواترها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله).
والثاني: أن يكون التكذيب راجعاً إلى تأويلهم قراءة المصدر بذلك التأويل القبيح الباطل، فلا يكون راجعاً إلى أصل القراءة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون الأخبار، ج 2، ص 75 - 76، ح 3؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 11، ص 320، ح 26، تفسير العيّاشي، ج 2، ص 151، ح 41.
(2) راجع: جامع البيان للطبري، ج 12، ص 65 - 67؛ تفسير القرطبي، ج 9، ص 46؛ تفسير ابن كثير، ج 2، ص 464. وهو محكيّ بعض العامّة لا أكثرهم.
وقوله (عليه السلام): «كذبوا» يعني: في القراءة الموهمة لذلك.
(3) تفسير العيّاشي، ج 1، ص 12، ح 11؛ الخصال، ج 2، ص 358، ح 43؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 89، ص 49، ح 10؛ مسند أحمد، ج 2، ص 30؛ النهاية لابن الأثير، ج 1، ص 355 (حرف)؛ الدّرّ المنثور، ج 2، ص 6؛ كنز العمّال، ج 2، ص 53، ح 3085.