تشويقاً للعباد الصالحين وترغيباً لهم بالقيام بأعمال الخير؛ يعبر الله سبحانه عن ما أعده لهم. في مقابل تلك الأعمال الطيبة والخدمات التي يبذلونها في سبيل الله ـ بالأجر وبالجزاء أحيانا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 172] و(إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: 120] وأحياناً بالبيع والشراء: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ) [التوبة: 111] وتارة بالإنفاق في سبيل الله: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195] وأُخرى بتعبير القرض الحسن: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة: 245].
ولا شك في أن هناك سراً كامناً في كلّ تعبير: فسر التعبير بالأجر والجزاء هو أن الإنسان الذي يعمل في سبيل الله، يكون كمن آجر نفسه وأعماله الله؛ فهو الأجير والله سبحانه هو المستأجر وربّ العمل، وبين الأجير وربّ العمل عهد وبموجبه يدفع ربّ العمل أُجرة مقابل عمل الأجير.
أما سر التعبير بالبيع والشراء، فيكمن في بيعة العبد مع الله، حيث إنه ببيع نفسه إلى الله، يكون قد التزم بعدم العمل لغيره، والامتناع عن أداء أي عمل دون إحراز رضا الحق.
أما تعبير القرض الحسن فهو من أجل ألا يتوهّم أحد أن المال المصروف في سبيل الله قد ضاع بل إن عين المال وأصل العمل محفوظان لدى الله وسيعودان إلى صاحبه. ففي حالة إعطاء الصدقة والقيام بالخدمات العامة يكون مستلمها والمستفيد منها في الظاهر شخصية حقيقية أو حقوقية، كالمسجد والحسينية أو المدرسة؛ إلّا أنّ الله سبحانه قد اعتبر الأيادي المستلمة هي. أياديه وهو المقترض: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ) [البقرة: 245]. فالله يسند مثل هذا الإحسان الممدوح لديه إلى نفسه؛ وكأنّ الذي أخذ ذلك المال هو الله، مثلما يعتبر إهانة المؤمن إهانة له[1].
إن على الإنسان أن يفتخر بأن من يتعامل معه هو الله سبحانه، فلو أنّ شخصاً عظيماً وأميناً ومحترماً طلب الاقتراض منا، فسنلبي طلبه بشوق وافتخار؛ وعين هذا الطلب يطلبه الله سبحانه منّا، وهو الأمين والصادق، وهو الذي يفي بعهده على أفضل وجه، ويجزي على ذلك بعدة أضعاف ذلك القرض.
ومثل هذا النوع من التعابير هو من أجل حثّ المؤمنين على الإنفاق ليس إلا؛ وإلا فالشخص الذي يفوز بتوفيق الجهاد بالنفس والمال، يكون في الحقيقة قد بذل في سبيل الله ما أخذه قبلاً من يد الله بعنوان الأمانة أو العارية، وليس شيئاً من ماله؛ فروحه وماله ملك حقيقي الله.
وعلى هذا يكون التعبير ببيع الأنفس وإقراض المال الله من أجل ترغيب الناس، إذ المالك الحقيقي لجميع الأشياء هو الله.
[1] راجع: الأمالي الطوسي، ص 23؛ مستدرك الوسائل، ج 2، ص 94.