(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245].
خلاصة التفسير: يدعو الله سبحانه في الاية التي هي مورد البحث المؤمنين الى القيام بالاعمال الحسنة ومن بينها الانفاق وهذه الدعوة جاءت بنغمة موسيقية مشوقة (مَّن ذَا الَّذِي) [البقرة: 245] وما يصطلح عليه في القرآن بالقرض الحسن الذي يشمل القرض الحسن الفقهي أيضا وهو كل عمل خير يقوم به الانسان لوجه الله سواء كان من العبادات المتعارفة أم الانفاق المالي أم عملا عام المنفعة.
والسر في تسمية هذا المعنى العام بـ(القرض الحسن) هو بقاء أصل العمل محفوظا لدى الله كما في عقد القرض حيث يعود المال ويكافئ الله المقرض بعدة أضعافه ولا شك في أن الله لا يقبل بعض القروض بسبب افتقارها للحسن الفعلي أو الفاعلي أو استتباعها المن والأذى أو عدم طيبها ونقائها.
والحسن التام للإقراض يتوقف على اجتماع جميع علل حسن القرض ومن بينها اجتثاث حب المال والتعلق به من القلب وامتثال أمر الاقراض شكرا لله وحبا له.
والقروض الحسنة المالية لها منافعها الاجتماعية الحسنة أيضا فهي تساهم في تخليص المجتمع من الفقر والبطالة والبؤس كما أن لها دورها الفاعل في تهذيب النفوس وسخائها.
أما تعويض المنفقين بالجوائز المضاعفة، فهو دليل على غنى الله عن هذا الإنفاق، ومثل هذا الجزاء لا يقدر عليه إلّا الله القابض والباسط.
وكل واحدة من الجمل الثلاث الأخيرة في الآية تبين عدم حاجة الله، مضافاً إلى أنّ حصر القبض والبسط بالله يشير إلى التوحيد الخالص.
والذي يهنئ الأرضية للقبض هو الإنسان نفسه بسبب ضعفه القابلي، وإلّا فالفيوض الربانية مستمرة دائماً وأبداً.
والتصريح بالرجوع العام نحو الله، هو بشارة للطيبين وتحذير للمذنبين، وقد جاء للحث على الإنفاق المالي وعدم تركه.
تفسير المفردات: قرضاً: (الفرض) هو ضرب من القطع. وإذا قام الإنسان بقطع مقدار من قماش أو غيره يقال قطعه، وتسمّى (آلة القطع مقراض) وما يتساقط ويتبقى مـن ذلك هو (القُراضة). وسمّي المال الذي يُعطى لآخر بشرط إرجاع عينه أو بدله قرضاً[1]، فكأن المقرض قد اقتطع ذلك المال من بقية أمواله.
والتفاوت بين القرض والدين هو في الأجل؛ فالدين له مدة، والقرض لا مدة له[2]. وهناك فروق أُخرى بين الاثنين يتكفّل علا الفقه والحقوق ببيانها.
و(القراض) هو المضاربة في لغة أهل الحجاز[3].
وعبر القرآن الكريم عن التجاوز والعبور من وضع إلى وضع آخر، والتحوّل والانتقال من حالة إلى حالة أخرى بـ(القرض) فقال: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) [الكهف: 17] أي إن الشمس عند غروبها كانت تنتقل من وضع إلى وضع آخر نحو الشمال فتلتف حول أصحاب الكهف كي لا يصيبهم نورها مباشرة. وقد جاء معنى (القرض) اللغوي هذا في الروايات أيضاً، كما في قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرط وقُراضَة الجلم...[4] .
ولم يكتف أمير المؤمنين علي عليه السلام ببيان هذا الأصل الكلي؛ بل أثنى على الرجال الربانيين الذين أعرضوا عن الدنيا، فقال عنهم إنهم زاهدون بالدنيا راغبون في الآخرة، وهم يشبهون نبي الله عيسى عليه السلام الذي قرض الدنيا وألقى بها جانباً: أولئك قوم... ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح[5].
أضعافاً: (ضعف الشيء) هو مثله، و(أضعاف). جمع (ضعف) بمعنى أمثال. أما (التضعيف) و(الإضعاف) و(المضاعفة) فجميعها بمعنى الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثليه أو أكثر[6].
يقبض: (القبض) أخذ الشيء وامتلاكه أو التسلّط عليه. وقوام معنى (القبض) يعتمد على عنصرين هما (الجمع) و(التسلّط)؛ فيكون القبض بعكس البسط، وبمعنى التجميع المؤدّي إلى تسلّط وتحكّم القابض على المقبوض[7]. ومن هنا قال البعض إن القبض هو تناول الشيء بجميع الكف، نحو قبض السيف وغيره، لا التناول بأطراف الأصابع الذي هو (القبص)[8].
يبصط: (البصط) نفس (البسط) بالسين، ومعناه النشر[9].
تناسب الآيات: أمر القرآن الكريم في الآية السابقة بالجهاد بالنفس، ولما كان الجهاد بوجه العدو يحتاج إلى التضحيات المالية مضافاً إلى الجهود البدنية؛ لذا جاءت الآية التي هي مورد البحث لتشجيع الجميع على بذل المال بعبارات مشوقة ومحفّزة مستفيدة من عنوان (إقراض الله قرضاً حسناً) والتذكير بالثواب غير المحدود على ذلك، كي يؤدّوا هذا الواجب براحة بال واطمئنان.
[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص 666؛ لسان العرب، ج 7، ص 216-217 ق ر ض.
[2] معجم الفروق اللغوية، ص 426.
[3] النهاية ابن ال ج 4، ص 41، ق رض.
[4] نهج البلاغة، الخطبة.32. إن من يريد أن يكون عالماً زاهداً ووارثاً للأنبياء قائماً بوظائفهم، فيجب عليه أن تكون الدنيا لديه مثل قراضة القلم لا قيمة لها ولا وزن، فيحتقرها ويدوس عليها. وإلّا فإن مجرد قراءة بعض الدروس وحفظ عدد من المصطلحات لا تحميه من الوقوع في أسر بهرجة الدنيا وزخارفها، فيؤول أمره إلى الموت ميتة العوام دون أن يكون عالماً حكيماً. فاسعوا إلى أن تكون الدنيا وعبيدها صغاراً في أعينكم ولا تعوّدوا أيديكم على أخذ شيء من أصحاب الدنيا.
[5] المصدر نفسه، الحكمة 104. وهذه المجموعة يمثلها أمثال أبي ذرّ الذي مع أنه كان يعيش في وسط المجتمع وله الدور الفعّال في المسائل الحسّاسة لتلك المجتمعات؛ إلا أنه قطع علاقاته مع الدنيا وأبعدها عن نفسه؛ لا أنه كان منقطعاً عن مجتمعه ومنعزلاً عن الناس.
[6] المصباح المنير، ص 361، ض ع ف.
[7] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 9، ص 182-183، ق ب ض.
[8] مفردات ألفاظ القرآن، ص 652، ق ب ض.
[9] الصحاح، ج 2، ص 1116، ب س ط.