مصطلح التعليم:
هناك علاقة وثيقة بين الإعلام والدعاية والتعليم في العملية الكلية التي تتكون في إطارها الآراء، الأمر الذى يتطلب المقارنة بشكل مباشر بين مصطلحى التعليم والدعاية، ذلك أن أساس التعليم هو حياده ودقته على ضوء الحقائق السائدة فى زمن معين، بينما أساس الدعاية هو محاولة السيطرة على اتجاهات الأفراد، وفى العادة تتم السيطرة على الاتجاهات من خلال استغلال الجوانب غير العقلانية، ودائما بأساليب غير عقلانية.
إن حرية الاختيار تفترض تقديم كل البدائل المتصلة بالموضوع، ولكن من سمات الدعاية أنها تحاول أن تقلل فرص الاختيار عمدا، سواء بتجنب الجدل (تقديم وجهة نظر واستبعاد أخرى)، أو بالنقد العاطفى لرأى الجانب الآخر ومنطقه باستغلال أو استخدام الكاريكاتير والصور المنطبعة والوسائل الأخرى. فهناك دائما شيء يخفيه رجل الدعاية، وما يخفيه قد يكون هدفه الحقيقي من شن الحملة، أو الأساليب السيكولوجية التى يستعين بها (مثل الإيحاء) أى استخدام العواطف، أو قد يخفى حقيقة أن هناك وجهات نظر بديلة. وبصرف النظر عن طبيعة المضمون (صادق) أو كاذب) وطبيعة من يقدمه (مخلص أو غير مخلص، وطبيعة هدفه (جيد أو ردىء) فهذه أمور أقل أهمية. ولكن الذي يجعل السلوك دعاية هو الأسلوب الذى تقدم بمقتضاه المادة تماما مثل مضمونها (إخفاء وجهات النظر البديلة).
باختصار لم تحقق أغلب المحاولات التي بذلت للتفرقة بين الدعاية والتعليم نجاحا. لأنها لم تأخذ في الحسبان أن معايير الحكم على الظاهرتين مختلفة تماما. فمعيار أو أساس التعليم هو صدق المعلومات على ضوء المعرفة المتوافرة وتوفير البديلات، ومعيار أو أساس الدعاية هو الهدف الكامن خلف العملية الدعائية، ذلك أن تحقيق الهدف من تدريس ما نعتقد أنه صادق، تصبح النتيجة دعاية أو تعليما.
على هذا الأساس يمكن أن نقول:
1- يهدف التعليم إلى تطوير الحكم، والدعاية تهدف إلى تقديم أحكام جاهزة لمن لا يفكر.
2- يهدف التعليم إلى غرس اتجاهات بطريقة هادئة وبطيئة، أما الدعاية فتهدف إلى تحقيق نتائج سريعة.
3- المعلم يقول للفرد كيف يفكر؟ والدعاية تعطيه الموضوعات التي يفكر فيها، فالتعليم يهيئ الفرد لكى يفكر وحده كفرد وبذهن مفتوح أما رجل الدعاية فيسعى لتضييق الفكر وتقليل البدائل.
4- تؤثر الدعاية باستغلال العواطف وتعديل الاتجاهات من خلال استخدام الإيحاء، حتى إن اختفت وراء المنطق. بينما يسعى التعليم للتأثير على العقل.
5- يركز التعليم على الجهود التي تبذل لتثقيف الأطفال، بينما تركز الدعاية على أولئك الذين انتهوا من المرحلة التعليمية ويركز التعليم على ما يدرس في المدارس، بينما تركز الدعاية على الأمور التي تدرس خارج المدارس.
6- يقوم التعليم على الدقة في تقديم المعلومات الموثوق بها على ضوء الحقائق السائدة في زمن معين، أما الدعاية فهي مرتبطة بالحقائق المشكوك في صحتها.
7- ومن أسس التفرقة الأساس الآخر للتفرقة بين الدعاية والتعليم: جعل المعايير المستخدمة أهداف التعليم وليس الموضوعات التي يتم تعليمها. ويمكن توضيح هذه التفرقة بتعريف الدافع على التعليم على أنه "خدمة المجتمع ككل بينما الدعاية تهدف إلى تطوير" مصلحة جماعة خاصة" ويتطلب هذا التفسير أن يفرق الفرد بين أدوار رجال الدعاية الذين يعتقدون أنهم يخدمون الجمهور، ويسعون لتوفير "مجتمع أفضل" أكثر من خدمتهم لجماعة محددة. ولكن اصطلاح "مجتمع أفضل" ليس اصطلاحا موضوعيا أو معيارا يمكن بمقتضاه تقييم الأمور بشكل موضوعي.
8- وأخيرا ينقل التعليم تراثا اجتماعيا، بينما تعمل الدعاية على تثقيف الأفراد مذهبيا، كما أنها تعمل على تعديل أو تغيير النظام الاجتماعي. وكما هو الحال في التعريف الذى يضع كمعيار أساسي "مصلحة المجتمع" تكمن الصعوبة فى عملية التحديد فحيث إنه ليست هناك مجموعة من الحقائق الثابتة حول التراث الاجتماعي، لا بد أن يقرر شخص ما أو مؤسسة أو نظام (مكونات التراث الاجتماعي) في كل مجتمع، وما يجب أن ينقل من ذلك التراث إلى الأجيال التالية. بالطبع لا يمكن تحقيق اتفاق واسع النطاق حول هذه القضية. فأى برنامج يهدف إلى تطوير المجتمع يجب أن يدين بشيء ما للماضي، وبهذا يجب أن يكون بطريقة ما جزءًا من التراث الاجتماعي. على سبيل المثال: يستطيع كل من الشيوعيين والرأسماليين أن يدعوا أنهم ينقلون التراث الاجتماعى للثورة الليبرالية الصناعية، كما يستطيع المواطن الأبيض في جنوب أفريقيا، والمواطن الأفريقي في نيجيريا أن يفعل نفس الشيء. ومن الصعب علينا أن نتعرف على الجماعات التي ترغب في تعديل التراث من تلك التي ترغب في المحافظة عليه، فالقضية ليست التغيير فى مواجهة الاستمرار ، ولكن القضية هي تحديد اتجاه التغيير.