الحديث السبعون: [لو أنّ الموت يشترى لاشتراه الكريم...]
ما رويناه بالأسانيد السابقة عن ثقة الإسلام في أوائل الروضة بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في خطبته الوسيلة: «أيّها الناس، لو أنّ الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج واللئيم الملهوج» (1).
إيضاح:
(الأبلج) يطلق على المشرق الوجه، ويطلق أيضاً على الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، وهذا عندهم من علامات اليُمْن والبركة.
و(الملهوج) من لهج بالشيء إذا ولع به، ولعلّ المراد به هنا الحريص.
وقد ذكر العلّامة المحدّث المجلسيّ للحديث ثلاثة معان:
الأوّل: أن يكون المراد: أنّه لو كان الموت ممّا يمكن أن يشترى لاشتراه الكريم؛ لشدّة حرصه في الكرم وقلّة بضاعته، كما هو الغالب في أصحاب الكرم حيث لا يجد ما يجود به، فهو محزون دائماً لذلك ويتمنّى الموت ويشتريه إن وجده، واللئيم يشتريه؛ لأنّه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه، وقد ينقص من ماله شيء بالضرورة، وهو مخالف لشحّه (2)، ويرى الناس في نعمة فيحسدهم عليها، فهو في شدّة لازمة لا ينفكّ عنها بدون الموت فيتمنّاه.
الثاني: أن يكون المراد أنّ الكريم يشتريه؛ ليتخلّص منه البائع، واللئيم يشتريه؛ لأنّه حريص على جمع الأشياء كلّها حتّى الموت.
الثالث: أنّ الكريم يشتريه؛ ليرفعه من بين الخلق، واللئيم يشتريه؛ ليميت جميعهم ويستبدّ بأموالهم (3).
ويمكن معنى رابع وهو: أنّ الكريم الواسع الطبع يشتريه عند عدم اقتداره على المال؛ ليحسن به إلى الناس، والحريص يشتريه إذا لم يقدر على المال؛ لشدّة حبّه له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ح 8، ص 22، ذيل ح 4؛ حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ج 2، ص 175، ح 9.
(2) في المصدر: «لسجيّته».
(3) مرآة العقول، ج 25، ص 49. وراجع: الأنوار النعمانيّة، ج 4، ص 29.