1. معنى السر والقول المعروف في الآية: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) [البقرة: 235] قال لاتصرحوا لهن النكاح والتزويج[1].
عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: (وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة: 235] فقال: السر أن يقول الرجل: موعدك بيت آل فلان ثم يطلب اليها أن لا تسبقه بنفسها إذا انقضت عدتها.
قلت: فقوله: (إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا) [البقرة: 235]؟ قال: هو طلب الحلال في غير أن يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله[2].
عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن عليه السلم عن قوله الله عزوجل: (وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) [البقرة: 235] قال: يقول الرجل أواعدك بيت آل فلا يعرض لها بالرفث ويرفث يقول الله عزوجل: (إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا) [البقرة: 235] والقول المعروف التعريض بالخطبة على وجهها وحلها: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة: 235][3].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: (وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا) [البقرة: 235]؟ قال: هو الرجل يقول للمرأة قبل أن تنقضي عدتها أواعدك بيت آل فلان ليعرض لها بالخطبة[4].
عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: (إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا) [البقرة: 235] قال: يلقاها فيقول إني فيك لراغب واني للنساء لمكرم تسبيقيني بنفسك...[5] .
تنويه: طبقا لهذه الروايات يكون معنى (السر) في الآية التي هي مورد البحث هو اقتراح اللقاء في مكان خاص والتعريض بالخطبة وأن يطلب من المرأة ألا تفكر في شخص آخر غيره بعد أيام العدة.
أما (القول المعروف) في هذه الآية فهو التعريض بالخطبة بالطريقة الشرعية والمقبولة كما لو قا للمرأة خلال اللقاء بأني راغب فيك أو أني أحترم النساء أو ماشابه ذلك.
وعلى أي حال فالملاقاة السرية مع النساء في أيام العدة لا تجوز إلا اذا لم يختللها ارتكاب أعمال محرمة فتقتصر على التعريض بالخطبة ضمن الحدود الشرعية دون التصريح بها ومن هنا جاء في الرواة الأولى النهي عن المواعدة السرية بمعنى التصريح بالنكاح والزواج.
2. أحكام عقد النكاح في فترة العدة: عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه قال: والذي يتزوج المرأة في عدتها وهو يعلم لا تحل له أبدا[6].
عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال :قلت له المرأة الحبلى يتوفى عنها زوجها فتضع وتزوج قبل أن تعتد أربعة أشهر وعشرا؟ فقال إن كان الذي تزوجها دخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا واعتدت بما بقي عليه من عدة الأول واستقبلت عدة اخرى من الاخر ثلاثة قروء وان لم يكن دخل بها فرق بينهما وأتمت ما بقي من عدتها وهو خاطب من الخطاب[7].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ودخل بها لم تحل له أبدا عالما كان أو جاهلا[8].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال اذا تزوج الرجل المرأة في عدتها وان لم يدخل بها حلت للجاهل ولم تحل للاخر[9].
عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي ابراهيم عليه السلام قال :سأله عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له أبدا؟ فقال: لا أما اذا كان بجهالة فليتزوجها بعدما تنقضي عدتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك.
فقلت: بأي الجهالتين يعذر بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه أم بجهالته أنها في عدة؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها.
فقلت: فهو في الاخرى معذور؟ قال: نعم اذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها[10].
تنويه: يتسبب عقد النكاح في فترة العدة أحيانا بالحرمة الابدية وأحيانا لا يؤدي الى تلك الحرمة الابدية.
أ. الحرمة الأبدية: كما جاء في الروايات الثلاث الأولى، يتسبب عقد النكاح أثناء العدة بالحرمة الأبدية في حالتين:
الحالة الأولى: الزواج في العدة، وذلك عندما يكون الشخص عالما بحكم. حرمة الزواج في هذه الفترة، حيث يكون عقده باطلاً. وطبقاً للرواية الأولى فإنّ تلك المرأة تحرم عليه حرمة أبدية حتى لو لم يكن قد باشرها.
جدير بالذكر أن المراد من العدّة في الرواية الأولى معناها المطلق الذي يشتمل على عدتي الطلاق والوفاة معاً.
الحالة الثانية: الزواج في عدة الوفاة وتحقق مباشرة المرأة، سواء كان الرجل عالماً بالحكم والموضوع أم لم يكن، حيث يجب في كلتا الحالتين التفريق بينهما، وتحريم المرأة على الرجل حرمة أبدية، مع وجوب إتمام بقية الـعدة الأولى على المرأة، ثمّ الشروع أيضاً بعدّة أُخرى مدتها ثلاثة أطهار أخرى.
ب. عدم الحرمة الأبدية: وذلك طبقاً لما تفيده الروايات الرابعة والخامسة والسادسة، حيث ذكرت أنّ من عقد على امرأة في عدتها دون أن يكون عالماً بحكم ذلك وموضوعه، لكنّه لم يباشرها، فعقده باطل دون أن تحرم المرأة عليه حرمة أبدية، بل يجب عليه تطليقها حتى تتم ما بقي من فترة عدتها، وحينئذ يمكن لذلك الرجل أن يتقدم كواحد من خاطبي تلك المرأة.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الرواية الأخيرة مطلقة؛ لكنها تتقيد بالرواية السابقة لها. أي إن ما ذكرته الرواية بصورة مطلقة من جواز الزواج مع تلك المرأة بعد انقضاء العدة، قد تم تقييده بعدم مباشرة الرجل الجاهل بالحكم أو الموضوع بعد عقد الزواج.
ومما سبق يظهر أن حصيلة ما تفيده مجموعة هذه الروايات هي أن الحرمة الأبدية تحصل في حالة عقد الرجل على المرأة في فترة العدّة مع علمه بالموضوع والحكم أو في حالة جهل الرجل لكنه باشر المرأة المذكورة بعد العقد أما عدم الحرمة الابدية فهي تكون في الحالة التي يعقد فيها الرجل على المرأة في فترة العدة مع جهله بالموضوع والحكم بشرط ألا يكون قد باشرها.
وهذا المعنى يفهم من هذه الرواية التي هي النموذج الجامع بين الروايات الخاصة بعقد المرأة في فترة العدة عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ودخل بها لم تحل له أبدا عالما كان أو جاهلا وإن لم يدخل بها حلت للجاهل ولم تحل للاخر[11].
والجدير بالذكر أن الشخص الذي يكون عالما بالحكم التكليفي والحكم الوضعي للزواج مع المرأة التي في العدة هو في الحقيقة كمن عقد عقدا صوريا لانه لم يكن قاصدا قصدا واقعيا لانشاء العقد بمعنى انعدام احتمال كونه جادا.
[1] مجمع البيان ج1-2 ص593 وسائل الشيعة ج20 ص498
[2] الكافي ج5 ص434 وسائل الشيعة ج20ص497
[3] الكافي ج5 ص434 وسائل الشيعة ج20 ص498
[4] الكافي ج5 ص434 وسائل الشيعة ج20 ص498
[6] الكافي ج5 ص429 وسائل الشيعة ج20 ص450
[7] الكافي ج5 ص427 وسائل الشيعة ج20 ص450
[8] الكافي ج5 ص426-427 وسائل الشيعة ج20 ص450
[9] الكافي ج5 ص426-427 وسائل الشيعة ج20 ص450
[10] الكافي ج5 ص427 وسائل الشيعة ج 20 ص451
[11] الكافي ج5 ص426-427 وسائل الشيعة ج20 ص450