0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

اساسيات الاعلام

الاعلام

اللغة الاعلامية

اخلاقيات الاعلام

اقتصاديات الاعلام

التربية الاعلامية

الادارة والتخطيط الاعلامي

الاعلام المتخصص

الاعلام الدولي

الرأي العام

الدعاية والحرب النفسية

التصوير

المعلوماتية

الإخراج

الإخراج الاذاعي والتلفزيوني

الإخراج الصحفي

مناهج البحث الاعلامي

وسائل الاتصال الجماهيري

علم النفس الاعلامي

مصطلحات أعلامية

الإعلان

السمعية والمرئية

التلفزيون

الاذاعة

اعداد وتقديم البرامج

الاستديو

الدراما

صوت والقاء

تحرير اذاعي

تقنيات اذاعية وتلفزيونية

صحافة اذاعية

فن المقابلة

فن المراسلة

سيناريو

الاعلام الرقمي

الخبر الاذاعي

الصحافة

الصحف

المجلات

وكالات الأنباء

التحرير الصحفي

فن الخبر

التقرير الصحفي

التحرير

تاريخ الصحافة

الصحافة الالكترونية

المقال الصحفي

التحقيقات الصحفية

صحافة عربية

العلاقات العامة

استراتيجيات العلاقات العامة وبرامجها

التطبيقات الميدانية للعلاقات العامة

العلاقات العامة التسويقية

العلاقات العامة الدولية

العلاقات العامة النوعية

العلاقات العامة الرقمية

الكتابة للعلاقات العامة

حملات العلاقات العامة

ادارة العلاقات العامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

أهم الصحفيين الاستقصائيين في تاريخ المهنة

المؤلف:  د. عربي المصري

المصدر:  التحرير الاستقصائي

الجزء والصفحة:  113- 120

2026-10-09

60

+

-

20

أهم الصحفيين الاستقصائيين في تاريخ المهنة:

تتعدد الأسماء التي أضفت على تاريخ مهنة التقصي الطويل رونقها، وكان لتجربتها العامل الأساس في تطور المهنة، وسوف نحاول تقديم أبرز الأسماء المختارة على كثرتها، من خلال عرض تجربتها لاستنباط الدروس والعبر بعيداً عن مجرد السرد التاريخي:

نبللي بلاي Nellie Bly استقصائية التخفي في العالم:

بدأت بالكتابة لصحيفة Pittsburg Dispatch عام 1985 بعد أن عملت في سبعينيات القرن العشرين في مطبوعة نيويورك وورلد New York World، وقد ادعت المرض بالجنون، لتكتب مقالات تحت عنوان: "عشرة أيام في مستشفى المجانين"، ودخلت المصحة التي وصفتها بمقبرة الأحوال الحية، وكشفت فيها عما يتعرض له المجانين من إذلال وتعذيب، إضافة إلى وجود الكثير من العقلاء فيها الذين دفعتهم الحياة للتظاهر بالجنون فوقعوا في قسوة المستشفى، علماً أن "بلاي" ادعت الجنون وعاشته فترة كي تقنع الناس قبل نقلها إلى المستشفى بجنونها، ولا يشك فيه أطباء المستشفى ونزلائها أبداً، ما سهل لها إتمام مهمتها على أكمل وجه، قبل أن تنتقل للتخفي بأدوار عدة جعلتها استقصائية التخفي الأولى في العالم، فبفضل تحقيقها دخل خزينة الإدارة العامة للجمعيات الخيرية 850 ألف دولار من التبرعات بعد نشر الاستقصاء، ثم أصدرت بعد ذلك كتاباً كاملاً عن التجربة التي عاشتها أسمته "عشرة أيام في بيت المجانين".

جونتير فالراف Gunter Wallraff:

الصحفي الألماني الذي انتحل شخصيات عدة، واعتبر منطلق عمله أنه لا يمكن فهم الأمور بعمقها وتفاصيلها إلا إذا عايشها الإنسان من الداخل، وقد طبق هذا المبدأ غير تنكره بغية الدخول إلى الأماكن التي يريد استكشافها، ليعمل مرات عدة بهوية مزورة كما في صحيفة "بيلد"، وقد نشر بعدها كتاباً بعنوان "الصحفي المنبوذ"، كما دخل إلى مأوى مدمن كحول، وعاش تجربة مشرد دون منزل، وحالة طالب يحتاج إلى غرفة للإيجار وعمل، كما حاول الوصول إلى المعلومات من الشركات والمؤسسات والدوائر عبر اتصالات هاتفية، مدعياً أنه يتصل من مكتب وزير أو مسؤول رسمي، وهدفه من جميع هذه الشخصيات كشف معاناة الناس، وكيفية تعامل الآخرين معهم، وآليات عمل المجتمع، وقادته هذه الأساليب مرات عدة إلى المحاكم مدافعاً عن نفسه انطلاقاً من حق الناس في معرفة الحقيقة، وأوضح أن طريقته هي الوسيلة الوحيدة والأفضل التي تتيح الوصول إلى حقائق المعلومات، وقد توج تحقيقاته الاستقصائية في منتصف الثمانينيات بكتاب لخص فيه استقصاءه الأشهر"الرأس التركي" Tete de Turc وفيه تقمص شخصية مهاجر تركي، لتكشف معاناته سوء معاملة العمال الأتراك وهضم حقوقهم كعمالة في أوروبا، حيث تبين من خلال تحقيقات أولية أجراها أن العمال الأجانب في بلاده "ألمانيا" يعاملون في الشركات والمصانع بطريقة مختلفة عن العمال الألمان، ما دفعه إلى استكشاف الأمر ميدانياً لتحديد ظروف عمالة الجالية التركية في بلاده، وعليه اتخذ هوية عامل تركي اسمه "علي سينيرغليو"، ببشرة حاذقة، وشعر وشاربين أسودين، وبلغة ألمانية مكسرة، ليقدم نفسه للحصول على وظيفته الأولى، وهو على أهبة الاستعداد لعمل أي شيء كسباً لقوت الحياة مهما كان العمل قاسياً ووسخاً وملوثاً، وهو حال وواقع يعيشه كل العمال الأتراك في البلاد الألمانية.

وطوال سنتين تنقل فيها جونتير في وظائف متعددة، وصل إلى خلاصة القهر والتمييز العنصري والإهانات وجهنم على الأرض نتيجة قسوة أرباب العمل، وشملت أعماله تنظيف الحمامات في مطاعم ماكدونالد، وفأر اختيار لمختبر طبي، وعامل مصنع تنظيف صناعي 16 ساعة، وبناء، وعاملاً في محطة نووية، ليكتشف في النهاية أن أياً كان القطاع المهني فإن العمال الأتراك يعاملون برواتب أقل، ومواقع أخطر، وساعات عمل أطول، وصعوبة تحصيل المستحقات، وهنا يشار إلى أن هذه النتيجة التي تحصل عليها فالراف كانت نتيجة رواية معاناة العمال الأجانب (لا كما يراها الألمان يل كما يعيشها أصحابها)، فكان تحقيقه أداة لتغيير في سلوكيات أرباب العمل في أوروبا، وتغيير تشريعات السوق الأوروبية.

وعلى الرغم من الجوائز العديدة التي حققها الصحفي، وأهمها الجائزة الأدبية لحقوق الإنسان في فرنسا، لكن هذا لا يلغي الأمراض الجسدية التي أصابته نتيجة التخفي، والعمل في ظروف قاسية.

يُذكر أن تعبير (الرأس التركي) يعود إلى القرن التاسع عشر حين كان أحد أنشطة الكريسمس والاحتفالات القروية في فرنسا يقوم على وضع شكل رأس إنسان ملفوف بزي تركي يُستخدم للضرب عليه، بهدف قياس قوة الضربة، إضافة إلى كون المعنى المتداول لرأس التركي يدل على السخرية والتهكم والشخص المنبوذ الذي يمكن تحميله أخطاء الآخرين، كما يشار إلى أن "فالراف" امتاز بمواقفه المدافعة عن القضايا الإنسانية، فقد امتنع عن الخدمة العسكرية في بلاده رافضاً حمل السلاح، كما تضامن مع المعتقلين السياسيين خلال الحكم العسكري لليونان، وفشل في إجراء تحقيقات عن الوضع الإنساني في الشيشان 2003 بعدما أبعدته السلطات الروسية، وأعادته في الطائرة نفسها التي أوصلته موسكو، وذلك نتيجة الكشف عن نشره مقالاً عن الشيشان، ما عده هو خطأ تكتيكياً فضح أمره، ومن هنا أكد لزومية تغيير طرق عمل الصحفيين، واللجوء إلى أساليب غير تقليدية للوصول إلى المعلومات الصحيحة في الصحافة الاستقصائية.

وفي هذا الإطار يشار إلى أن دور السينما الألمانية عرضت مؤخراً فيلماً للصحفي "غونتير فالراف" يسلط فيه الضوء على ممارسات عنصرية يومية في ألمانيا، وبطل الفيلم تنكر على مدى أكثر من عام في شخصية رجل صومالي يحمل اسم كوامي أغونو بعد أن قام بطلاء نفسه باللون الأسود، والفيلم بعنوان "أبيض على أسود" SCHWARZ AUF WEIB ما أثار العديد من علامات الاستفهام، إذ يصور الفيلم تجاربه داخل مجتمعه، حيث تلمس طريقه بين فئات المجتمع المختلفة متنكراً خلال تلك الفترة على هيئة شخص من أصول إفريقية للكشف عن العنصرية في حياة بطل الفيلم اليومية، ويتابع الفيلم محاولات أغونو لاستئجار شقة ما دفع المخرج باغونيس "باغوناكيس" الذي أشرف مع "سوزان ياغر" على إخراج الفيلم للقول في القناة الألمانية "دويتشه فيله": بعد أربعة عشر شهراً أدركت مدى انتشار الممارسات العنصرية اليومية، والمقصود هنا ليست حوادث العنف التي نقرأ عنها في وسائل الإعلام فحسب بل تلك التي تحمل طابعاً يومياً، كتعذر الحصول على شقة للسكن، أو على وظيفة بسبب لون البشرة، أو كأن تجلس كشخص أسود في مقهى، وتسمع أحدهم يخاطبك قائلاً: أيها "الزنجي"، وقد قطع فالراف حوالي ستة آلاف كيلومتر عبر أنحاء ألمانيا المختلفة بصحبة المخرجين باغونيس باغوناكيس وسوزان ياغر اللذين كانا يتظاهران بأنهما زوجان سائحان ويصوران المشاهد عن بعد، أما فالراف المتنكر على هيئة "غونو" فكان يصور سراً عن طريق كاميرا خفية، ولم يتوقع أحد إطلاقاً أن يكون الثلاثة أصدقاء، لأن أغونو أسود البشرة بينما المخرجان الآخران أبيضان.

وبهذا يعد التنكر وطرح موضوعات مثيرة للجدل ليس بالأمر الجديد على فالراف، فالصحفي الألماني البالغ من العمر سبعة وستين عاماً قضى عامين متنكراً على هيئة عامل تركي - كما سبق ذكره – لكنه في تحقيقه المتلفز انتقل إلى الشاشة بدل الكتاب، ففي الفيلم الجديد "أبيض على أسود" يصور في جانب من المشاهد بعض الألمان الذين لا يجدون حرجاً في الإعلان عن دوافع مواقفهم العنصرية تجاه بطل الفيلم المهاجر

الصومالي منها مثلاً قول أحدهم صراحة: "إن لون البشرة هي السبب وراء عدم السماح لذلك الشخص بالحصول على مكان له ولعائلته في أحد معسكرات التخييم"، ويعلق المخرج باغوناكيس على ذلك بالقول: "أصبت بدهشة كبيرة عندما سمح لنا الكثير من الأشخاص استخدام المشاهد التي التقطت لهم في فيلمنا، وهم لم يجدوا حرجاً في المجاهرة بعنصريتهم، ومن تلك المشاهد مثلا إحدى السيدات التي رفضت تأجير شقتها لرجل أسود".

المقابل انتقد فالراف كما ذكرت الموسيقية الألمانية السوداء نوا سو في القناة الألمانية الأولى (ARD) لاعتقادها أنه وظف قضية العنصرية كأداة لخدمة مصلحته الشخصية، فهو في نظرها "يجعل من الأقليات المضطهدة أضحوكة، ويتلقى أموالاً لقاء ذلك، فضلاً عن تلقيه أيضاً الاهتمام بل والاحترام كذلك، فمن الصعب لشخص أبيض وحتى لو بمسحوق عيش حياة السود"، لكن مخرجه باغوناكيس دافع عنه، فهو يرى أن الأحداث لا تدور حول السود ولا يحاول التحدث بلسان السود في ألمانيا، بل يعرض ردة فعل البيض عندما يصادفون شخصاً يبدو أسود اللون، وهو يستشهد بمقطع من الفيلم يدور في إحدى الحانات، حيث يطلب بطل الفيلم ببساطة من امرأة لا يعرفها الرقص معه، وهذا المشهد كما يقول باغوناكيس يعد في نظر البعض استفزازياً.

"سيمور هيرش" من صحيفة نيويورك تايمز (أيقونة الصحافة الاستقصائية):

 درس "هيرش" في شياغو جزءاً من دراسة القانون في الجامعة ما فتح الباب أمامه ليصبح صحفياً، وعمل عام 1959 كمراسل أنشطة لليونايتد برس (UP)، وفي عام 1963 انضم إلى القسم الرئيسي في الوكالة، ليبدأ في محاولة التقصي عن أمريكا والأسلحة البيولوجية، ومعها أصدر أشهر سبق حول مجزرة "ماي لاي" في فيتنام، وعنها يقول: لقد قتل الجنود ببرودة دم 550 قروياً فيتنامياً ودفنوهم هناك، ما نتج عن التقصي تهديد بجفاف الدعم عن الحرب، كما استقصى في حجج غزو العراق، وفضيحة التعذيب والانتهاكات في سجن أبو غريب 2004، وكشف النقاب للمرة الأولى عن الترسانة النووية الإسرائيلية التي كانت سراً غامضاً لعشرات السنين في عام 1991 تحت مسمى "الخيار شمشون"، إضافة إلى تحقيقه (التاريخ البديل للحرب المتواصلة على الإرهاب)، والهجمات الكيميائية في سورية 2012، ومعرفة أمريكا المسبقة بأحداث لبنان 2006، ودور أمريكا في إشعال الفتنة بين سنة وشيعة لبنان والعمليات السرية على إيران 2005، واختطاف الموساد الإسرائيلي لمردخاي بعنونو العالم الكيميائي، وضلوع صحيفة بريطانية في تحديد مصنع الشفاء للأدوية الذي قصفته أمريكا 1991 في السودان.

وقد صرح حول الجيل الجديد من الاستقصائيين العرب خلال مؤتمر أريج 2014 في عمان: "أن تستطيع التميز في الشرق الأوسط يعني أن ترى صحفيين شجعان، ففي هذه المنطقة يتعرض الصحفيون الاستقصائيون للاضطهاد، أما في أمريكا والغرب يربَتون على أكتافهم، ويمنحونهم الجوائز لإسهاماتهم المجتمعية في محاربة الفساد مضيفاً: الاستقصائيون اليوم يعيشون في العصر الذهبي".

وحول مسيرته يقول هيرش: تربينا أننا نبلاء، مترفعون، فمن وجهة نظره الهدف من العمل الاستقصائي أن تأخذ الرواية، وتفهم الرواية المضادة، فلقاء الرئيس الأمريكي بالملك الأردني رواية أولى، أما الرواية المضادة فهي أن ثمة تنسيقاً غير مباشر عبر الوسيط الأردني لقصف «داعش»، والكل يتنكر لعمليات التنسيق، وبالتالي يمكن التحسين من أدائك المهني من خلال إنتاج الرواية المضادة.

وحول تقنيات العمل يقول: "ما الذي يمكنك عمله وحكومتك تقف على الصف المضاد، وكثير من الصحفيين يفقدون عملهم إذا وقفوا جانب الصوت الحر" المظلوم مضيفاً: "هناك أناس كثر صادقون وفي كل مكان وحول أكثر المصادر خوفاً من التعامل يقول: إنهم المتقاعدون، فقد ينسحبون في منتصف العمل ببساطة دون أي تبرير، أما مقولته الذهبية فتعبر عنها الكلمات التالية الفاسدون السيئون المتطرفون، الانتهازيون، الطماعون هم من يحكمون العالم، وهذا ما يجعل الصحافة أفضل مكان لحياتك إذا كنت تريد النشر عن المسيطرين لصالح المسيطر عليهم، ودائماً تذكر هناك وجهة نظر أخرى، والتهديد تهديد في أمريكا، في أوروبا، وفى الشرق الأوسط، فدائماً للكلمة معنى واحد ، لكن حسن العمل هو من يواجه جميع المخاطر، إن المزيد من الرجال والنساء الأغبياء من محبي أنفسهم، والفاسدين الذين يشاطرون فاحشي الثراء قيمهم، ولا يأبهون بمعاناة فقر الآخرين، يتحكمون في بعض الدول في يومنا هذا، ليس ثمة تغيير قادم من لدن هذه المجموعة، الأمر منوط بنا، نحن في الإعلام لنعثر على الحقيقة ونكشف الفساد لن يحدث ذلك من دوننا، لكن تذكر قبل أن تنشر القصة تعرّف على حجم المخاطر، وعرّف المخطئ بما ستنشر عنه، واجهه وتواجه معه، وعموماً عندما تنشر معلومات من مصادر عدة لا يمكن حصر المسؤولية، وعليه وصف بأنه أقرب ما تمتلكه الصحافة الأمريكية للإرهابيين".

آنا ماري كاستيريه Anne Marie Casteret:

الصحفية الفرنسية التي أثبتت الدور الكبير لصحافة الاستقصاء في المجتمع، وقدرتها على مراقبة أداة السلطات في مختلف المجالات، حيث نقلت "كاستيريه" عمل الصحافة الاستقصائية من المجال السياسي الى الميادين العامة "الطيبة" عبر استقصائها "قضية الدم الملوث بفيروس الايدز".

المنشور في مجلة "ليفينمان دو جودي" في 25/4/1991 L'Événement de Jeudi بعد انتقال العدوى إلى مئات الأشخاص عبر نقل الدم عام 1985 لتثبت أهمية العمل البحثي والتوثيقي، وضرورة امتلاك الصحفي النفس الطويل لمتابعة الاستقصاء سنوات عدة.

1. وبدأت الصحفية استقصاءها بالخطوة الأولى التي تشير إلى انطلاقة التحقيق بعدما التقت مريضاً يُدعى "جان بيرون غارنوف" عام 1987 أكد لها إصابته بالمرض نتيجة نقل الدم الملوث إليه في المستشفى، وعلى الرغم من تقدمه بدعوى جزائية قبل عام ضد المركز الوطني لمركز الدم: CNTS Centre National de la Transfusion Sangunie والمختص بجمع الدم وتحويله إلى المستشفيات نتيجة الغش وتهديد حياته ومع نقل شكواه إلى وسائل إعلام عدة، لم يلق النتيجة المتوقعة بسبب عدم وجود أدلة إثبات على هذه الاتهامات، والاعتقاد بأن الشكوى مردها الحالة النفسية لمصاب الإيدز في ظل تعقد الملف طبياً وإدارياً.

2. في المقابل الخبرة الطبية للصحفية ساعدتها في إثبات فرضية التورط بنقل الدم الملوث، إضافة إلى مراجعتها للتقارير الأمريكية الخاصة بدور نقل الدم الملوث في نشر فيروس الإيدز، ولذلك عمد الاستقصاء بخطوته الثانية إلى "بناء الوقائع"، إذ شبكت الصحفية بين تقارير تؤكد وجود الفيروس أساساً في الدم، ووصف منظمة الصحة العالمية مدينة باريس عام 1983 بأنها عاصمة السيدا "الإيدز"، كما انطلقت لتقارن تلك المعطيات مع ما نشرته مجلة "لانست" من دراسة تظهر فيها أن تعريض منتجات الدم لحرارة عالية (تسخين الدم) يمنع انتقال الفيروس، وهو ما طالب به التعميم الأمريكي لاستخدام الدم المسخن في كل عمليات نقل الدم، وهذا ما نفته المجلة نفسها في 2 شباط 1985 عبر تأكيد عالم فرنسي أن مستشفيات بلاده مازالت توزع الدم غير المسخن حتى خريف ذلك العام، كذلك استندت الصحفية إلى محاضرة نُشرت عام 1985 لأحد أطباء المركز الوطني لنقل الدم المتهم بالقضية يعترف فيها أن 6 فرنسيين تزودوا بكميات دم ظهر عليها عوارض الإيدز، وبالتالي أسس هذا التسلسل للأحداث بناء وقائع "كاستيريه"، وتأسيس جدول لتطوير ملفها الشائك، فهذا العمل التوثيقي سمح لها بفهم القضية والإحاطة بتسلسلها المنطقي، وبتفاصيل معطياتها الكبيرة والصغيرة على حد سواء مع تحديد الأطراف المسؤولة فيها، ورهاناتهم ومواقفهم.

3. ولإثبات مسؤولية المركز الوطني لنقل الدم بشخص رئيسه الدكتور "ميشال غاريت" بنت الصحفية في الخطوة الثالثة شبكة مخبرين بدأتها بالاتصال بمسؤولين سابقين في المختبرات المتخصصة التي تتعاطى نقل الدم، بغية التأكد من تصريح سابق لرئيس المركز قدمه لها شخصياً، مفاده أن المشكلة كانت في النقص بكميات الدم المسخن بين عامي 1985-1984، وكي يثبت هؤلاء عدم مسؤوليتهم، وإثبات حسن نيتهم قدم لها بعضهم وثائق تثبت أنهم عرضوا على المركز كميات من الدم المسخن منذ عام 1983، كما حصلت على معلومات من المركز ذاته عبر أشخاص كان لهم المصلحة نفسها.

4. وعليه وانطلاقاً من هذه المصادر بنت الصحافية شبكة علاقات مع أكثر من 100 شخص، كانت تلتقيهم بشكل غير علني، مع وعد بالمحافظة على سرية المصادر، ما حقق لها هدفها الأول بفهم ماذا جرى، ولماذا، ومن خلال فهم آلية العمل لتفهم الدوافع قبل توجهها نحو هدفها الثاني المتعلق بجمع الأدلة والوثائق والذي يتم من خلاله تحديد اللاحق للمسؤوليات، وهذه كانت المرحلة الأخيرة لعملها، ففي نهاية عام 1990 استطاعت خرق الأوساط الطبية والصناعية المرتبطة بمختبرات الدم ليصبح التسلسل الزمني للوقائع عندها مكتملاً، فادعاءات المركز بأن الإصابات بالفيروس عبر الدم الملوث حصلت قبل عام 1983 تعارضت مع تقرير اللجنة الاستشارية لنقل الدم المنشور في مجلة متخصصة مشيراً إلى أن أغلبية المتلقين للدم لم يخضعوا إلى اختبار الإيدز، وهذا يعني أن المركز لم يؤمن الحماية لمحتاجي الدم من حاملي الفيروس ولا السليمين منهم، وهكذا بدأت الهوة تتسع بين الرواية الرسمية والوقائع، وبين ما بات معروفاً، وما كان يمارس، ومع ذلك لم يكن هذا كافياً لتوجيه الاتهام الصريح وامتلاك الدليل القطعي.

وبتسلسل أحداث زمني امتد بين 9 أيار 1985 و26 حزيران من العام نفسه تأكدت الصحفية أنه تم تداول المشكلة في المركز على أنها خطيرة، مع الاستمرار في نقل الدم الملوث، حيث أكدت مصادر للصحفية أن المركز كان على علم بتلوث منتجاته، وطرح ذلك في اجتماع عُقد في نيسان 1985، في حين أبلغ مدير المركز حسب صحيفة لوموند وزير الصحة في 9 أيار 1985 أن الوضع محرج للغاية، بينما أكد تقرير لصحيفة "لوكنار إنشيني" نشر عام 1989 أن المركز وجه في 26 حزيران 1985 رسالة إلى مراكز نقل الدم الباريسية يقول فيها إنه لا جديد في عمليات نقل الدم.

ولتأكيد استنتاج "كاستيريه" المسؤولية الجرمية على المركز، حصلت على تقرير اجتماع 29 أيار الذي أعلن فيه المدير "غاريتا" أن نسبة المتبرعين بالدم من حاملي الإيدز بين (3-2)، وباعتبار التخزين يتم بكمية ألف متر مكعب في كيس واحد معاً، وبنسبة مشاركة فيه من (5000-4000) متبرع، فهذا يعني أن كل مخزون الدم لديهم ملوث، وبدل سحبه طلب المدير من مسؤول المختبر المركزي الرأي والنصيحة، مؤكداً أن على السلطة الوصائية اتخاذ القرار بهذا الشأن الخطير، ومن واجباتها منع المركز من تسليم مستحضراته الملوثة، وهذا دليل على المسؤولية التامة والعلم اليقين لمدير المركز بتلوث جميع كميات الدم لديه، ومن ثم التصميم على الاستمرار في نقلها للناس، ما لم يُمنع من قبل المسؤولين، وهذا ما نشرته الصحفية في تحقيقها النهائي في 25 نيسان 1991 مدعماً بالوثائق التي تؤكد مسؤولية المجرمين، ما أجبر السلطات التنفيذية على محاكمة مسؤولي المركز، وتحويل كل من لهم علاقة بين السلطات السياسية الحكومية في وزارة الصحة المشرفة على المركز إلى القضاء.

بوب و ودورد وكارل برنشتاين (الرقم الأصعب في الصحافة الاستقصائية):

الصحفيان اللذان اكتشفا سر الصنعة، وغيرا وجهتها، وشكلا مرحلة فارقة في مسيرتها، ليس لأنهما فقط أجبرا رئيس أكبر دولة عظمى في العالم (أمريكا) على استقالته بعد تهديده لحجب الكفاءة من الكونجرس بل لأنهما قدما أساليب تقص، وأحيبا قيمة الاستقصاء في حياة المجتمع، ما أطلق دورها ورسخ أساليب عملها، عبر قضية الووترغيت (1974-1972) في صحيفة الواشنطن بوست حيث تجلت أهمية عملهما بعيداً عما قدمه الفيلم الأمريكي "كل رجال الرئيس" عن القضية، والذي يحيي المخبر السري بل عبر ميادين تجلت في نسب المعلومات إلى مصادر سرية، ما أسس لمنهجية دعم الصحفي وحماية مصادره، وهو ما كان مرفوضاً قبل حرب فيتنام نظراً للتشكيك بالمصادر الرسمية، والسعي إلى خدمة الشأن العام من خلال أكاذيب محتملة، إضافة إلى تجديد العمل الاستقصائي عبر اللجوء إلى البحث عن المعلومة من خلال وضع لائحة أسماء ضخمة من المعنيين (بحملة الرئيس نيكسون)، ومقابلات مطولة تستمر لساعات حيث التفاصيل الصغيرة هي الأساسية، ولعل ردة فعل ضيوف المقابلات واضطرابهم هو ما أوحى للصحفيين بأهمية القضية، ما يعني أن الاتكال على الموضوعية، والاستناد إلى الوقائع الصلبة، انتقل لاعتماد الصحفي على حدسه، واستشفاف الحدث من خلاله، وعبر أحاسيس الضيف المستجوب، أما التجديد الثالث فتجلى في منهجية العمل عبر التنقيب في الوثائق العامة - بكمياتها الكبيرة - التي تتطلب أشهراً لإيجاد معلومة صحيحة يمكن مقارنتها بغيرها من الوقائع والمعطيات، ولهذا يرى الكثيرون أن "و وترغيت" علمت طلاب الصحافة الاستقصائية آليات البحث في الأرشيف الرسمي، وحوّل الاستقصاء إلى مدرسة في المهنة تحظى بالتقدير والشعبية الكبيرين.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد