أما قبرص، فقد استمرَّت صادراتها في الوصول إلى منطقة بحر إيجه خلال القرن التاسع، بدءًا من السكاكين الحديدية إلى الخرَز الذهبي والإكليل، وخاصة في المواقع الكريتية، مثل كنوسوس وكوموس وإليوثيرنا. وكما تقول نوتا كورو: «بحلول منتصف القرن التاسع، كانت الاتصالات المُنتظمة في البحر الأبيض المتوسط قد تعافت بشكلٍ كامل، وكان عددٌ من الشبكات القبرصية والقبرصية الشامية نشِطًا بالفعل في كريت» (1).
وتلاحَظَ أيضًا أنه، منذ أواخر القرن التاسع فصاعدًا، أصبحت الزيارات القبرصية إلى كريت أكثر انتظامًا وأن عدد الواردات القبرصية ارتفع. وتقول إن هذا «يتزامن أيضًا مع بداية الرحلات الفينيقية المُنتظمة في وسط البحر الأبيض المتوسط وتأسيس قرطاج». وهذا من شأنه أن يُفسِّر الزيادة المفاجئة في الواردات الفينيقية إلى كريت في هذا الوقت أيضًا، حيث كانت كريت على طريق التجارة هذا، وربما كان هناك «بعض الشبكات القبرصية الفينيقية المشتركة النشطة في كريت في الفترة الهندسية في ذلك الوقت» (2).
لكنْ في الوقت نفسه، تتناقَصُ القطع الأثرية القبرصية في البَر الرئيسي لليونان، حتى مع استمرار القطع الأثرية من الشرق الأدنى في الظهور في العديد من المواقع اليونانية، ومنها القطع التي تتراوح بين الأوعية البرونزية والقطع الخزفية إلى القطع المصنوعة من الذهب والعاج. وربما يكون الفينيقيون قد استولوا على الطُّرق المؤدية إلى البَر الرئيسي لليونان بحلول هذه النقطة ومنعوا التجارة مع القبارصة، كما اقترح البعض، على الرغم من أنَّ هذا قد يبدو غريبًا بعض الشيء؛ لأن التجارة المُتزامِنة مع جزيرة كريت، لم تكن محظورةً على ما يبدو. ومَهْما يكُن من أمر، فإن كرييلارد يلاحظ أنه الآن فقط، «في القرنَين التاسع والثامن قبل الميلاد على وجه الخصوص، وصَلَ التبادُل بين المناطق [مرةً أخرى] إلى مستوًى من التعقيد يمكن مقارنته بمستوى أواخر العصر البرونزي» (3).
•••
كما نعرف، وكما أكَّدنا في الكتاب السابق، «1177ق.م.» من المُرجَّح أنَّ الجفاف لعب دورًا كبيرًا في انهيار أواخر العصر البرونزي. ولكنْ، يبدو أنَّ الجفاف قد انتهى أخيرًا في كلِّ هذه المناطق، في قبرص وفي مختلف أنحاء شرق البحر الأبيض المتوسط، خلال منتصف القرن التاسع، وربما ننظر إلى هذا باعتباره أحدَ الأسباب المُحتمَلة لهذه الفترة من التبادل المُتجدِّد. ففي نهاية المطاف، حلَّت محلَّ ظروف الجفاف، التي اضطرَّت الشعوبَ إلى التكيُّف معها على مدى القرون القليلة الماضية، ظروفٌ أكثر دِفئًا ورطوبة، استمرَّت لبقية العصر الحديدي، وربما ساعدَت المُجتمعات على استعادة شبابها. فقد أشارت عمليات المسح الأثرية، على سبيل المثال، إلى أنه منذ أواخِر القرن التاسع فصاعدًا، توجَد أدلة على مستوطناتٍ جديدة وإعادة استيطان لمناطق مهجورة سابقًا في قبرص، وهو ما يعكس بلا شكٍ أنواعًا جديدة من استخدام الأراضي والتعامُل مع ظروف المناخ المُتغيِّرة (4).
ثم استُؤنِف إنتاج النحاس بكمياتٍ كبيرة في قبرص خلال القرن الثامن قبل الميلاد. وفي هذه الفترة أيضًا، إن لم يكن قبل ذلك بقليل، كانت أغلب المدن المُهمة في قبرص قد تأسسَت أو أُعيد تأسيسها أو برزَت في الصدارة، ربما كتشكيلاتٍ اجتماعية سياسية جديدة، كما اقترح البعض، واستمرَّت حتى القرن الرابع قبل الميلاد أو بعدَه. وتشمل هذه التشكيلات الجديدة الممالكَ القبرصية السبع التي ورَدَ ذِكْر ملوكها على لوحةٍ تذكارية أقامها الملك الآشوري الجديد سرجون الثاني في كتيون في أواخر القرن الثامن (حوالي 709 قبل الميلاد) والممالك القبرصية العشر التي وردَت أسماؤها على منشورٍ طيني من آسرحدون؛ ملك الإمبراطورية الآشورية الجديدة في بداية القرن السابع (حوالي 674 قبل الميلاد) (5).
في ذلك التاريخ اللاحق، دُمِجَت قبرص في الإمبراطورية الآشورية الجديدة، على الرغم من عدم وجود دليلٍ على أنها تعرضَت لغزوٍ فعلي. واستمرَّت الجزيرة في الازدهار حتى العصر الروماني وخلاله كمُورِّدٍ رئيسي للنحاس، الذي استمرَّ الطلب عليه على مرِّ القرون.
...............................................
(1) Kourou 2016: 59, 60-61.
(2) Kourou 2016: 60-61.
(3) Crielaard 1998: 187; Kourou 2008a: 366–68, 2019: 81, 89-90; Satraki 2012: 266; Janes 2013: 152.
(4) Kearns 2015: 17-18, 138-39, 2019: 272-73, 276–78, 280, 2022: 130–54; see also previous studies by Kaniewski and his team, including at Hala Sultan Tekke (Kaniewski, Van Campo, et al. 2013), which indicated the end of the megadrought in this region at approximately this time.
(5) Kassianidou 2014: 267; Knapp and Meyer 2020: 239–41, 243. See also, e.g., previously Iacovou 2002: 85; Satraki 2012: 263-64, 266-67; Finkelstein 2013: 127; Janes 2013: 147; Hodos 2020: 61.