بالرسم بضرباتِ فرشاةٍ عريضة، ما نراه بشكلٍ عام من القرن الثاني عشر قبل الميلاد فصاعدًا هو تفتُّت وتدهور في الأمن ومستويات المعيشة المادية في السنوات التي أعقبَت الانهيار مباشرةً، واستمرَّ ذلك حتى القرن العاشر أو نحو ذلك، مع انهيار ممالك العصر البرونزي. وفي المناطق التي تأثرَت إلى أقصى حد، ومنها البر الرئيسي لليونان وكريت والأناضول وجنوب بلاد الشام بشكلٍ خاص، كان هناك انهيار للقصور أو الدول أو الممالك المحلية (بما في ذلك الحكومة والاقتصاد المركزي وما إلى ذلك) حتى لو تمكنَت قطاعاتٌ من السكان من النجاة.
ومع ذلك، فإن إعادة التكامُل تبدأ بعد ذلك خلال القرن التاسع وتستمرُّ حتى القرن الثامن مع غزو الآشوريين لمعظم المنطقة، وازدهار التجارة المتوسطية على يد الفينيقيين والقبارصة، وسقوط المنافِسين المُحتمَلين مثل مملكة إسرائيل الموحدة ودمشق ومصر في النهاية، لتَتْبَعهم لاحقًا مملكة آشور ثم بلاد بابل في أواخر القرنَين السابع والسادس على الترتيب.
بعبارة أخرى، وللتأكيد على الجانب المادي للأشياء، بوجهٍ عام شهدَت الفترة من القرن الثاني عشر إلى القرن العاشر قبل الميلاد انخفاضاتٍ حادةً في عدد السكان، وهجرًا للمدن، وعنفًا، وهجراتٍ محتمَلة، وانهيارًا لطرق التجارة، وأمراضًا، ووفيات مبكرة، وانخفاضًا في الناتج الاقتصادي، ومستويات معيشة أدنى، وفقدانًا أو انحدارًا في المهارات المتقدِّمة، على الرغم من أن المدى يتباين اعتمادًا على المكان الذي ينظُر إليه المرء في المنطقة. وعلى النقيض من ذلك، شهدَت الفترة من بداية القرن التاسع قبل الميلاد فصاعدًا انعكاسَ العديد من هذه الاتجاهات. وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، بدأنا نشهد حياةً جديدة وابتكاراتٍ جديدة في العديد من المجالات، وبدأ عالَم مُترابِط ترابطًا كاملًا يتشكَّل مُجدَّدًا لأول مرة منذ قرونٍ عديدة (1).
ولكن العديد من الأمور تظلُّ غير واضحة، منها مدى الدور الذي لعبَته الهجرة في شتَّى أنحاء المنطقة، وإن كانت التقلُّبات في عدد السكان التي شهدَتها بعض المناطق خلال هذه القرون، مثل البر الرئيسي لليونان، لها علاقة بالهجرة بقدْرِ ما كانت لها علاقة بالزوال الفعلي للبشر. ولا يزال التحقيق في مثل هذه الهجرات المُحتملة أثناء انهيار أواخر العصر البرونزي وبعده جاريًا حتى اليوم، وقد يكون من الجيد أن نتذكَّر أننا في بداية هذا الكتاب ناقشنا الغزو الدوري وأن الراجح كونه هجرة أكثر من كونه غزوًا فعليًّا. كما أننا أوردنا بطريقةٍ عابرة الفرضية القائلة بأن العمونيين ربما يكونون قد هاجروا من الأناضول في أعقاب انهيار أواخر العصر البرونزي. وقد اقتُرِحَت احتمالاتٌ أخرى أيضًا، منها هجرات مُفترضة للمُتحدِّثين باللغة اللوفية إلى شمال كنعان وللفريجيين إلى وسط الأناضول. وحتى هيرودوت كان مقتنعًا بحدوث هجرةٍ من ليديا (في تركيا المعاصرة) إلى إيطاليا بسبب الجفاف حوالي عام 1200 قبل الميلاد، وهو ما فسَّر له أصل الإتروريين (2).
وبمناسبة الحديث عن الجفاف، لا يسعني إلا أن أتساءل عن مدى الدور الذي لعبه تغيُّر المناخ في التعافي؛ حيث يُمكننا أن نرى عدَّة فترات تحسُّن في الطقس قد تكون مرتبطةً بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بالتطوُّرات في المناطق المختلفة. على سبيل المثال، لاحظنا، أولًا، ظروفًا مناخيةً أكثر رطوبةً قليلًا في جنوب بلاد الشام خلال الفترة من حوالي 1150 قبل الميلاد إلى 950 قبل الميلاد، والتي سمحَت بدورها ﺑ «الزراعة المُكثَّفة للزيتون والحبوب» وربما تكون قد منحَت الإسرائيليين وغيرهم فرصةً لإقامة ممالكهم (3)؛ وثانيًا، تحولًا إلى حقبةٍ أكثر رطوبة بكثيرٍ في بلاد الرافدين من حوالي 925 قبل الميلاد فصاعدًا، ربما تكون قد أتاحت للآشوريين الجُدد إعادةَ تجميع صفوفهم والبدء في غزو الأراضي المُحيطة؛ وثالثًا، تغييرًا عامًّا من ظروفٍ قاحلة إلى ظروفٍ أكثر دفئًا ورطوبة في المنطقة كلها، ومنها قبرص وربما اليونان أيضًا، من حوالي 850 قبل الميلاد فصاعدًا، وهو ما قد ساعد جميع المناطق والمجتمعات على البدء (أو الاستمرار) في الارتقاء مرةً أخرى إلى التعافي الكامل.
....................................
(1) I am indebted to one of the anonymous peer reviewers of the penultimate manuscript for suggesting the concise summations in these summarizing paragraphs, though I have tinkered with the phrasing.
(2) On migrations at the end of the Late Bronze Age, see again Knapp 2021 as well as Middleton 2018a, 2018b. On possible Luwian migrations, see, e.g., J. F. Osborne 2021. See also Drews 1992 on Herodotus and the Etruscans.
(3) Langgut, Neumann, et al. 2014: 296.