قال (عليه السلام): ((وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إِلاّ بِكَ؟)) (1).
النجاة قضية صعبة من جهة، لكن من جهة أخرى يجب على الإنسان أن يأمل بسعة رحمة الله تعالى، وممّا يروى عن الحسن البصري، ولعلّه أدرك الإمام زين العابدين، ونُقِل للإمام زين العابدين (عليه السلام) عبارة عن الحسن البصري، وقبل أن أنقل تلك العبارة التي نقلت للإمام السجاد (عليه السلام) واعتقد أنَّها مهمّة، ألا وهي: يوم الحساب يستعرض الله سبحانه الخلائق، وهي حالة صعبة، وتصوّروا أنَّنا يوم القيامة قد بعثنا كلٌّ بكفنه، ونرى النار، والنار ليست مخلوقًا سهلًا، فالله تعالى ادّخرها لغضبه، فهي تختلف عن نار الدنيا، وليست مخلوقة لغرض الطبخ أو الاستضاءة أبداً، فهي عجيبة بحيث لا يموت الناس فيها ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]، وفي آية أخرى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، وهذه النار لها زفير، والبعض لا يستطيع أن يسمع بذكرها، رُوِيَ أنَّ صَاحِباً لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُقالُ لَهُ: هَمَّامٌ (2) كانَ رَجُلاً عابداً، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ: صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأنِّي أنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَتَثَاقَلَ ـ عليه السلام ـ عَنْ جَوَابهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يا هَمَّامُ، اتَّقِ اللهَ وَأحْسِنْ فـ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128])) (3)، فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِذِلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) ثُمَّ قَالَ... ومن جملة ما قال: ((وَأمَّا النَّهارَ، فَحُلَماءُ عُلَماءُ أبْرارٌ أتْقِيَاءُ، قَدْ بَراهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِداحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَما بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خالَطَهُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ، لا يَرْضَوْنَ مِنْ أعْمالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ، فَهُمْ لِأنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أعْمالِهِمْ مُشْفِقُونَ)) (4).
حقيقة المتّقي أنَّه إنسان جسمه في الدنيا لكن روحه ليست فيها، واقعاً كأنَّه في نار جهنّم، فهو يشعر دائماً بالعذاب، وكذلك يشعر بالنعيم ((عَظُمَ الْخالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ ما دُونَهُ فِي أعْيُنِهِم، فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآها، فَهُمْ فِيها مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآها، فَهُمْ فِيها مُعَذَّبُونَ)) (5).
وبعض الناس يحسب أنَّ هذا المتّقي مريض، وهم ليسوا كذلك وإنَّما مرضهم؛ لأنَّ نظرتهم إلى الأمور بشكلٍ آخر، وبعد أن أكمل الإمام (عليه السلام) ((صَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كانَتْ نَفْسُهُ فِيها، فَقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أما وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أخافُها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: هَكذا تَصْنَعُ الْمَواعِظُ الْبالِغَةُ بأهْلِها...)) (6).
يبدو أنَّنا قساة القلوب؛ لأنَّنا نقرأ القرآن الكريم، ونسمع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وما زلنا نبقى على السّيّئات وعلى الموبقات ولا نتّعظ، فالإنسان عندما يرى هذه النار يذهل، والله تعالى يستعرض حالنا في ذلك الوقت، كلّ منّا يأتي بكتابه ونلتفت يميناً وشمالاً، وكلٌ مشغول بحاله ووضعه ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2]، فهذه الأم كم هي شفيقة على أولادها؟ لكنّها يوم القيامة ستذهل وتحتار بنفسها، فالموقف صعب للغاية - أعاننا الله تعالى وإيّاكم عليه -.
أعود لأذكر لكم بقيّة كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) حينما نقلت له كلمة الحسن البصري ((إنَّي لأعجب ممّن نجا كيف نجا)) (7)، ويقصد من ذلك كيف النجاة مع هذه الدّقة والعقاب والذّنوب والآثام، وعندما وصلت الكلمة للإمام زين العابدين (عليه السلام) قال: ((إنِّي لأعجب ممّن هلك كيف هلك)) (8)؛ لأنَّ هناك رحمة، وهناك عطف، وهناك شفقة، إضافة إلى ذلك نحن نؤمن أنَّ هناك مقامًا واسعًا وهائلاً جعله الله تعالى أمام الخلائق، ألا وهو مقام النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)؛ هذا المقام الهائل الكبير، وحتّى عند التفات الإنسان يميناً وشمالاً، وفي تلك اللحظة لا يجد عملاً صالحاً، لكن في الوقت نفسه عليه أن يأمل وأن ينظر إلى وجه النبي (صلى الله عليه وآله) وهو القادر على أن ينجينا.
عظمة شفاعة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام):
إنَّ الله تعالى أذن للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يشفع، وللشفاعة قيود وشروط وحدود، وليس مورد بحثنا الآن، والشفاعة أن يتوسّط شخص كريم أو عمل له قيمة عند الله تعالى بين طرفين، وهذا معناها العام، ونحن مذنبون والله تعالى هو صاحب الحق، ونحتاج إلى شخصٍ ثالثٍ يتوسّط؛ ليخفّف عنّا، ويشفع فينا، واعتقادنا أنَّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إذا طلب تخفيف الحساب أو رفْع العذاب من الله تعالى فإنَّ الله تعالى يرده – حاشاه -، وكذلك نحن نتفاءل بمقام النبي (صلى الله عليه وآله) وبنفسه القدسيّة، وبتلك الصلاحيّات التي أعطاها الله تعالى إيَّاه، ومن ورائه أمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام) التي تكون سفينته من أوسع ما يمكن، وقد مثّلوا بسفينة نوح (عليه السلام)، فإنَّ النبي نوح (عليه السلام)، الذي ركب فيها نجا من هول الطوفان، وكذلك نحن أيضاً نركب في سفينة سيد الشهداء(عليه السلام)، فالإمام زين العابدين (عليه السلام) يقول: ((أعجب ممّن هلك لكن كيف هلك)) (9) فإذًا النجاة التي يقولها الإمام (عليه السلام): ((وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إِلاّ بِكَ؟)) لا يمكن أن ننجو إلّا بالله تعالى، والله تعالى عندما يأذن للنبي (صلى الله عليه وآله) نستحق الشفاعة، أمَّا إذا لم يكن هناك إذن فينا فأعتقد المسألة تكون في منتهى الصعوبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 582.
(2) هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمرو بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل بن مران بن صيفي بن سعد العشيرة. وكان همام هذا من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأوليائه. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (ت: 656هـ)، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ، الأولى: 10/ 133.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10 / 133.
(4) المصدر نفسه: 10 / 133.
(5) التمحيص، ابن همام الإسكافي، محمد بن همام بن سهيل (ت: 336هـ)، مدرسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، إيران؛ قم1404هـ، الأولى: 71.
(6) شرح نهج البلاغة: 10 / 149.
(7) أمالي المرتضى، علي بن الحسين (ت: 436هـ)، دار الفكر العربي، القاهرة 1998م، الأولى: 1 / 162.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه.