في هذه الفقرة يسأل الإمام (عليه السلام) لكن هذا السؤال ليس سؤالاً حقيقياً، فتارة الإنسان يسأل سؤالاً حقيقيًّا لا يعرف جوابه، وتارة الصّيغة صيغة سؤال لكن هو إقرار للحق، ومثال ذلك عندما تقول: "من أين لك هذا؟"، فهذا سؤال، ولكن الإمام (عليه السلام) لا يريد السؤال حتّى ينتظر الجواب وإنَّما هو يعرف، العبارة عبارة سؤالٍ لكن هو تقرير وتحقيق لما يريد.
أمّا لفظ الخير فقد ورد في أدعية كثيرة، ومثاله حينما ندعو الله تعالى ونقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ أحاطَ بِهِ عِلْمُكْ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ أحاطَ بِهِ عِلْمُكَ)) (1)، ومعنى الخير ما يختاره الإنسان لحسنه المشروع المستمد شريعته بحكم الوحي أو العقل السليم أو الفطرة، فهو العمل الحسن الصالح، وكلّ ما يتعلق من الله تعالى هو خير، وسيأتينا في بعض فقرات هذا الدعاء ((خَيْرُكَ إِلَيْنا نازِلٌ، وَشَرُّنا إِلَيْكَ صاعِدٌ)) (2) في هذا الدعاء.
إنَّ كلّ خيرٍ منحصر به وحده سبحانه، وهذه الجملة حصريّة، ومعنى الجمل الـ(الحصريّة) لا يوجد غيرها في هذه الساحة، لاحظوا مثلاً لفظة (الحمد لله) وسيأتينا أيضاً ضمن الفقرات أنَّ الإمام (عليه السلام) يُكثِر من حمد الله تعالى، ومصطلح ومفهوم (الحمد) عبارة عن ثقافة خاصّة مستقلّة بذاتها.
وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: ((فقدَ لأبي بغلة فقال: لَئِنْ رَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لَأَحْمِدَنَّهُ بِمَحَامِدَ يَرْضَاهَا، فَمَا لَبِثَ أَنْ أُتِيَ بِهَا بِسَرْجِهَا وَلِجَامِهَا، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا وَضَمَّ إِلَيْهِ ثِيَابَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: الحَمْدُ لله فَلَمْ يَزِدْ، ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَكْتُ وَلَا بَقِيتُ شَيْئاً جَعَلْتُ كُلَّ أَنْوَاعِ المَحَامِدِ لله عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا مِنْ حَمْدٍ إِلَّا وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قُلْت)) (3)؛ لأنَّ لفظة (الحمد) فيها (ال) وتفيد الاستغراق بمعنى كل (حمدٍ لله)، فأيّ حمدٍ أنا أقوله لا بُدَّ أن أتيقّن أنَّ منشأه ومرجعه لله تعالى، حتّى عمله الصالح، وكلّ ما يكسب من حسنات؛ ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام السجّاد (عليه السلام): ((قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: يا بن آدم، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوّتي أدّيت إلى فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي؛ جعلتك سميعاً بصيراً، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئّاتك منّي؛ وذلك أنّي لا أُسأَل عمّا أفعل وهم يسألون، قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُ)) (4)، فنحن أمام الله تعالى لا نملك شيئًا، وكلّ ما عندنا هبة من الله تعالى، فالله تعالى أوجدنا من العدم إلى هذا الوجود، وبدأ يرغّبنا في العمل.
ولذلك يستعمل القرآن الكريم وبعض الأدعية عبارة الاستقراض؛ لأجل الترغيب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245]، والواقع أنَّ كل شيء بيده سبحانه وكل شيء له، ولذلك نحن نستعمل كلمة وهي مهمّة لكن يجب أن لا ننساها، نحن نستعملها في مقامات التعزية دائماً: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، لكن الواقع والحقيقة إنَّا لله تعالى، نحن لله لا لغيره، ونحن مربوبون إلى الله تعالى، لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرًّا، ولذلك الإمام (عليه السلام) يقول: (من أين لي الخير) فهنا ليس مقام السؤال: من أين لي النَّجاة؟ من أين لي الخير؟ من أين لي التوفيق؟
وإذا كان الخير كلّه منه فلا بُدّ أن أصلح العلاقة بيني وبينه؛ لأنَّه هو الملجأ المطمع والمطمح، فإقرار العبد أمام الله تعالى لا بُدَّ أن يحمل هذا الشعار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 2 / 578.
(2) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 586.
(3) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، الإربلي، علي بن عيسى (ت: 692هـ)، بني هاشمي، تبريز 1423هـ، الأولى: 2 / 118.
(4) الكافي: 1 / 160.