إن الزواج في منظار الاسلام ليس مجرد اجتماع ذكر وانثى لأن مثل هذه المقاربة يمكن العثور عليها عند الحيوانات أيضا وهي من السنن الإلهية العامة في نظام التكوين بل هو الألفة بين إنسانين التي تمكنهما أن يكونا خليفتين للخالق في ظهور خليفة اخرى.
وهذا الفيض الخاص الذي يجعل من الوالدين مظهرا للخالقية الإلهية إضافة الى كونه سنة الله العامة يجب أن يوضع في إطار السنة الخاصة لمظهر اسمه الاعظم أي رسول الاسلام العظيم وهي قول الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) النكاح سنتي[1]. وخصوصية هذه السنة تنشأ من كون الزواج من أكثر الوسائل الحساسة لحيازة الدين واحراز العقيدة الالهية كما قال ﷺ: من تزوج فقد أحرز نصف دينه[2]. وهذه الفتوى منشؤها رؤية ملكوت النكاح لا ملكه. ومثل هذا البنيان المرصوص يتوقف على الايمان بأصول الدين والعمل بفروعه وشرك الرجل والمرأة آفة غير قابلة للتحمل.
اعتبر القرآن الحكيم المجتمع الراقي من نتاجات وجود العوائل الأصلية. وقد وصف دعاء الآباء والأمهات المتدينين والملتزمين بقوله: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74] الإبن الذي يكون قرة لعيني والديه هو الذي يكون بصبرا لا أعمى ولا يتولد من المشرك الاعمى سوى الابن الاصم والاعمى ولا يستحيل أن يكون مثل هؤلاء الافراد أئمة للمتقين فقط بل لا يمكن أن يتبعوا المتقين أيضا ومن هنا يجب الاجتناب الشديد عن أي عقيدة سوء أو مذهب باطل عند تأسيس العائلة.
إن أفضلية العبد والأمة المؤمنين على المرأة والرجل الحرين المشركين ليست هي السر والعلة لحرمة الزواج مع المشركين أو تزويجهم: (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ... وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: 221] بل سر الحرمة المذكورة هو دعوتهم الى النار (أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) [البقرة: 221].
والنتيجة هي أن الاحكام الفقهية تتبع المصالح والمفاسد الخفية والجلية وأن الشيء الذي يمكن أن يكون متبوعا لحرمة الزواج مع المشرك هو هذه الدعوة الى النار.
والمشار اليه في (أُولَٰئِكَ) [البقرة: 5] هم الرجال المشركون والنساء المشركات الذين يدعون الناس بناء على مقتضى الحال أو الطلب منهم الى النار اذ عادة ما يكون للرجال سلطة على النساء ووفقا لما تقتضيه طبيعة الرجل فإذا كان مشركا سوف يدعو عائلته الى النار والذنوب كما أن للنساء مطالب ورغبات فإذا كانت المرأة مشركة فإنها تجر الاخرين الى الشرك والنار اذن فسر تحريم الزواج مع الشرك هو أنه يدعو الانسان الى النار بينما المؤمن يدعو الانسان الى الجنة والمغفرة الالهية.
تنبيه: 1. إن دعوة المشركين الى النار دعوة قولية وفعلية في آن فسلوكهم وأقوالهم وكتاباتهم وعاداتهم وتقالديهم وسننهم تتفاوت مع سيرة وسنة الانبياء والأولياء والمؤمنين التابعين لهم ويستنتج من الفعل المضارع (يَدْعُونَ) [البقرة: 221] الذي يفيد الاستمرارية أن الحياة المشتركة مع المشركين لاتنفك عن الارتباط بسيرتهم الملوثة وأن مثل هذا النحس الواسع الشامل بمثابة الدعوة الدائمية الى النار وعموم هذا التعليل يتخصص بتصريح آية سورة المائدة لكن مضارة لا تنفك عنه سواء في الزواج بالكتابية أم في العلاقات الديبلوماسية الخارجية أي إنه يلزم أن تكون العلاقة مع الشرك فعلية لا انفعالية.
2. ينظر البعض الى النكاح من زاوية العبادة فيعده من ضمن العبادات بسبب كونه سنة منسوبة الى الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله)[3]، وكونها سببا لاحراز نصف الدين[4]، ومن هذا المنطلق يعتبرون نكاح المشرك باطلا ويتمسكون بالآية (وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) [المائدة: 5] ويفتون ببطلان النكاح المذكور[5].
ومثل هذا النحو من الاستدلال الذي يكون بعض مباديه غير محرزة هو استدلال غير تام.
[1] بحار الانوار ج100، ص220
[2] الامالي الطوسي ص518 بحار الانوار ج100 ص219
[3] بحار الانوار ج 100 ص220
[4] الامالي الطوسي ص518 بحار الانوار ج100 ص219
[5] رحمة من الرحمن ج1 ص332