كان الصيام مفروضا كذلك على أتباع الديانات الأخرى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ). وحول تأريخ الصيام المتمادي في القدم نقل في بعض مصادر التفسير عن الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: إن الصيام كان موجودا منذ عهد أبينا آدم عليه السلام[1].
والتشبيه أو التنظير الموجود في قوله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) هو تشبيه في الجملة لا بالجملة بمعنى أنه تشبيه في أصل التكليف لا في خصوصياته[2]. ومضمون الاية الشريفة هو أن الصيام واجب عليكم كما كان واجبا على الذين من قبلكم كذلك لكن هل يعتبر الصيام واجبا على كل الامم دون أستثناء وهل تتشابه خصوصياته أيضا لدى تلك الامم أم كان واجبا على الانبياء عليهم السلام فقط[3]؟، فإن الاية لا تخبرنا بذلك لأنه متى وردت عبارة (الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) في القرآن الكريم بشكل مطلق فإنها كانت تشير نوعا ما الى أمة سيدنا موسى وعيسى عليهما السلام وحتى في حال عمومية الصيام بالنسبة للأمم فإنه لا يمكننا الاستنباط من هذه الاية الشريفة بأن الصيام في الأمم السابقة والصيام المفروض على الامة الاسلامية متشابهان تماما أو أنه كان واجبا على الجميع بشكل متكافئ وعليه لا مانع من القول بأن صيام الامم السابقة قد يكون مختلفا في أحكامه عن الصيام المفروض على الأمة الإسلامية[4].
وأما أمين الاسلام الشيخ الطبرسي فيرى أن المقصود بالأيام المعدودة هو شهر رمضان المبارك وكذلك كان دين سيدنا ابراهيم عليه السلام الحنيف الذي جعله الله سبحانه إماما للناس وهكذا هو دين رسولنا الكريم ﷺ الحافظ على ملة ابيه ابراهيم خليل الرحمن حيث لم يكن الصيام مفروضا إلا في شهر رمضان[5].
وفيما يتعلق بموضوع النسخ فإنه لا ينسجم كما أكدنا ذلك مرارا لا مع تقدم الايات ولا مع سيا قها كما أنه لا يوجد ما يؤيده من سند تأريخي أو روائي على الاطلاق ويعتقد صاحب تفسير صاحب المنار أن البعض مولع بالقول بالنسخ في القرآن الكريم لكي يسهل ادعاؤه بإلمامه بالقرآن الكريم وعلومه قائلا: (ولكن كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن وإن كان علما بإبطال القرآن بادي الرأي من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هينا وهو عند الله عظيم[6]).
وحتى لو كان الصيام موجودا ومفروضا لدى الوثنين فقد كان ذلك بمثابة عارية استردها الموحدون مثلما كانت عبادة الاصنام سنة ابتدعها أتباعها بعد أن سرقوا التوحيد من الموحيدن ومسخوه بالشكل الذي استقر لديهم وليس الصوم أمرا كالبيع بحيث كان سينة لدى العقلاء ثم جاء الاسلام وصحح ما فيه من أخطاء وأزال منه عيوبه وتمم نقائصه ثم أمضاه بل هو حكم مبتكر منذ عهد أبينا آدم صفي الله عليه السلام وعلى أية حال فقد اتضحت الحكمة في بعض الاحكام من خلال التكامل العلمي للمجتمع البشري ولسوف تتيبن للأجيال القادمة السبب في بعض الأحكام العبادية الاخرى.
إلماعة: 1. إن جملة (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) هي للتأكيد والترغيب على القيام بالفعل وتطييب الخاطر ولما كان الصيام يمثل عبادة شاقة فقد أشار الله سبحانه - تسكينا لقلوب المسلمين الى أن هذه العبادة لم تبتدع للأمة الاسلامية بل كانت موجودة ومفروضة على الامم التي سبقتها ولم تستثنى أية أمة من هذه العبادة وقد قيل في الامثال: (البلية إذا عمت طابت[7])، رغم أن الصيام ليس بلية إطلاقا بل نعمة وهبة.
2. كانت فريضة الصيام موجودة وشائعة لدى المشركين والوثنيين أيضا[8]، لكن صيامهم كان كمعاملة بيع وشراء بينهم وبين أصنامهم فأصل عبادة الأوثان يرتكز على المعاملة والتجارة مع الآلهة (الاصنام) لأن المشرك يؤمن بكون الله عز وجل هو الخالق والمانح للحياة لكنه لا يؤمن بالآخرة ولذلك فهو لا يصوم من أجل النجاة من دركات النار أو الدخول الى الجنة فهو لا يرى أبعد من هذه الدنيا: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ[9])، فهو عندما يصوم إنما يرغب بذلك في حل مشاكله الدنيوية لا غير.
[1] تفسير الكشاف: 1 / 225 .
[2] حول الاختلاف الموجود في آراء المفسّرين بشأن التشبيه، راجع جامع البيان: 2 / 170 ؛ التبيان:. 2 / 115
[3] كصلاة الليل التي كانت واجبة على رسولنا الأكرم ﷺ ومستحبة للآخرين (الإسراء: 79؛ راجع مجمع البيان 5 - 6 / 670 - 671؛ تفسير الكشاف: 2 / 687) .
[4] راجع: تفسير الميزان: 2/ 7
[5] مجمع البيان: 1-2/ 493
[7] تفسير منهج الصادقين: 1 / 475 ؛ الأمثال والحكم: 1 / 459 .
[8] تفسير الميزان: 2 / 8؛ تفسير المنار: 2 / 144. قال العلّامة الطباطبائي في تفسير (الميزان): «كان أهل الأوثان يصومون لإرضاء آلهتهم أو لإطفاء ثائرة غضبها إذا أجرموا جرماً أو عصوا معصية وإذا أرادوا إنجاح حاجة، وهذا يجعل الصيام معاملة ومبادلة يعطي بها حاجة الرب ليقضي حاجة العبد أو يستحصل رضاه ليستحصل رضا العبد، وإنّ الله سبحانه أمنع جانباً من أن يُتَصَوَّر في حقه فقر أو حاجة أو تأثر أو أذى».