أركان الصلة / الصلة مع الأب
المؤلف:
موفق هاشم الرحال
المصدر:
صلة الرحم
الجزء والصفحة:
ص 40 ــ 44
2026-09-19
46
إن الأب في الأسرة يمثل الحاكم والقائم بأمور الأولاد والزوجة ومسؤوليته تدور حول توفير لوازم العيش الهامة من مسكن ومأكل وما الى ذلك من الضروريات، وهذا الشيء نشاهده بأم أعيننا، فالأب يكدح من أجل أهله وأولاده، يخرج في الصباح الباكر ولا يعود حتى المساء إلا وهو متعب ومرهق، كل ذلك لكي يوفر ما يقوم العيش الكريم لفلذات كبده من الأبناء الأعزاء على قلبه، وهو لا يعرف السعادة إلا حينما يجد البسمة مرتسمة على شفاه أحبته ووجناتهم الناعمة! فهو لم يسهر إلا لينام أولاده وأهله هانئين، ولم يتعب إلا ليرتاحوا مطمئنين، ولم يجوع إلا ليشبعوا متطيبين هكذا حاله دائما، ولكن هل سنكون نحن في تعاملنا معه في المستقبل بما يتناسب ورد الفضل إليه عندما يكبر ويحتاج لرعايتنا؟ أم أننا سوف نتركه في غرفة لوحده يعيش غريبا بين جدران أربعة ولا نهتم به! هذا إذا لم يصل بنا الحال الى أخذه ورميه في قارعة الطريق أو إيداعه في دار العجزة!
إن في بعض المجتمعات والتي تنتمي إلى الاسلام مع الأسف الشديد قصصا حقيقية تقشعر منها الأبدان؛ لما فيها من سلوكيات وافعال غريبة عن روح اسلامنا العظيم! بل غريبة عن قيم الإنسانية المجردة عن أي دين!
فهنالك بعض القنوات الفضائية تحاول أن تسلط الضوء بين الحين والآخر على دور العجزة وما تخفيه بين جدرانها العطوفة الرحومة من أناس طالما أفنوا أعمارهم من أجل أبنائهم! فكان الجزاء أن يؤتى بهم نهاية المطاف الى هذه الأمكنة وأذكر أحدهم حينما سُئل من مقدم البرنامج الذي كان يتجول بين هؤلاء النزلاء وقد سأله كيف انتهى به الزمان الى هذه الدار! فقد أجاب النزيل والحسرة بدت واضحة من تقاسيم وجهه فقال: (إن ابني العزيز.. قال لي ذات يوم وقد كنت مريضا أبي، تهيأ سأذهب بك اليوم الى الطبيب فرحت واستبشرت خيرا! أخيرا سيأخذني ابني الى الطبيب وسأشفى من المرض! خرجنا من الدار وصعدنا السيارة وانطلقنا.. مشت بنا السيارة مسافة طويلة حتى وقف في مكان بعيد جدا عن الدار! بعد ذلك أنزلني من السيارة وأخذ بيدي يقودني إلى عيادة الطبيب إلى أن وصل بي إلى مصطبة عامة فأجلسني عليها لأرتاح قليلا وقال لي: انتظر هنا قليلا وأنا سأذهب الى عيادة الطبيب وأحجز لك عنده! ذهب ولدي العزيز على قلبي وأنا انتظر! تأخر عني كثيرا! مر كثير من الوقت ولم يعد ابني إلي! بدت تنتاب في خاطري أفكار وهواجس مقلقة! وبدأت أتحدث مع نفسي هل أن ابني قد تعرض لعملية اختطاف؟ أو.. ربما أشتبه به فاعتقل! لحسن الحظ لم أسمع آنذاك صوت انفجار أو أي حالة من الهلع بين الناس؛ لأن ذلك لو كان وأنا بهذا الحال لكنت في موقف لا أحسد عليه أبدا! لقد كانت حركة الناس في الأسواق طبيعية.. نزل قرص الشمس قريبا من الأفق وابني لم يعد إلي! أين أنت يا بني العزيز؟ أين أنت يا فلذة كبدي؟ بدت الشمس تغيب.. وبدا ضوء النهار يخفت.. والظلام أخذ يخيم علينا شيئا فشيئا! لم أستطع أن أتمالك نفسي، نهضت محاولا أن أمشي صوب الناحية التي ذهب فيها ولدي العزيز، لأن قلبي كاد أن ينفطر خشية عليه! وما إن مشيت قليلا حتى سقطت على الأرض! فأنا رجل عجوز لا أقوى على المشي بدون أن يساعدني أحد! جاءني أحدهم وهو شاب خلته من المارة بعد أن رآني من بعيد وقد سقطت أرضا! أخذ بيدي وحملني بذراعيه الطيبتين وأرجعني الى المصطبة التي كنت جالسا عليها، وما أن أراد التكلم حتى قاطعته بكلام: لا أريد إلا ولدي! لقد ذهب الى عيادة الطبيب ليحجز لي عنده! ولكنه لم يعد منذ ما يقرب من ثلاث ساعات أين أنت يا بني؟ أين أنت يا روحي؟ أين أنت يا من وهبته عصارة حياتي؟!.. قاطعني الشاب الطيب سائلا: ماهي أوصاف ابنك أيها الحاج؟ أجبته بسرعة مستبشرا! هل ستبحث عن ولدي؟ أجبني، إن ابني رجل أربعيني، يرتدي بدلة زرقاء، ذو بشرة بيضاء رشيق طويل القامة، وقد ذهب بهذا الاتجاه.. فقاطعني الشاب بقوله: ايها الحاج إن ابنك قد رمى بك الى الشارع وذهب ولم أعرف أنه ابنك! تحدث لي قبل قليل من الآن! وبهذه الأوصاف التي قلتها! لقد استأجرني وقال: إنني مستعجل وعلي الذهاب، هذا مبلغ من المال اذهب به واعطه الى ذلك الفقير وأشار نحوك وهذه اجرتك التي أردت.. اذهب إليه وخذه فورا الى هذا العنوان فإنني قد حجزت له مكانا في دار العجزة!
أكمل الشاب كلماته بعد أن رسمت لي صورة قاتمة بائسة عن قابل الايام! أين أقضيها؟ ومن لي وأنا عجوز.. مريض في أغلب أوقاتي؟
لم أستطع أن أتمالك نفسي! جاشت مشاعري بالبكاء والنحيب! وزاد ارتعاش رجلي ويدي.. بقيت برهة لا أتكلم لهول الصدمة! أخيرا قررت أن أذهب الى دار العجزة! لكي لا أكون عالة على أحد! وبعدما عرف الشاب ما قررته أراد أخذي الى بيته وتعهد لي بالخدمة وأني سأكون كأبيه لكنني رفضت ذلك رفضا قاطعا بعد أن شكرته ودعوت له بالتوفيق والهداية، وقلت له نفذ ما أراده منك ولدي، فأتى بي الشاب الى هنا، ومنذ ذلك الحين وأنا لم أخرج من هذه الدار ولو لدقيقة واحدة!)، هذه القصة لم تكن من نسج الخيال! إنها قصة حقيقية! وهي ليست القصة الوحيدة إذ يوجد أمثالها أعداد مهولة وبكيفيات مرعبة ومخيفة! جرت أحداثها في أرض اسلامية! نعم، اسلامية بامتياز! فأي انحلال ذلك الذي وصل بنا إلى هذه النتائج المنحطة؟! وماذا تغير من عاداتنا وقيمنا وتقاليدنا؟! وإلى أين نحن ماضون إذا استمرينا على هذا المنوال في العد التنازلي من الانحلال الأخلاقي والقيمي؟! وهل سيبقى الوضع العام طبيعيا؟ أم أننا متجهون إلى مزيد من الابتلاءات والكوارث والأوبئة؟! والتي هي حسب اعتقادي نتيجة حتمية وعقابية لكل أمة تنحو بهذا النحو أو الاتجاه! نتيجة أسنها الله في خلقه ولن تجد لسنته تبديلا.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في آداب عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة