

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
المهارات التواصلية
المؤلف:
السيد مهدي الخطيب
المصدر:
مهارات الحياة
الجزء والصفحة:
ص32ــ45
2026-04-22
12
إذا أردنا تقديمَ تفسيرٍ دقيقٍ لطبيعة المهارات التواصلية، فلا بد لنا من أن نتناول المهارات اللفظية وغير اللفظية معا، لا أن نقتصر على الجانب الكلامي فحسب؛ وهو ما لم يُولِهِ الاهتمام الكافي في السابق. ولذا، ينبغي في مختلف المواقف التواصلية وفي التفاعلات الاجتماعية سواء في المنزل أو الشارع أو مكان العمل أو قاعة الدرس الالتفاتُ إلى القنوات الكلامية وغير الكلامية على حدٍّ سواء.
السلوك اللفظي يقتصر على استخدام الكلمات أو اللغة، في حين يشمل السلوك غير اللفظي كلا من السلوكيات الصوتية وغير الصوتية. فالسلوك الصوتي يتضمّن جميع جوانب الكلام أي اللغة وأدواتها النطقية، مثل نبرة الصوت، وسرعته، والتأكيد الصوتي، وما إلى ذلك. أمّا السلوكيات غير الصوتية، فهي تشير إلى سائر الأفعال التي تؤدي وظيفة تواصلية، مثل تعابير الوجه، والإيماءات، وحركات الجسد(1).
قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أنّ المهارات التواصلية تتأثر إلى حد كبير بعوامل ظرفية مثل السن، والجنس، والقيم الفردية والاجتماعية. فالقيم الدينية والثقافية التي نعتنقها تُحدّد دائرة العلاقات وكيفية التواصل مع الآخرين. ومن الضروري أن يُؤخذ السياق الثقافي الذي يتم فيه التواصل بعين الاعتبار، لأنّه شرط أساس لأي علاقة تواصلية ناجحة.
أ- المهارات الابتدائية
1. البشاشة
يتّفق أغلب علماء السلوك على أنّ الوجه يُعد أهم مصدر للمعلومات المرتبطة بالعواطف وأن فهم مشاعر المتحدث يتطلب الانتباه إلى تعابير وجهه المتغيرة(2). ويُعد إظهار التعابير الإيجابية من خلال البشاشة أحد أبرز العناصر تأثيراً في التواصل الفعال. فهذا السلوك البسيط، الذي كثيراً ما يُغفل عنه في التفاعلات، يؤدي دورًا محوريا في بناء علاقات تواصلية ناجحة ومؤثرة(3). البشاشة، التي ترتبط غالبًا بمظاهر الوجه وتعابيره الظاهرة(4)، تُعدّ بحسب التعاليم الروائية من أبسط المهارات التواصلية وأوّلها، لما تؤدّيه من دور فعال في تسهيل التواصل بين الفرد والآخرين(5). وقد كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ناطقة بتطبيق هذا الأسلوب في علاقاته وتفاعلاته مع الناس. وقد روى الإمام الباقر (عليه السلام) أن رجلاً جاء إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وقال: يا رسول الله! أوصني فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ((اِلق أخاكَ بوجهٍ مُنبَسِطٍ))(6).
وروي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: ((إذا لَقِيتُم إخوانكم فَتَصافَحُوا، وأظهروا لَهُمُ البَشاشَةَ وَالبشر))(7).
2. الابتسام
إلى جانب البشاشة المرتبطة بتعابير الوجه الظاهرة، يُعدّ الابتسام من الوسائل المؤثرة في تعزيز التواصل الفعال.
فالابتسامة سلوك غير لفظي يُقوّي بشكلٍ إيجابي سلوك الطرف المقابل في العلاقة التواصلية.
ومن خلال هذا الأسلوب، نكافئ الآخر معنويا، ونُشجعه على مواصلة التواصل؛ وهو سلوك دأب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ممارسته باستمرار. رُوي عن أبي الدرداء أنه قال: ((كان رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) إذا حَدَّثَ بحديث تَبَسَّمَ في حديثه))(8).
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الناسِ إدراكا لأثر الابتسامة في التواصل، وكان يوظف هذه المهارة في علاقاته مع الآخرين لتحقيق أهدافه التربوية والروحية. وقد قال عبد الله بن حارث: ((ما رَأَيْتُ أَحَدًا أَكثَرَ تبسما مِن رَسول الله صلى الله عليه وآله))(9).
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أَنه قال: ((مَن تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ أخيه، كانَت لَهُ حَسَنةٌ))(10).
3. إلقاء السلام
يُعدّ إلقاء السلام من المهارات الابتدائية في بناء تواصل فعال ومُرضٍ(11)، إذ يُثير في الطرف المقابل مشاعر إيجابية، ويمهد لتواصل وديّ ومُطمئن. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاببتُم؟ أفشوا السلام بينكم))(12). وبالإضافة إلى ذلك، يُسهم السلام في تسهيل بدء العلاقة، ويُوفّر جوا من الطمأنينة خاليًا من التوتر والانزعاج. وقد قال الإمام علي سلام: ((لكل داخل دَهْشَةٌ، فَابدؤوا بالسَّلامِ))(13).
وهكذا، فإنّ من يبدأ التواصل ويقرنه بالسلام يكون قد تخلى عن التكبر والتعالي. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((البادئ بالسَّلامِ بَرِيءٌ مِنَ الكبر))(14).
في التعاليم الدينية، يُعدّ إلقاء السلام على الأخ المسلم عند اللقاء من حقوق المسلم على أخيه، وقد جعل لمن يبدأ بالسلام قبل غيره أجر أعظم ومكانة أعلى. وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((لِلْمُسلِمِ عَلَى أَخِيهِ المُسلِمِ مِنَ الْحَقِّ أَن يُسلَّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ))(15).
من جملة حقوق المسلم على أخيه أن يُسلّم عليه إذا لَقِيَه.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((للسَّلَامِ سَبعُونَ حَسَنةٌ، تِسْعٌ وَسِتُّونَ للمُبْتَدِى، وَوَاحِدَةٌ للراد))(16).
إلقاء السلام على الجميع يُعدّ سببًا في جلب الخير والبركة إلى البيت، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((أَفْشِ السَّلامَ يَكثُر خَيْرُ بَيتك))(17).
قال الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، قال بأن المقصود من الآية هو أن يُسلَّمَ الرجلُ على أهل بيته عند دخوله، وأن يردوا عليه السلام؛ فذلك هو سلامكم على أنفسكم(18).
4. المصافحة
تعد المصافحة من المهارات غير اللفظية في التواصل، وهي تبعث في الطرف الآخر رغبة في الحوار والتفاعل.
فهذا الأسلوب يُشجّع الجانبين على بدء الحديث بمزيد من الاهتمام، ويدفعهما إلى التعبير عن آرائهما. ومن الطبيعي أن مثل هذا الدعم الانفعالي السلوكي يُسهم في تعزيز الفهم المتبادل، ويفضي إلى علاقة مريحة ومجزية للطرفين. وقد أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على هذه الطريقة في التواصل، فقال: ((إذا التقيتُم فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرقتُم فتفرقوا بالاستغفار))(19).
وقد أكد على هذا الأسلوب من التواصل، لا في التعامل مع الأصدقاء فحسب، بل حتى مع الأعداء الذين يكرهون التواصل. قال الإمام علي (عليه السلام): ((صافِحٌ عَدُوَّكَ وَإِن كَرِهَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا أمَرَ اللهُ عز وجل به عبادَهُ، يقولُ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34](20).
المصافحة في العلاقات اليومية العادية، ولا سيما مع الأشخاص الذين نلتقيهم بشكل متكرر وفي فترات زمنية قصيرة، تُعدّ أسلوبًا شائعا ومرغوباً وذو تأثير فعال. وقد اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) المصافحة جزءًا من كمال التحية في مثل هذه اللقاءات، فقال: ((إنَّ مِن تَمَامِ التَّحِيَّةِ لِلمُقِيمِ المُصافَحَةَ))(21).
المصافحة بالإضافة إلى دورها في تمهيد علاقة ودية ومريحة، تُسهم أيضًا في إزالة ما قد يعلق في النفوس من كدورات وضغائن نشأت في سياق العلاقات السابقة. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((تصافحوا؛ فإِنَّ التَّصافُحَ يُذهِبُ السَّخيمَةَ))(22).
وفي رواية أُخرى، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((تصافحوا؛ فإنَّه يَذْهَبُ بِالغِل))(23).
كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا النمط من التواصل مثالاً راقيًا، نظرا لما في التواصل الجسدي من أثر عاطفي عميق وما رُتّب عليه من ثواب جزيل. فقد كان إذا صافح رجلاً، لا يسحب يده أبدًا حتى يكون الآخر هو من يسحبها أولاً. وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ذلك قوله: ((ما صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلًا قَطُّ، فَنَزَعَ يَدَهُ حتى يكون هو الذي يَنزِعُ يَدَهُ منه))(24).
وثواب هذا الأسلوب من التواصل أن تُغفر الذنوب الناتجة عن الكدر والقطيعة في العلاقات بين الأفراد.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((إذا لَقِيتُم إخوانكُم فَتَصافَحُوا، وأظهروا لهُمُ البَشاشَةَ والبِشرَ؛ تَتَفَرَّقُوا وَمَا عَلَيْكُم مِنَ الأوزارِ قد ذَهَبَ))(25).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) أيضًا: ((إِذَا صَافَحَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، فَالَّذِي يَلْزَمُ التَّصَافُحَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يَدَعُ، أَلَا وَإِنَّ الذُّنُوبَ لتَتَحَاتُ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى ذَنْبٌ))(26).
5. العناق (المعانقة)
إن المعانقة تنقل إلى الطرف المقابل شعورًا أعمق بالدفء والمودة، وتُولّد انطباعًا إيجابيًا لديه. كما أن اعتماد هذا الأسلوب يتيح قدرًا أكبر من المرونة في العلاقة لكلا الطرفين. وتزداد فعالية هذا السلوك عندما تكون اللقاءات متباعدة زمنيا، إذ يُضفي على التواصل أثرًا أبلغ. وقد اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) المعانقة تحية كاملة لمن عاد من السفر، فقال: ((إِنَّ مِن تمَامِ التَّحِيَّةِ لِلمُقيم، المُصافَحَةَ، وَتمَامُ التَّسليمِ عَلَى المُسافِرِ المُعانَقَةُ))(27).
يَعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) أن نتيجة هذا السلوك – أي المعانقة ـ هي زيادة مرونة المؤمنين في التعامل مع بعضهم البعض، وغفران ما مضى من الزلات والخطايا بينهم. قال (عليه السلام): ((إنَّ المُؤمِنَين إذا اعتنقا غَمَرَتهُما الرَّحمةُ، فإذا التزما لا يُريدانِ بذلك إلا وجه الله، ولا يُريدانِ غَرَضًا من أغراض الدنيا، قيلَ لهما مغفورا لكما، فاستأنفا))(28).
إنّ ((الرحمة)) المذكورة في هذه الرواية تُشير إلى المودة واللين في التعامل، إذ إنّ الرحمة، حين تصدر عن الله سبحانه وتعالى، فهي تعني الإنعام والإحسان الإلهي، وأما إذا كانت بين الناس، فإنّها تُعبر عن المحبة والتراحم والمرونة في السلوك(29).
وهذه الحالة من التواصل لا تقتصر على كونها مشمولة برحمة الله أي بفضله وإحسانه بل بإمكانها أيضًا أن تُعزّز من مشاعر التراحم والليونة بين الناس، فتُمهد لعلاقات أكثر إنسانية ودفئًا.
وجاء في رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((أيمًا مُؤْمِنٍ خَرَجَ إِلى أَخِيهِ يَزوره عارِفًا بِحَقِّهِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطُوَةٍ حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ سَيِّئَةٌ، وَرَفَعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ، وَإِذَا طَرَقَ البابَ فُتِحَتْ لَهُ أبوابُ السَّماءِ، فَإِذا التَقَيًّا وَتَصافَحا وَتَعَانَقا أَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِما بِوَجْهِهِ))(30).
6. التقبيل
تُعدّ أشكال التواصل الجسدي مثل المصافحة والمعانقة مؤشرات على مدى المودة والاهتمام الذي نكنه للطرف الآخر، ويأتي التقبيل كإحدى هذه الوسائل التي تعزز عمق العلاقة وتسهم في تفعيل التواصل العاطفي. وقد أشارت التعاليم الروائية إلى أن تقبيل الجبين أو الخدّ للأخ المؤمن يُعد من مظاهر العلاقة المؤثرة والدافئة، ويُستخدم هذا الأسلوب للتعبير عن الدعم المعنوي، والتحفيز على الحوار، والتقارب بين القلوب. ورُوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال مخاطبًا شيعته: ((إِنَّ لَكُم لَنُورًا تُعرَفونَ بِهِ في الدُّنيا، حتّى إِنَّ أَحَدَكُم إِذا لَقِيَ أَخاهُ، قَبَّلَهُ فِي مَوضِعِ النُّورِ مِن جَبْهَتِهِ))(31).
وروي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أيضًا أنه قال: ((مَنْ قَبَّلَ لِلرَّحِمِ ذَا قَرَابَةٍ، فَلَيسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقُبْلَةُ الأَخِ عَلَى الْخَدِّ، وَقُبْلَةُ الإِمَامِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ))(32).
يؤدي التقبيل في سياقات التواصل المختلفة إلى نتائج متنوعة. ووفقًا للتعاليم الروائية، فإنّ تقبيل الولد يجلب الرحمة والمحبة، وتقبيل الزوجة يزيد من الرغبات الجنسية، كما يُعدّ تقبيل الوالدين عبادة، أما تقبيل الأخ المؤمن فهو من الدين. وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((قبلَةُ الوَلَدِ رَحمَةٌ، وقُبلَةُ المَرَأةِ شَهَوَةٌ، وقبلةُ الوالِدَينِ عِبادَةٌ، وقبلَةُ الرَّجُلِ أَخَاهُ دِينٌ))(33).
7. الاتصال البصري
تُعدّ العينان وما يحيط بهما من أكثر المؤشرات التعبيرية بلاغةً في التواصل. فهي تعبّر عن الحالات الباطنية التي يعيشها الإنسان، ولذلك وُصفت بأنها طليعة القلب(34)، ووصفت النظرة بأنها رسول المشاعر(35). وبما أنّ العينين تعبران عن الحال الباطني، فإنّهما تتلألآن في أوقات السرور، وتحمران وتغمرهما الدموع في أوقات الحزن، وتحدّقان بغضب في لحظات الغضب والانفعال. تنقل العينان معلومات شديدة الأهمية بشأن علاقاتنا بالآخرين؛ فهي تُظهر الحبّ والثقة تجاه شخص، أو تنقل مشاعر البعد والبرود وانقطاع الصلة عن شخص آخر(35).
ومن خلال العينين يمكن فهم مدى اهتمام الفرد ومحبته. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في هذا السياق: ((إنّ المَوَدَّةَ يُعَبِّرُ عنها اللَّسانُ وعَنِ المَحَبَّةِ العَينانِ))(36).
في العديد من الثقافات، يُعتبر الاتصال البصري الحميم والدافئ أخلص أشكال العلاقة المتبادلة. فالاتصال البصري يعكس شدة مشاعرنا تجاه الآخرين. من الناحية الظاهرية، نطيل النظر إلى أولئك الذين نحبهم أكثر، حيث نخصص لهم نظرات أطول وأكثر. أولئك الذين يحملون مشاعر حب لبعضهم البعض يقضون وقتا أطول في التواصل البصري. وكذلك، الأشخاص الذين تجمعهم العداوة يحدقون في بعضهم البعض بنظرات حاقدة. ومع ذلك، يمكن التمييز بسهولة بين هذين النوعين من النظرات الثابتة؛ إذ يصاحب كلّ منهما تعابير وجهية مختلفة مثل الابتسامة والغضب(37).
8. الحالة الجسدية
كما أن الوجه يُعطي معلومات كثيرة عن المشاعر الداخلية للآخرين، فإنّ وضعية الجلوس تُعد من أهم مصادر المعلومات في التواصل. فإنّ كيفيّة وقوف الفرد أثناء الحديث أو وضعية جلوسه تُعتبر أمرًا مهما في بناء العلاقات. كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يختار أساليب متنوعة في الجلوس بحسب المواقف المختلفة. وقد روى السيد عبد العظيم عليه السلام: ((كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) يَجْلِسُ ثَلَاثًا: الْقُرْفُصَا وَهُو أَنْ يُقِيمَ سَاقَيْهِ ويَسْتَقْبِلَهُمَا بِيدَيْهِ وَيَشُدَّ يَدَهُ فِي ذِرَاعِهِ؛ وَكَانَ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ وَكَانَ يَثْنِي رِجْلًا وَاحِدَةً وَيَبْسُطُ عَلَيْهَا الْأُخْرَى وَلَمْ يَرَ (صلى الله عليه وآله) مُتَرَبَّعًا قَطُّ))(38).
إن اختيار أي من هذه الأوضاع، بغض النظر عن كونها توفر الراحة الجسدية للفرد في حالات مختلفة، يمكن أن يكون دلالة على استعداد الشخص أو عزوفه عن التواصل، وهذا يختلف من ثقافة إلى أخرى يروي أبو حمزة الثمالي أنه رأى الإمام السجاد (عليه السلام) جالسًا ووضع إحدى ساقيه على فخذيه. فقال: ((إن الناس لا يرون هذه الجلسة لائقة، ويقولون إن هذه الجلسة هي جلسة الربّ)). فأجاب الإمام (عليه السلام): ((إِنِّي إِنما جَلَسْتُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ لِلْمَلَالَةِ وَالرَّبُّ لَا يَمَلُّ وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ))(39).
9. إعلان الصداقة
بعد المرحلة الأولى من التواصل، تتفاوت درجات استمراريته واستقراره. فقد يُفضي إلى صداقة متينة، أو ينتهي في لحظته من دون أن يُستأنف مجددًا. عندما تنشأ علاقة عاطفية بين شخصين وتتجاوز مرحلة التواصل البسيط والمبدئي، فإنه من المناسب أن يُعلم أحدهما الآخر بمقدار المودة التي يكنها له، مما يسهم في تدعيم الرابطة بينهما. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إِذا أَحَبَّ أَحَدُكم أخاهُ فَلَيعلِمهُ؛ فَإِنَّهُ أَصلَحُ لِذَاتِ البَينِ))(40).
الإفصاح عن محبة الشخص للآخر يُسهم إسهاما كبيرا في تعزيز استقرار العلاقات واستمراريتها.
10. الإحسان والنصح
المرحلة الأخيرة من العلاقة هي حين يعتزم الطرفان الانفصال وإنهاء التواصل. وفي هذه المرحلة، فإن ((تمني الخير للطرف الآخر)) يُعدّ ختامًا نافعا وفعّالاً. وفي التعاليم الدينية، يُعدّ الإحسان والنصح آخر ما يُوصى به عند إنهاء العلاقة، ويُشدَّد على طلب المغفرة في هذا السياق. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((إِذَا التَقَيتُمْ فَتَلاقوا بالتسليمِ وَالتَّصَافُحِ، وإِذا تَفَرَّقْتُم فَتَفَرَّقُوا بالاستغفار))(41).
____________________________
(1) مهارت هاي اجتماعي در ارتباطات ميان فردي، ص 15.
(2) روان شناسی روابط انساني، ص128.
(3) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((لا تُحَقِّرَن مِنَ المَعروفِ شَيْئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)).
(4) الفراهيدي الخليل بن أحمد العين، ج 6، ص 259؛ ابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص 60.
(5) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((ثَلاثٌ يُصفين وُدَّ المرء لأخيه المسلم: يَلْقَاهُ بِالبشر إذا لَقِيَهُ، وَيُوَسِّعُ لَهُ في المجلس إذا جَلَسَ إِلَيْهِ، وَيَدعُوهُ بِأَحب الأسماء إليه)). الكافي، ج 2، ص 643، ح3.
(6) الكافي، ج 2، ص 103، ح 3.
(7) بحار الأنوار، ج 76، ص 20، ح 3.
(8) مكارم الأخلاق: ج 1، ص 58، ح 46.
(9) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 372.
(10) الكافي، ج 2، ص 206، ح1. قال الإمام الباقر عليه السلام: ((تبسُّمُ الرَّجُلِ فِي وَجِهِ أَخِيهِ حَسَنةٌ)). م.ن، ج 2، ص188، ح 2.
(11) قال الإمام الحسين عليه السلام: ((السَّلام قبل الكلام)). تحف العقول، ص246.
(12) النيشابوري، مسلم بن حجاج القشيري، صحيح مسلم، ج1، ص 74، ح93.
(13) الآمدي، أبو الفتح، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 541، ح 7314.
(14) نهج الفصاحة، ص 375.
(15) الكافي، ج 2، ص 171.
(16) تحف العقول، ص 248.
(17) القمي، محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، الخصال، ص181، ح246.
(18) بحار الأنوار، ج 76، ص 5، ح16.
(19) الكافي، ج 2، ص 181، ح 11.
(20) الخصال، ص 633، ح 10.
(21) الكافي، ج 2، ص 646، ح 14.
(22) بحار الأنوار، ج 77، ص 158، ح 149.
(23) بحار الأنوار، ص 165، ح2.
(24) الكافي، ج 2، ص 182، ح 15.
(25) قال الإمام الباقر عليه السلام: ((إنَّ المؤمن إذا صافح المؤمِنَ، تَفَرَّقا مِن غَيرِ ذَنبٍ)). بحار الأنوار، ج 76، ص 20، ح 3.
(26) الكافي، ج 2، ص 181، ح 13.
(27) الكافي، ص 646، ح 14.
(28) م. ن، ص 184، ح2.
(29) ((إِنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الله إنعام وإفضال، وَمِنَ الآدميين رِقةٌ وتَعَطَّفٌ)). مفردات ألفاظ القرآن، ص 348.
(30) الكافي، ج 2، ص 183، ح 1.
(31) م. ن، ج 3، ص 472.
(32) الكافي، ص 474.
(33) قال الإمام علي (عليه السلام): ((العُيونُ طلائع القُلوبِ)). الآمدي، أبو الفتح، غرر الحكم ودرر الكلم، ص32، ح405؛ عيون الحكم والمواعظ، ص38، ص836.
(34) قال الإمام علي (عليه السلام): ((العين بريد القلب)) غرر الحكم ودرر الكلم، ص 31، ح368.
(35) روان شناسي روابط انساني، ص129.
(36) عيون الحكم والمواعظ، ص 141، ح 3156.
(37) مهارت هاي اجتماعي در ارتباطات ميان فردي، ص 62.
(38) الكافي، ج 2، ص 484، ح1؛ العاملي، الحر، وسائل الشيعة، ج 12، ص106، ح 15772.
(39) الكافي، ج 2، ص 661، ح 2.
(40) راوندي، النوادر، ص12.
(41) الكافي، ج 2، ص181، ح 11.
الاكثر قراءة في آداب عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)