ورأى الإخوان في قمران نزاعًا دائمًا بين الخير والشر، وقالوا: إن الله خلق روحين: روح الحق وروح الشر، ووزَّعهما على البشر أجمعين لتقوداهم في أعمالهم، فكل ما هو حق من عالم النور ينبثق، وكل ما شر من آبار الظلمة ينبع، وأبناء الحق في طريق النور يسلكون وأمير الأنوار يتَّبعون، أما أبناء الشر فإنهم في طُرُق الظلمة يتيهون ولملوك الظلام يخضعون، والشر والخطيئة بأمره يصنعون (1). والعالم الأرضي الذي عاشوا فيه كان مملكة بليعال، أما زعيم الصلاح فإنه كان ميخائيل.
وأدت هذه الثنائية إلى القول بحرب نهائية فاصلة بين أبناء النور وأبناء الظلام ينتصر بها القمرانيون على العالم أجمع بقيادة الملاك الرسول الأمين ميخائيل. وإذا كان بإمكاننا أن نجد بعد العناء جذورًا للقول بروحين في الأسفار القديمة، فإنه يصعب العثور على ما يُحبذ فكرة جهاد مُقدَّس يقوم به أفراد قمران، فيستولون على العالم أجمع، فلا بد والحالة هذه من الاعتراف بأثر بالغ للثنائية الفارسية في تطوُّر الفكر القمراني (2). وإليك ترجمة أنشودة من أناشيد هذه الحرب كما جاءت في درج النور والظلام (3). يعود الفضل في نقلها إلى العربية إلى الأستاذ إبراهيم مطر في كتابه مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران:
انهض أيها المحارب واحصد أيها الشجاع، وضع يديك على رقاب أعدائك ورجلك على أكوام موتاهم … اضرب الشعوب المعتدية واضمن المجد واملأ ميراثك بالبركات. فهذا هو اليوم الذي عيَّنه الله لإذلال مملكة الشر، فإنك يا الله ترسل عونكَ الدائم لمن لهم نصيب في خلاصك على يد ملاكك القوي ورسولك الأمين ميخائيل، ويُرسل الله نورًا أبديًّا؛ ليُضيء سبيل أبناء النور وينصرهم على أعوان الظلام ويملأهم بالفرح، وكل الذين وضعوا اتكالهم على الله ينالون البركة والسلام (4).
...............................................
(1) I Q S. III, 18–23.
(2) Ploeg, van der J., Excavations at Qumran, 95–105; Milik, J. T., Dix Ans, 81-82.
(3) I Q M.
(4) I Q M XIX; Dupont-Sommer, A., Ecrits, 211.