وليس في أدب قمران عن الله وعن الكون والإنسان ما يُناقض الأُسس التي قامت عليها أحكام العهد القديم. فالأسفار المقدسة ظلت في نظر الإخوان سيدة الموقف، وخروج اليهود على أحكامها خروجًا متتاليًا قرَّب موعد انقضاء الدهر وأوجب التفاف الإخوان حول «المعلم»، وانصياعهم إلى نصائحه والقيام بما فرضه من عزلة وتوبة وشظف عيش (1). وأمست علاقتهم بالله، عز وجل، هي تلك التي أعلنها أرميا النبي في الفصل الحادي والثلاثين من نبوَّته (2):
ها إنها تأتي أيام يقول الرب أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهدًا جديدًا لا كالعهد الذي قطعتُه مع آبائهم يوم أخذتُ بأيديهم لأُخرجهم من أرض مصر؛ لأنهم نقضوا عهدي فأهملتهم أنا، يقول الرب. ولكن هذا العهد الذي أقطعه مع آل إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا.
وجاء هذا العهد الجديد مربوطًا في نظر الإخوان بموهبة خصوصية منحها الله لمُعلِّم الصدق لفهم وعوده، عز وجل، وعهوده، وأمسى الإخوان ينتظرون انقضاء الدهر ويترقبون الرؤى التي كانت تحلُّ على المعلم، وباتت شرائعهم شرائع وقْتية لا بد من الاستعاضة عنها عند انقضاء الأجل بالشريعة الجديدة الدائمة (3).
وبان فرقٌ بين تعاليم العهد القديم وتعاليم «المعلم» في شروط الانتماء للشعب الجديد، فلم يكتفِ المعلم بأن يكون المرشح من شعب الله المختار، بل أوجب على كل مرشح أن يتخذ قرارًا لنفسه «ينتدب» به نفسه للشريعة (4). وافترض في هذا المُنتدب أن يكون خاليًا من كل عيب جسدي أو أدبي. فقد جاء بين مُخلَّفات الكهف القمراني الرابع (5) نص يُكمل ما جاء في مخطوط دمشق من حيث الانتماء إلى الجماعة. فلا البُله ولا الحُمْق ولا الهُبْل ولا المجانين ولا العُمي ولا المُقعَدون ولا العُرْج ولا الصُّمُّ، ولا القُصَّر يدخلون في عِداد الجماعة. ولعل في هذا النص ما يوضح ما جاء في إنجيل لوقا (14: 21)، ويُظهر الفرق الظاهر بين رسالة السيد المُخلِّص وبين تعاليم هؤلاء القمرانيين؛ فرسالة السيد المسيح عالمية تشمل جميع خلق الله ورسالة هؤلاء محصورة مقفلة سرية (6).
...........................................
(1) C D, 1–8, 19-20.
(2) C D, 8, 21; I Q P Hab. II, 3.
(3) P. Hab, VII, 1-2, 4-5, II, 5–10; S IX, 10 f; D 14, 18 f.
(4) 1 مكابيين 2 : 42.
(5) 4 Q D b.
(6) Milik, J. T., Dix Ans, 74–77.