يصر صاحب تفسير المنار اصرار شديدا على تطبيق عبارة (أُمَّةً وَاحِدَةً) على كون الناس (مدنيين بالطبع). وفي سياق مقدمة البحث يبتدئ كلامه بقوله إني قد طلبت من أستاذي (محمد عبده) أن يكتب بقلمه تفسير الاية التي هي مورد البحث وقد استجاب الاستاذ لطلبي فكتب تفسيرها كاملا بخط يده أما دوري فكان مقتصرا على وضع الارقام للسور والآيات في شواهد ما كتبه.
وبعد أن بين الاستاذ آراء المفسرين في تفسيريها بين رأيه كما يلي: إن فعل (كان) الوارد في بداية الاية منسلخ عن الزمان الماضي ويدل على جميع الازمنة مثلما هو في آية (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) منسلخ عن الزمان أيضا.
وعلى هذا، يكون معنى الآية أن الناس لما كانوا بطبيعتهم مدنيين واجتماعيين ولا يستطيعون العيش منعزلين منفردين، فهم أمة واحدة؛ لأنّ أي إنسان لا يستطيع دون مساعدة الآخرين أن يلبي جميع احتياجاته اللامحدودة، بل لا سبيل أمامه إلا الاتحاد مع أبناء جنسه ومعونتهم والاستعانة بهم. وعليه أيضاً فلا يمكن للبشر أبداً أن يستغني عن الاجتماع والتعاون، كما يشهد التاريخ البشري على ذلك.
ولما كان الناس مدنيين واجتماعيين بمقتضى طبيعتهم وخلقتهم فلا مفرّ من وقوع الاختلافات في ما بينهم شاءوا ذلك أم أبوا، وإذا لم يعملوا على الحؤول دون وقوع تلك الاختلافات أدى ذلك إلى اختلال النظام.
ولما كان اللطف والرحمة من صفات الله سبحانه أرسل رسله وأنزل معهم أحكاماً وقوانين جمعها في كتاب؛ حتى يصير ذلك الكتاب حكماً بين الناس ويقضي على الخلافات التي تنشب بينهم[1].
ويرد الإشكال على هذا الكلام من جهات:
1. إن انسلاخ فعل (كان) عن الزمان الماضي يحتاج إلى القرينة. والقرينة في آية (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا[2]) موجودة، وهي نزاهة الله وصفاته الكمالية عن التوقيت، في حين أن هذه الآية لا تخلو من القرينة الموافقة فقط، بل تتضمن قرينة الخلاف أيضاً، وهي تفريع بعثة الأنبياء على وحدة الأمة من أجل حل الخلافات الناشبة بين الناس.
2. إن الأدلة العقلية والقرآنية والحديثية والشواهد التاريخية تدلّ على عكس ما يدعيه من أن المعيشة المدنية والاجتماعية من اللوازم الذاتية والطبيعية للناس[3]. إنّ الطغيان والاستغلال كامنان في طبيعة الناس، وهم لا يخضعون للمدنية ما وسعهم ذلك، ويستفيدون من الطبيعة كيفما شاءوا، مثلما يرغبون في استغلال أبناء جنسهم. إلّا أنّ خصلة الاستثمار هذه نفسها كامنة في نفوس الآخرين أيضاً، كما أنهم يصعب عليهم العيش منعزلين؛ لهذا نراهم مضطرين إلى الخضوع لقوانين الاجتماع مكرهين لكنهم سرعان ما ينقضون جميع العقود الاجتماعية والمعاهدات الدولية متى ما توفرت لديهم إمكانية ذلك:، (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ[4])، (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً[5]).
3. إن تفريع بعثة الأنبياء على كون الإنسان مدنياً بالطبع لا يكون مناسباً إلا إذا قيدناه بحصول ما يوجب الاختلاف والفساد؛ لأنّ الآية تشير إلى أن الحكمة من بعثة الأنبياء أولي العزم هي رفع الاختلافات، ومعنى هذا وجوب تقدير (الاختلاف) في الآية، في حين أن صاحب المنار لا يرضى بذلك معتقداً أن مثل، هذا التقدير لا يناسب الذوق العربي.
وخلاصة الكلام أنّ ظاهر الآية ليس إفادة أن الأنبياء قد جاؤوا لتعليم الكتاب والحكمة؛ فمثل هذا المطلب مع كونه حقاً مضمون آيات أُخرى غير هذه الآية، بل ظاهر الآية التي هي مورد البحث هو أن الأنبياء من أُولي العزم قد بعثوا إلى الحكم في الاختلافات الناشبة بين الناس؛ ومعنى هذا وجوب افتراض الاختلاف.
4. إن كلامه يقوم على فكرة أنّ الآية التي هي مورد البحث لم تتعرض إلا إلى اختلاف واحد، في حين أنّ الآية صريحة في وجود اختلافين تقريباً[6].
[1] تفسير المنار، ج 2، ص 280 - 282 .
[2] سورة الفتح، الآية 19.
[3] سيأتي تفصيل البحث في الأدلّة المذكورة في قسم الإشارات واللطائف.
[4] سورة التوبة، الآية 12 .
[5] سورة التوبة، الآية 10 .
[6] راجع الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 125 - 126 .