1. شأن النزول: نزلت الآية في أبي جهل وغيره من رؤساء قريش، بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين فقراء مثل عبد الله بن مسعود وعمار وبلال وخباب، ويقولون: لو كان محمد نبياً لا تبعه أشرافنا؛ عن ابن عباس.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبي وأصحابه يسخرون من ضعفاء المؤمنين؛ عن مقاتل.
وقيل: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين؛ عن عطاء. ولا مانع من نزوله في جميعهم[1].
تنويه: ظاهر الآية الشريفة هو عمومها، فهي غير مختصة بمثل هذه الموارد على فرض صحة سندها، وما كلّ ذلك إلا مؤيدات لذلك الأصل الجامع.
2. الحياة الدنيا من منظار الروايات: تندرج روايات المعصومين عليهم السلام - كما هي آيات القرآن أيضاً حول الحياة الدنيا ضمن ثلاث مجموعات:
أ. الروايات التي تمدح الدنيا وتعتبرها مزرعة للآخرة ومتجراً لأولياء الله:
عن رسول الله ﷺ: «الدنيا مزرعة الآخرة[2]».
قال الإمام علي - وقد سمع رجلاً يذم الدنيا -: «أيها الذام للدنيا! المغتر بغرورها! المخدوع بأباطيلها! أتغتر بالدنيا ثم تذمّها؟ ... متى استهوتك أم متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى أو بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ ... إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة[3].
قال علي عليه السلام: وحقا أقول ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء وهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص (النقض) في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك[4].
ب. الروايات التي تذم الدنيا والحياة الدنيا وتصفها بالمخادعة وأنها هي السبب في جميع الابتلاءات:
قال علي أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا تغر وتضر وتمر[5].
فاحذروا الدنيا فإنها غرارة خدوع معطية منوع ملبسة نزوع لا يدوم رخاؤها ولا ينقضي عناؤها ولا يركد بلاؤها[6].
الدنيا غرور حائل وسراب زائل وسناد مائل[7].
احذر الدنيا فإنها شبكة الشيطان ومفسدة الايمان[8].
ج. الروايات التي تعد الدنيا نوعين وتذم حبها والتعلق بها وهي بمثابة المحصلة للنوعين السابقين من الروايات: قال السجاد عليه السلام والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة[9].
قال علي عليه السلام: «رأس الآفات الوَلَهُ بالدنيا[10]».
قال السجاد عليه السلام: «حب الدنيا رأس كل خطيئة[11]».
وعنه عليه السلام: «إياك وحب الدنيا فإنّها أصل كل خطيئة، ومعدن كلّ بليّة[12]».
تنويه: يستفاد من مجموع الروايات أنّ الدنيا على نوعين: ممدوحة ومذمومة. والدنيا الممدوحة هي (عالم الشهادة)، وهي تقابل عالم الآخرة، وهي التي عبر الأئمة الأطهار عليهم السلام عليهم عنها بمزرعة الآخرة ودار الموعظة ومسجد أحباء الله ومصلى الملائكة ومهبط الوحي ومتجر أولياء الله.
وهذه الدنيا صادقة في جميع تعابيرها، ولن تخادع أحداً أبداً؛ لأن الدنيا الممدوحة هي دار الحق والصدق، تُري القبيح قبيحاً والجميل جميلاً، وكما هي دقيقة في تصويرها للبساتين والمتنزهات الغنّاء كذلك هي دقيقة في وصف المقابر والمنافي والمستشفيات، وهي ترسم في آن واحد عزّة الأعزاء وذلّة الأذلاء، وتشير إلى أيام جلوس أصحاب السلطة على عروشهم مثلما تشير إلى لحظات عزلهم وسقوطهم. متمثلة بالمثل المعروف (العزل طلاق الرجال وحيض العمال).
إذن، فأصل الدنيا حق وصدق، وهي جميلة بحد ذاتها، لا محلّ فيها للكذب والخداع وما يخالف الواقع، إذ هي آيةٌ إلهية ومخلوقةٌ من مخلوقات الله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[13]).
هذا في حين أنّ المذموم هو الوَلَه بالحياة الدنيا والتعلق بها، وما هي إلا تلك العناوين الاعتبارية والخيالية من حبّ الجاه وعبادة المناصب وتكديس الثروات والتفاخر وما مقصود الروايات الذامة للدنيا إلا هذه التعلقات الاعتبارية والخيالية دون نظام الكون التي هي منشأ جميع الخطايا والابتلاءات والتي لا تدع الانسان الا بعد أن تفضحه وتهوي به الى أحقر الدرجات ومن هنا عدها المعصومين عليهم السلام عدوا وحذروا الناس من خدعها وألا عيبها وأحابيلها.
ويمكن تمثيل هذه الدنيا بالمزرعة التي كانت صاحبها ظالما ومتكاثرا وكان العمال المسلمون يعملون فيها ويسقون أشجارها ويقطفون ثمارها وأزهارها فهي بالنسبة الى صاحبها ربما كانت وسيلة لتكديس الثروة والتفاخر فصارت مثالا للدنيا المذمومة في حين هي للعمال وسيلة الى كسب أرزاقهم وتلبية احتياجاتهم وحينئذ تكون ممدوحة ومزرعة للاخرة.
[1] مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 540 ؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 5 .
[2] عوالي اللآلئ، ج 1، ص 267؛ تنبيه الخواطر مجموعة ورّام، ج 1، ص 92 و 183.
[3] نهج البلاغة الحكمة 131
[4] نهج البلاغة الخطبة 223
[5] المصدر نفسه الحكمة 415
[6] المصدر نفسه الخطبة 230
[7] شرح غررالحكم ودرر الكلم ج2ص121
[10] شرح غرر الحكم ودرر الكلم، ج 4، ص 54 .
[11] الكافي، ج 2، ص 131 .
[12] شرح غرر الحكم ودرر الكلم، ج 2، ص 297 .
[13] سورة السجدة، الآية 7 .